التبابعة العرب والإنفصام

ومرة أخرى أُعيد القول ، أنه يمكن لنا أن نصف هذا الزمان الذي نعيش فيه ، بأسوء الأزمنةعلى الإطلاق ، لم يعش مثله العرب إلآّ في التاريخ القديم ، في العصر الذي يسميه المؤرخون بالعصرالهيلينيستي
(320ق.م- 300م) مع غزو الروم الأولى لبلاد العرب بقيادة الإسكندر
المقدوني واجتثاث الثقافة العربية آنذاك ، البابلية والمصرية والقرطاجنية والتي اكتمل وأدهاوإلى الأبد ، مع الغزو الروماني
الذي أفنى الحجر والبشر في كل الأقطار العربية .
لم يبقى من تلك الثقافة العربية إلآّ الكتابات على شواهد القبورفي مصر والمغرب وما خبأته الرمال في الشام والعراق واللهجة الأمازيغيةالتي نجت لإختبائها مع أهلها في أعالي الجبالوأعماق الصحراء .

الدارس لتاريخ الفن التشكيلى العربي لهاته الحقبة المظلمة ، يجد نفس التبعية ونفس التصورونفس والركاكة والبهرجةالتي نعاني منها اليوم .
ولم ينفك العرب من هذا الإستعمارالهمجي إلاّ بالثورة العربية بالإسلام الحنيف.
في الزمن القريب ، في زمن أجدادنا المسلمين كان يهجم عليهم الأعداء ، وقد يحتل الغزاةأماكن لفترة زمنية معينة ، ولكنهم في الأخير يُدفعون دفعاً عندما تحين الظروف .

لكن في زمننا هذا ، الإستعمار عشعش بين ظهراننا ،تحت مظلة ( ميتوالحداثة) وتقبل أخيارناعن طيب خاطر إزدواجية اللغة والمعايير والقيم ، حتى وصل بنا الأمر إلى تسييد معاييرالآخر ظانين أنه
بإمكاننا لباسها دون أن نصاب بانفصام في الشخصية .
فأصبحنا مزدوجين في كل شيئ ، في قوانيننا وفي لغتنا وحتى في بيوتنا ، ونسينا بأنالإزدواجية هي شكل من أشكال التبعية تؤدي إلى
الإتكال واستسهال الأمور وعدم الإجتهاد وعدم التجديد في خلق الأدوات والأشياء ، وهذا كان ومازال شرط من الشروط الذي يفرضه
المتبوع على التابع أو المنتج على المستهلك. لأن المنتج ألأجنبي يعرف أنه فقط بخلق الأدوات والأشياء تُخلق المفاهيم وبتراكم
الإجتهاد والتجديد يتم القفز نحو الأسلوب وبالتالي التحرر
من التبعية .
فسقطنا في مقتلنا الفادح .
انظرالهجوم الشرس الغربي على إيران لرغبة هاته الأخيرة في التحرر بإنتاج التيكنولوجياالحديثة لطاقة الذرة الخاصة بها ، وبعنادها
دفعت الغرب الإستعماري للسعي حثيثاً نحو الأسواق العربية وإغرائهمبشراء مفاعيلهم النووية ، قبل أن يحذواحذو إيران ،
أو يدخلوا في شراكة معها . وذلك لتثبيت التبعية لهاته
ألأسواق في مجال التقنية المستقبلية للطاقة .
ونسينا كذلك ، بان الإزدواجية في اللغة والمفاهيم والمعايير ثُـبِّتت وعُممت في الساحة العربيةليس من أجل العصرنة كما يحلو للمنتفعين
والمنافقين من العرب بل لإستساغة الإستهلاك .
لأن الإقتصاد الذي خلفه الإستعمار في البلاد العربية هو اقتصاد للإستهلاك ، عجلته تابعة لهومرُّده الأخير يعود إليه .

لذلك نجد أنه لم يكن أمام زعماء أنظمة القبائل العربية الذين خلفهم الإستعمار، إلاّ تنظيمأسواق الإستهلك للمنتوجات الغربية ،
أو ما يسمى بالنهج الكومرادوري .
بينما أفراد الشعوب العربية وأحزابها وهيآتها وكل حراكها الإجتماعي يدور حول كيفية ترتيب الإستهلاك بدل من ترتيب الإنتاج .

لذا عندما رأى الإستعمار ،أنه وجب إحتلال العراق لمحاولته الخروج من التبعية ، طبق الصمت على كل رؤساء القبائل العربية ،
لأنهم في الحقيقة مجرد تبابعة ، فوظيفتهم هي تنظيم أسواق الإستهلاك
لا غير ، وأي قرار يتخذونه لابد وأن يكون قد مرّ عبر السفارات
الأجنبية شأنهم في ذلك شأن حكومة 14 آذار اللبنانية .
بينما الشعوب العربية إبان إعلان غزو العراق ، وقفت مشدوهة متحسرة ، ولم يرق غضبها إلى نصف غضب أي شعب من شعوب العالم ،
لأنها كانت نائمة في خيامها شأنهاشأن الشعوب المستهلكة .

قد لا يروقنا هذا المشهد ، ولكنها الصورة التي يرانا من خلالها الآخر والعالم .

فشغب لبنان وتذليل الفلسطينيين واحتلال العراق وتهييج قبائل السودان والصومال والرغبةفي تعسيرالتفاهم حول الصحراء المغربية .
كل هذا لإشغالنا عن التفكير في قضاياناالمصيرية .

فانظر كيف يتفقد ويتتبَّع بوش وساركوزي أتباعهما من زعماء الأنظمة العربية .أواديادوكوسDiadocos
كما كانوا يسمَّون التبابعة في العصر الهيلينيستي .

................................

مشاركات القراء: