الإعلام وصناعة التاريخ باللعب بالريشة

حقائق يعرفها الإعلام المعاصر وهي:
أن الأشياء لا تتواجد فقط بتواجدها إلاّ بعد عرضها على الناس . إنطلاقاً من أن
الصورة لا توجد إلاّ بالمشاهدة ، والقصص لا تعرف إلاّ بعد حكايتها ، والقوانين
لا تَأخذ جدارتها إلاّ بعد تطبيقها والإذعان لها . غير ذلك يدخل في عالم الصمت
والموات ولا يستحق الإعتبار .
نعيش في عالم تزداد فيه حدة الصراع يوماً بعد يوم حول المصالح المختلفة ،
يتقلب ويتبدل في حركة حربائية متسارعة دائبة لا تعرف الكلل- ومن لا
يجري فهو يطير- صراع يؤثر مجراه على حياتنا بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة ، وتُستعمل فيه كل أنواع الحيل الفكرية والفنية والطاقات البشرية
والمادية وحتى العسكرية .
عالم حدّد حركته وسرعته الأقوياء لا تتناسب وحركتنا الإجتماعية البطيئة ،
عالم لا يعرف الحياد ولا المثل ، ولا ضمير الإنسان وحقوقه ، ولا حرمة
العقائد ، كل شيئ فيه مستباح .
بل وبإسم هاته العقائد والمثل والضمير الإنساني وبإسم حقوق الإنسان والشعوب
تتم الجرائم البشعة بتجويع وتجهيل الشعوب في مناطق عديدة من العالم ،
وخصوصاً في العالم العربي والإسلامي الذي ابتلي بهجوم إستعماري حاقد
وهو الذي لم يكن مجهزاً ولا مستعداً للقائه ، فثلثه أمي القراءة والباقي إلاّ القلة
القليلة أمي الثقافة .
إنه عالم مختل ، يبحث ويجتهد فيه الأقوياء لحماية امتيازاتهم التقليدية على
حساب باقي شعوب الأرض ،ويبيتون ويستعملون في ذلك ما أوتوا من
قوة وحيل الأخبارالكاذبة والإعلام المزيف لتنظيف وجههم القبيح ، يتجلى
صداه وينعكس لنا نحن البسطاء في صور أبواقه ووسائط إعلامه ، وذلك
لسبب بسيط ، لأنها موجهة لنا من الداخل التابع والخارج الوارد . وهذا يعرفه
السياسيون وتتكهنه غالبية الجمهور، وحتى الفرد الإنسان الساذج المستهلك
يعي بقوة الإعلام عندما يخير بين البضاعة المعلنة والغير المعلنة.
ما يشد الأنظار فعلاً إلى هاته الصورة الكئيبة ، هو قدرة الإعلام على التنويم
أو التحريك للجمهور في الإتجاه المناسب ، لخلق أوضاع وأجواء إجتماعية
تهدّئ وتسكّن وتساند التوجهات السياسية المشار إليها علّ ذلك يساعدها على
تحقيق المآرب والأطماع بتكليفة أقل .
وأحسن مثال على ذلك والقريب منا نحن العرب ونعيش محنته ، هو التنويم
الجماعي للمجتمع العربي ليسهو وليتغافل أخبارالعراق ومقاومة شعبه الصابر
المناضل .
حتى وصل عندنا حد التنويم إلى حدود إلغاء العراق من المنظومة العربية وإلى
حدود سوريالية غير معقولة بالتنكر بالصلة التاريخية والحضارية والجغرافية
وكأننا أصبنا بلعنة الزمن ، وهذا جراء الحصار الإعلامي والتعتيم الشديد
وقلب الحقائق .
ولا يقتصر نفوذ هذا الإعلام على تنظيف الوجوه القبيحة وتجميل البضائع
المغشوشة ، واستعمال الهجاء والقذف لمجابهة الأضداد والأعداء ، والتحكم في
مفاتيح التنويم أو التهييج للجمهور، بعد أن تمكن من الجس والتحسس لرغباته
ونزواته والتعرف على مواقع ومكامن ضعفه . فهو ببنيته ومساره الأخطبوطي
يسعى جاهداً في تجاريبه على فتح الآفاق المستقبلية كسلاح إستراتيجي نافذ،
وخصوصا بعد فداحة الهزيمة الإستراتيجية التي مني بها الصهاينة وحلفائهم
في العراق .
يقوم طرف من الإعلام الغربي الصهيوني بتجربة جس نبض الجمهور العربي
الإسلامي باستفزازه بنشر صور كاريكاتورية عن النبي الكريم صلى الله عليه
وسلم ، وتقوم الأنظمة العربية الرسمية(المحافظة والمستخدمة
للاعراف العقائدية المؤدلجة) والصديقة للغرب في سابقة الأولى من نوعها في
العالم باستنكار (الفعلة) وتستنهض معها براءة وحسن مشاعر المسلمين، كردّ
فعل عكسي، لتكتمل بنية التجربة المعروفة في اللغة بالدلالة بين المخاطب
والمتلقي ويقع الحدث . بينما المجرب الصهيوني يستلقي على ظهره من شدة
النشوة والفرح بنجاح تجربته بإحداث الحدث، أصبحنا نعي أننا تحت المجهر
وأننا في نظر هؤلاء الأعداء الحاقدين مجرد حقل طيع ومناسب للتجارب .
يبحثون فيه عن مدى درجة يقضتنا بعد الضربات الفادحة التي تتعرض لها بلاد
العرب والإسلام.
كان من الواجب على الأنظمة العربية هو قطع العلاقة مع كل الأنظمة التي
يستفز إعلامها السافه مشاعر المسلمين بالعداء الصارخ ، أو السكوت وعدم
اللامبلات ما دام ليس في استطاعتها الرد الحاسم على صهاينة الإعلام الغربي.
إن خلق الحدث في الإعلام ليس بتلك البساطة التي تمربها الأحداث المتسارعة
سابحة فوق غشاء عقلنا ، فخلق الحدث في عقلية هؤلاء الحاقدين هو إبداع
في كتابة التاريخ ، ويبقى(الفضل والشرف) في الإرادة ولمن كانت له الأسبقية
في رسم الحدث لكونه الأساس لتسلسل باقي الأحداث المستقبلية ، وبصفته
كالزيت المؤججة للنار، يرون أن الفضل كل الفضل لمن يكتب التاريخ وأما
الآخرون يبقون عالة على قارعته .
ويعتقدون - بسوء نيتهم - ، كيف لا ينبني( شرف) هذا الحدث ، وهو في أساسه
يسعى إلى جس نبض الذكاء في البنية المؤدلجة عقائدياً لدى الأعداء العرب
السذج ونحن في خضم وسياق الحرب المسلطة عليهم وعلى بلادهم .

وفقط لهذا السبب - في نظري - ما زال المرضى العنصريون على سفاهتهم
يستفزون عقلنا وذكاءنا .

مشاركات القراء: