تعدد اللغات الرسمية بين الضرورة والواقع

رشيد الإدريسي، جريدة المساء، عدد 27 نونبر 2007

يطرح مطلب ترسيم الأمازيغية اليوم من طرف الكثير من نشطاء الحركة الأمازيغية بوصفه مدخلا لإقامة وضع لغوي عادل في المغرب. والحقيقة هي أن هذا الرأي يصدر عن قراءة متسرعة وعاطفية للواقع المغربي، لا تراعي التعدد الذي يزخر به هذا الواقع الانقسامي، ولا تنتبه للدور الهام والجوهري الذي لعبته اللغة العربية وما زالت تلعبه في ضبط هذا الواقع، وتحقيقها لنوع من الإنصاف والتوازن بين مختلف مكوناته اللغوية والثقافية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الدعوات إلى ترسيم أكثر من لغة يقفز على معنى الترسيم ولا يعمل على تقديم أي تعريف واضح له، إذ يحصره في بضعة أسطر تدرج في الدستور لينتهي الأمر. بينما للمسألة، عكس ذلك، آثار اقتصادية وسياسية وثقافية وإقليمية واضحة. كما أنها قد تؤدي على المدى القريب، وإذا ما تم استغلالها من طرف الاتجاهات النـزوعية المتطرفة، إلى خلق نوع من الثنائية الثقافية الحادة وإدراج المغرب ضمن الدول التي تعاني من الصراع اللغوي والثقافي الذي يحكمه العنف والكراهية.

وحتى لا يفهم هذا الموقف بوصفه رغبة في نفي الاختلافات الموجودة في المجتمع، نقول مسبقا، بأننا مع دستور ديمقراطي يعكس طبيعة المجتمع السوسيوثقافية ويضمن لكل المغاربة الحفاظ على تنوعهم والتمتع بقيم المواطنة، دستور منفتح على المكون الأمازيغي بمختلف تعبيراته والمكون الأندلسي والزنجي والعربي الإسلامي والحساني والدوارج المغربية و اعتبار كل هذه اللغات لغات وطنية، مع الإبقاء على اللغة العربية الفصيحة لغة رسمية تجسر العلاقات بين المغاربة وبصفتها أداة للتماسك الاجتماعي رمزيا وثقافيا، بعيدا عن المضامين الإيديولوجية التي هي وليدة مرحلة من مراحل التاريخ.

فاللغة العربية الفصيحة عنصر ضروري لبناء الذات المغربية إلى جانب اللغات الوطنية الأخرى، كما أنها عنصر لا محيد عنه للتعامل مع الواقع الثقافي الدولي المركب ولإيجاد موقع قدم للذات المغربية في مواجهة الأحلاف والتكتلات الثقافية القوية. وهذا هو التصور المتوازن الذي قد يفيد المغرب في هذه المرحلة. والحقيقة هي أن هذا الخطاب المنادي بترسيم الأمازيغية بدل اعتبارها لغة وطنية، ينطلق من تصور خاطئ يعتبر أن في المغرب لغة نالت حقها الدستوري وهي اللغة العربية، والأخرى وهي الأمازيغية عكس ذلك، وأنه مراعاة لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان يجب إلحاقُها باللغة العربية وترسيمُها هي الأخرى. وهو تحليل يكشف المنطق التبسيطي الذي يحكم هذه الرؤية، والمنطق الاختزالي الذي يحاول إخفاء الواقع المتعدد، بهدف بناء ميثولوجيا سياسية لأصحاب هذا الطرح. وهذا التعدد يطال الأمازيغية ذاتها، بحيث لكي نعكس الواقع كما هو، يلزمنا الحديث عن الأمازيغيات بالجمع. وهذا ليس مزايدة أو خيالا، فالواقع المعيش يشهد أن هناك، في المغرب على الأقل، ثلاث مجموعات كبرى هي تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت دون الحديث عما يتفرع عنها من لهيجات.

كما أن العربية وإن كانت مرسمة عرفيا منذ قرون عدة ودستوريا منذ سنة 1962، فهي لحد الآن غير مرسمةٍ عمليا. ويكفي إلقاء نظرة على الإعلام والإدارات والأبناك والوثائق والتقارير الصادرة عنها، لنلاحظ أن الفرنسية تقوم بنسبة كبيرة من وظائف العربية وتأخذ مكانها.

وصيغة الترسيم المقترحة من طرف الكثير من النشطاء الأمازيغيين، لن تجسد تفعيلا لحقوق الإنسان على المستوى اللغوي لأنها لا تعمل على ترسيم لغة الأم، بل ترسيم لغة لا وجود لها على ألسنة المواطنين، لغة المختبر التي يشتغل عليها المعهد الملكي. وهي لغة كما تم الإعلان عن ذلك، تخضع لعملية تطهير من الألفاظ العربية.

وحتى لو افترضنا أن الدسترة شملت الأمازيغيات بالجمع، فإن الحيف سيبقى قائما على اعتبار أن هناك لغاتٍ أخرى تتمثل في الحسانية في المناطق الصحراوية ولها معجمها هي الأخرى وتراثها المهمش الذي لم ُيبذل أي جهد يذكر لجمعه وتدوينه. هذا دون نسيان الدوارج المغربية التي هي الأخرى تعاني من النظرة الدونية والتحقيرية، وتسميتها بالعامية نسبة إلى العوام وحدها تكفي لإبراز مدى الحيف الذي يلحقها.

يطرح الخطاب الأمازيغي مطلب ترسيم الأمازيغية من منطلق إنصاف هذه الأخيرة ومساواتها باللغة العربية، وهنا تتم ممارسة نوع من المغالطة، ذلك أن اللغة العربية ليست هي المعادل الموضوعي للأمازيغية، بل معادلُها الحقيقي هي الدارجة المغربية التي يتواصل بها جزء كبير من المغاربة.

والمقابلة بين الأمازيغيات والدوارج المغربية أمر مقبول، على اعتبار أنها لغات تشترك في خصائص لا نجدها في العربية الفصيحة المرسمة؛ فهي لغات يُتَحَدث بها في جهات من المغرب دون غيرها وهي في الأصل لغات شفهية، وهي كذلك لغات الأم لكل المغاربة حسب مكان تواجدهم؛ أي أنها هي اللغات التي يتعلمها المرء في السنوات الأولى من تحصيله اللغوي ويتواصل بها في حياته اليومية.

وقد اعتبرت حجة التعدد الثقافي من الحجج التي تتردد بكثرة في خطاب أصحاب هذه الدعوة، ونسجل بداية أنه ليس كل تعدد ثقافي يرادف وضع كل لغات البلد الواحد دستوريا في نفس المستوى، يقول السوسيولوجي الفرنسي آلان تورين وهوأحد ممثلي تيار التعدد الثقافي: "إن الديمقراطية اليوم هي الوسيلة السياسية التي تحمي التنوع الثقافي، والتي تمكن أفرادا وجماعات تختلف فيما بينها أكثر فأكثر من العيش سوية في مجتمع من المفروض فيه أن يشتغل كذلك بوصفه موحدا. ذلك أن أي مجتمع سياسي لا يستطيع أن يعيش إلا بلغة وطنية ونظام قضائي يسري على الجميع، حتى وإن كنا نقبل التعدد الثقافي أكثر فأكثر."

فألان تورين يركز على عناصر الوحدة بقدر تركيزه على عناصر التنوع. ويجب أن نعلم بأن تورين لا علاقة له بالتصور اليعقوبي للدولة بل هو من منتقديه. وخطاب ترسيم الأمازيغية يطالب باسم الديمقراطية، بالتنصيص ضمن مواد الدستور على أن الهوية المغربية هي هوية أمازيغية. وبوهو باسم الديمقراطية ينادي بإقصاء أحد المكونات الأساسية في الثقافة المغربية أي اللغة العربية، وهو ما يشكل قمة التناقض. بل أكثر من ذلك تتم المطالبة بحدف الإشارة إلى أن المغرب جزء من المغرب العربي، بحجة أن ذلك يقوم على أبعاد عرقية، وفي الآن نفسه يُطالب بإدراج المغرب ضمن ما يسمى بتامزغا التي هي فضاء جغرافي وهمي من ابتكار علم الاجتماع الاستعماري الفرنسي ولا وجود له على المستوى الشعوري لشعوب المنطقة، كما أنه أكثر إغراقا في العرقية من صفة العربي التي اكتسبت دلالات ثقافية ولسانية صرفة من شدة اختلاف الأعراق المنضوية تحتها.

ودائما في إطار إظهار تناقضات خطاب الترسيم مع منطلقاته، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر زعمه بأن المشروع الأمازيغي يروم إرساء بنيات الحداثة السياسية من خلال توظيف معجم جديد ينتمي إلى الشرعية الدولية وإلى الحقوق الثقافية واللغوية. ودون الحاجة إلى الإشارة إلى أن هذا المنطلق يتناقض شديد التناقض مع خطاب الكراهية الذي يروج له هذا الخطاب ضد العربية، يكفي أن نشير إلى الإصرار على المطالبة باعتبار"الأعراف الأمازيغية" دستوريا مصدرا من مصادر التشريع، فهل من الحداثة المطالبة بالرجوع إلى الأعراف واعتمادها في التشريع؟ أليس هذا الموقف أقرب إلى التقليدانية منه إلى الموقف الحداثي ؟!

بعد هذه التوضيحات التي تبين أن هذا الخطاب الأمازيغي لم يبلغ النضج المطلوب بعد، وأن طريقته في معالجة الدسترة تحاول إخفاء ضعفها الحجاجي بواسطة إركام المطالب دون إخضاعها للمناقشة والتحليل. وتعتمد نوعا من الإغراق المصطلحي الذي يخفي ضعف عقلانية المطالب وواقعيتها. نختم فنقول إنه لو كانت لغة الدستور الرسمية هي إحدى اللغات المغربية المرتبطة بجهة أو فئة أو قبيلة ما، لكان من حق من شاء أن يطالب بترسيم أي من اللغات المغربية الأخرى، أما وأن الأمر غير ذلك فيتحتم الإبقاء على اللغة العربية الفصيحة لغة رسمية، مع التنصيص على وطنية كل اللغات الأخرى دون استثناء. والصيغة التي تعتمد لغة رسمية واحدة، لا تعارض حقوق الإنسان في شيء، بل هذا ما نجده ماثلا في دساتير الكثير من الديمقراطيات الكبرى.

إقرأ أيضا:
دور الأمازيغية في ترسيخ الإستقرار السياسي بالمغرب

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

علينا المحافظة على اللغة العربية لأنها بالمؤكد توفر علينا الكثير من المشاكل التي تعرفها الكثير من الدول التي لم تستطع أن تكون طول التاريخ عناصر وحدة. العربية لم يفرضها أحد فرضها التاريخ. وهؤلاء الذين يدعون إلى التخلي عن العربية اليوم والكثير منهم من المعهد الملكي لا علاقة لهم بتصور المغاربة أمازيغ وغير أمازيغ، هم في الحقيقة يطبقون ويتبعون خطط قديمة دعا إليها الفرنسي ليوطي وغيره، إنه مكر التاريخ حيث نجد أفكار الاستعمار تعود من خلال أفواه مواطنين مغاربة، وقد قالها نوكيس المقيم العام الفرنسي (نحن علينا أن نزرع الأفكار التي تفرق بين البربر والعرب و الجزائريون والمغاربة سوف يرعونها فيما بعد من تلقاء أنفسهم)، والعداء للعربية الذي نجده اليوم عند نشطاء الأمازيغية تحقيق لهذا القول

كنت دائما أرفض الخوض في المسألة الأمازيغية لعدة أسباب. ولكن اليوم قررت أن أدلو بدلوي في هذه القضية عسى أن أساهم في توقيف هذه المؤامرات التي تحاك ضد وحدتنا الوطنية.
أنا لا أفهم لماذا هذا التهافت على تكريس الهوية الأمازيغية من طرف إخواننا ذوي الأصل الأمازيغي (وأنا ضد تسميتهم أمازيغ) لأنه لم يعد هناك أمازيغ كما لم يعد هناك لا رومان ولا فينيقيون ولا تتار....
إن الحضارات تذوب في بعضها و لما بايع الأمازيغ إدريس الأول وأصبحوا مسلمين بعد أن كانوا غارقين في دين المجوس عبدة النار بدأت حضارة جديدة اختلط فيها الدم العربي بالأمازيغي ولدى جل السكان المغاربة ستجد في شجرة العائلة خليط من الأصول العربية والأمازيغية.
هذا من جهة ومن جهة أخرى : إذا كنا مسلمين فعلا فلغة القرآن هي العربية. ونحن نحب العربية و جعلناها لغتنا الأم لأنهااللغة التي نزل بها القرآن.
ثانيا: إذا كنا نريد الرجوع إلى اللغة الأصل فيجب أن نعود إلى اللغة التي تكلم بها سيدنا آدم؟؟؟؟
ثالثا: الدول التي تقدمت أو تتطلع إلى مستقبل راق تختار اللغة الأم القوية التي تستطيع أن تنافس اللغات العالمية وليس اللهجات المحلية.
رابعا: نحن في عصر التكتلات والأجدر بنا أن نفكر في شيء يجمعنا وليس يفرقنا.
خامسا: أعلم أن هناك ثلاث لهجات محلية: تاريفيت، تامازيغت و تشلحيت فماذا سنختار؟؟؟؟؟ واللهجة الحسانية جنوب صحراءنا) ما محلها من الإعراب؟؟؟؟
سادسا: إذا كانت لدى المطالبين بالأمازيغية نية سليمة تجاه العربية، لماذا اختاروا حروف شبه لاتينية (في رأيي تشبه العبرية) لكتابتها عوض الحروف العربية ؟؟؟
في الختام أود أن أشير إلى أن التحدي الذي نواجهه ليس هو اللغة بل هو أشياء أهم من ذلك، فالأولوية للعلم والتكنولوجياللوصول إلى مراتب الدول المتقدمة وليس الرجوع إلى الحضارات البائدة، نحن متأخرون بما فيه الكفاية ولسنا بحاجة إلى العودة من جديد إلى الوراء.

منقول عن السيد عصيد

لم يقبل العرب أن تقوم السلطات الإسرائيلية بإزالة اللغة العربية من واجهات الفضاء العمومي بإسرائيل، و هو السلوك الذي قامت به الدولة العبرية انطلاقا من زعم أنّ اللغة العبرية هي "اللغة الرسمية" لدولة إسرائيل، و أنّ العربية هي لغة أقلية، و هو ما اعتبره العرب نزعة عنصرية مقيتة و اعتداء على حقوق المواطنين الإسرائيليين العرب، و على حقهم في هويتهم و لغتهم العربية.
و موقف العرب في هذه النازلة موقف سليم تماما، يتطابق مع مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، إذ ليس من حق دولة ما أن تمارس الميز بين مواطنيها و أن تبخس بعضهم حقه في لغته و هويته، بل الواجب هو المساواة في إطار مبدإ المواطنة الذي لا مجال فيه للمفاضلة المعيارية بين أعضاء المجتمع، أو التمييز بينهم بالأصل أو بالعرق أو باللون أو باللغة و الثقافة أو بالدين. و إذا كانت إسرائيل تعتبر مواطنيها من العرب مواطنين إسرائيليين فإنّ عليها الإعتراف بلغتهم في دستورها كلغة رسمية حتى تكون لها حماية قانونية، سيرا على نهج الدول الديمقراطية المتقدمة.
غير أنّ موقف العرب المعارض للسياسة العنصرية الإسرائيلية يصبح أقل مصداقية عندما يكيلون بمكيالين، و عندما يعتبرون أن بروز اللغات الأخرى بجانب اللغة العربية في البلدان التي تعتبر فيها العربية لغة رسمية فيه "تهديد لوحدة الوطن"، و أن الداعين إلى حقوق لغوية و إلى الإعتراف بالتعددية اللغوية و الثقافية هو "مؤامرة أجنبية للتفرقة" تحركها "أيادي خفية" و يدعون بدون تحفظ إلى فرض التعريب المطلق و الدفع باللغات الوطنية الأخرى إلى الهوامش المنسية ثم الإنقراض .
في هذا الإطار نطرح السؤال حول مقترح تقدم به أعضاء من حزب الإستقلال بالمغرب قبل عام فقط إلى البرلمان لما أسموه بـ "تعريب الحياة العامة"، مطالبين الدولة بالحكم بالغرامة على كل من استعمل لغة أخرى غير العربية في اللافتات و الإعلانات و الدعوات و التجمعات و الجمعيات و المحلات التجارية إلخ...، كما اعتبروا الحرف العربي وحده الذي له الحق في التواجد في الفضاء العمومي، و هي مبادرة غريبة لم تأخذ بعين الإعتبار مطلقا ـ عن سبق إصرار و ترصد ـ كل التدابير التي اتخذتها الدولة المغربية من أجل إنصاف اللغة الأمازيغية و حرفها الأصلي تيفيناغ منذ 2001 .
أليست هذه عنصرية بغيضة و خرقا سافرا لحقوق الأمازيغ في لغتهم الأصلية الأكثر عراقة من كل اللغات الأخرى بالمغرب ؟ و كيف لا يرى "عرب المغرب" تناقضهم بين إدانة عنصرية إسرائيل و ممارسة عنصرية مماثلة ضد مواطنيهم الأمازيغ، الذين ـ و هذا مثار العجب ـ ليسوا مطلقا أقلية و لا لاجئين في بلدهم و على أرضهم ؟
و رغم أننا ندرك بأن العقل العربي غارق في تناقضات و مفارقات لا مخرج له منها بسبب أسلوبه في التفكير و "ثوابته التراثية"، إلا أننا نعتبر بعض الصدمات الواقعية ذات أهمية في جعله يستيقظ من سباته و يدرك أهم مبدإ جاءت به الأزمنة المعاصرة ، ألا و هو "احترام الآخر".