الفرنكفونية ليست قدرا

بعد مرور أزيد من خمسين سنة على استقلال بلدنا، لا زالت الحياة العامة في معظم المرافق العامة والخاصة مطبوعة بلغة المستعمر، ويتضح ذلك بجلاء في التعليم العالي والخدمات الإدارية، وتسمية الشوارع، وعناوين المحلات والمصانع والشركات، وحتى المراسلات إلى غير ذلك، وهذا لا ينفي بالطبع وجود إرادة لدى الحكومات المتعاقبة تجلت في المنشورات التي أصدرها الوزراء الأولون ابتداء من المنشور رقم 69 بتاريخ 18 فبراير 1972 الذي يحث على ضرورة مراسلة المواطنين باللغة العربية إلى آخر منشور أصدره الوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي الذي يحمل رقم 53.89 بتاريخ 11 دجنبر 1998 القاضي باستعمال اللغة العربية بالإدارة العمومية، لكن هذه المنشورات بقيت حبرا على ورق ولم تغير من الواقع شيئا.

إن حمل بعض المنبهرين بالعقل الغربي ومنجزاته المادية على احتقار اللغة العربية وقلة الاهتمام بها باستخدام لغات أجنبية في كلامهم وخاصة في عباراتهم اليومية، بدعوى أن العربية باتت عاجزة لا يمكن لها أن تتواءم ومتطلبات عصر التقدم والتكنولوجيا، ولا أن تفي باحتياجاته المختلفة هي أحكام مغرضة مجافية للحقيقة والصواب، لأنها هي اللغة نفسها التي عبرت عن الثورة الفكرية العربية في مجالات الرياضيات وعلوم الفلك والطب والفلسفة وتم نقلها إلى الثقافات الغربية عبر قنوات كثيرة، أبرزها الوجود العربي في الأندلس، لتسهم في تحقيق النهضة الأوروبية. وإن التعامل البخس مع العربية واستفحال عقدة النقص لدى البعض من التحدث بها، وذلك بالتواري وراء ألسنة أخري بمزج لغوي ركيك من العربية والأجنبية مثير للتهكم والسخرية وهذا احتقار للغة القرآن وتنكر لقيم ديننا وحضارته العربية الإسلامية وتنكر للشهداء الذين ضحوا بالغال والنفيس في سبيل تحرير الو طن قبضة الاستعمار، وتعامل مرَضي ينم ضعف في الشخصية وضياع للهوية يصدق عليه قول الشاعر حافظ إبراهيم :

أيهجرني قومي عفا اللّه عنهــمو
إلى لغــة لم تتصـل بـــــــرواة؟
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سـرى
لعاب الأفاعي في مسيل فــــــرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعــــــة
مشـكـلة الألـوان مختلفـــــــات

و اللغة العربية ليست خاصة بأهلها فقط بل إن تعلمها هو مطلب شرعي لجميع الشعوب الإسلامية التي يناهز سكانها ربع سكان المعمور، لأن صلاة المسلم غير جائزة بإجماع المذاهب كلها إلا بتلاوة الفاتحة وبعض الآيات من القرآن الكريم بلغته التي أُنزل بها "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" يوسف 2 . إنها لغة لدولة إسلامية عظيمة في عصر مضى سيطرت على رقعة كبيرة من العالم. ولغة حضارة لأنها الوعاء الذي احتوى تراث المسلمين العلمي وحضارتهم الراقية، والتي ترجمت مؤلفاتها فيما بعد لتستفيد منها الحضارة الأوروبية وتبني صرحها باعتراف أبناءها.

إن اللغة هي مستودع الفكر، وعنوان الحضارة لدى كل أمة، وهي بمثابة سجل حافل تدون فيه الأمة أحاسيسها الدينية ومآثرها التاريخية ومنجزاتها العلمية. واللغة العربية لها خصائص فريدة تجعل منها لغة غنية تستطيع أن تساير التطور الحضاري والفكري بدليل أنها استطاعت في العهود الإسلامية المختلفة أن تستوعب الفكر الدخيل والعلم الدخيل وان تعبر عنهما بلغة صافية.
عبدالقادر بيوز
http://diffaf.blogspot.com/

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

لا أعرف لماذا تثيرون هذه الضجة حول اللغة الفرنسية و استعمالها في المغرب و لماذا فجأة تدافعون عن اللغة العربية و كأنها لغتكم الأصلية / إذا قلتم أن اللغة الفرنسية ليست قدرا فأنا أقول أنن اللغة العربية أيضا ليست قدرا ، فالكل يعرب و بإثبات التاريخ أن المغرب امازيغي الأصل و الحضارة ، فلا يمكن أن تفرض عليه أي لغة أجنبية سواء كانت عربية أو فرنسية أو حتى إنجليزية ، فالمطلوب إذن هو الدفاع عن اللغة و الثقافة الأمازيغيتين و ليس الدفاع عن لغة أجنبية كاللغة العربية التي سنعتبرها داءما لغة من الدرجة الثانية من حيث الإهتمام . ألا تخجلون من أنفسكم حين تحملون هم الدفاع عن قضايا لا تمت لكمن بصلة؟ دعوا هذه القضية لأصحابها في المشرق الذين يعانون من سيادة اللغة الإنجليزية على لغتهم في التعاملات اليومية.يا أصحاب الفكر المستلب

يجلب عليك أنت وأمثالك أن تقرأوا التاريخ وتتخذوا منه عبرة إن أردتم أن تعتبروا. وعلى سبيل الذكر لا الحصر أحيلك على الدورية الشهيرة التي أصدرها في 16 يونيو 1921 المقيم العام آنذاك المارشال ليوطي إلى رؤساء المناطق المدنية والعسكرية وجاء فيها:
" من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية ... فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام ".
وقد نشرها بول مارتي في كتابه "مغرب الغد" الصادر بباريس سنة 1925 ص 288 وشرحها موضحا:
"إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل للفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة، وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد متعمدين كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام....".
ولا يمكن لأي عاقل أن يشكك لحظة أن القصد من هذا التوجه هو إضعاف الروابط والأواصر القوية المتينة القائمة يبن اللغة العربية والدين باعتبارها لغة القرآن، واللغة التي دونت بها أغلب مصادر التراث والثقافة الإسلامية.
وتذكر الدراسات أن 60 لغة آسيوية وأفريقية لأمم إسلامية كانت تكتب بالحرف العربي حتى جاء الاحتلال وأنهاها كليا. لأن الحرف العربي الذي تُكتب به لغة إسلامية من شانه أن يكون حلقة الوصل بين هذه الأمم وبين القرآن الكريم المكتوب بالحرف ذاته، وهو مدخل سهل لتعلم القرآن ولغته، فالذي يتعلم كيف يكتب لغته بالحرف العربي يستطيع قراءة القرآن بأقل جهد، أما إذا كتبت اللغة بالحرف الغير العربي انقطعت الصلة بين متكلميها، وبين قراءة القرآن. وما التشبث المستميت بكتابة حرف تفناغ بالحروف اللاتينية، رغم صعوبة هذا الأمر ويسره باللغة العربية إلا دليل قاطع على صحة الحرب المفتوحة من طرف طغمة من المتغربين والمتعصبين على لغة القرآن.
أظن أن منطقك ومنطق اليوطي صنوان عزيزان لا يفترقان.

شكر حار للأخ المراكشي على تعليقه المدعوم بالمصادر التاريخية. إن بعضهم يحب لغة ليوطي أكثر من حبه لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم متعنا بعقولنا و لا تجعلنا كالخشب المسندة.

جزاك الله اخي المراكشي على عرضك .

لا عليك فهناك بعض العناصر التي لا تبعد أن تكون عناصر إسرائيلية يهودية . تتخفى بصفة أما زيغية , - وما هم بالقضية الأمازيغية بشيء - هدفها الأبدي هو إفشال كل محاولة لاستنهاض الأمة , وتعمل بصبر و أناة لبث الشبهة و الشك في جميع محاولات لإحياء هوية هذه الأمة , لترسيخ الهزيمة و الخذلان في عظامها .

فلا و ألف لا , سننتج و نصنع بلغتنا كما تفعل كل أمم العالم , وسياتي الوقت الذي يتعلم فيه أطباءنا و مهندسونا بلغتنا , وليس بلغة مستعمر ر حل منذ عقود , وترك خلفه حثالة يخدموه كما يفعل هؤلاء .