اللغة العربية هي أكثر اللغات تأثيرًا في الألمانية

سمير جريس- موقع دويتشه فيله

بدلا من الحديث عن "صدام الحضارات" فضّل الباحث أونغر البحث عن تفاعل الثقافات وتلاقحها. في كتابه عن الكلمات العربية في اللغة الألمانية يشرح أونغر الطريق الذي سلكته الكلمات العربية حتى وصلت في شكلها الحالي إلى لغة غوته.

يشير الباحث الألماني أندرياس أونغر في كتابة الجديد" من الجبر حتى السكـر ـ الكلمات العربية في اللغة الألمانية" الذي صدر حديثا، إلى أن اللغة العربية هي اللغة الأكثر تأثيراً في الألمانية من بين جميع اللغات غير الأوروبية. وليس الأمر محض صدفة، فمعظم الكلمات العربية وصلت إلى أوروبا في القرون الوسطى عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية مركز إشعاع ثقافي في العالم كله. فمنذ بزوغها، اتسمت الحضارة العربية بالانفتاح تجاه الثقافات الأخرى، باستيعابها والأخذ عنها ودمجها في الثقافة الإسلامية الجديدة. واستوعب العرب إنجازات الحضارتين الإغريقية الهيلينية والفارسية. ومع ازدهار التجارة مع الصين والهند وإفريقيا تعرف العرب على منتجات تلك المناطق ودخلت بعض كلماتها إلى لغة الضاد. أدرك العرب القدماء أهمية الترجمة عن اللغات الأخرى لاسيما اليونانية، فنقلوا نصوصاً مركزية كانت أساساً لعلوم جديدة أخذها العالم لاحقاً عن العرب مثل علم "الجبر" الذي تحدث عنه الخوارزمي لأول مرة في كتابه الشهير "المختار في حساب الجبر والمقابلة" عبر هذا التلاقح الثقافي في أفضل معانيه، أخذ العرب كلمات أعجمية وعربوها. ثم دخلت هذه الكلمات فيما بعد إلى اللغات الأوروبية باعتبارها كلمات عربية.

التلاقح الثقافي ولد في خضم الصراع

اللقاء – أو الصدام – الأول بين الغرب والحضارة العربية حدث ـ كما يقول الباحث ـ في إسبانيا وصقلية بعد "فتح" البلدين. ثم جاءت الحروب الصليبية بكل بشاعتها ودمويتها، فأضحت فلسطين أرضا للمعارك الدينية. غير أنها كانت أيضا ساحة لتبادل المعارف الثقافية. في تلك الفترة انبهر الأوروبيون بتقدم الثقافة العربية الإسلامية ورقيها، فنهلوا منها ما استطاعوا. وهكذا عرفت البلدان الأوروبية أحجاراً كريمة لم تكن معروفة لديهم، فاستوردوها بلفظها، مثل "اللازورد"، وأخذوا عن العرب بعض الأطعمة والتوابل والعطور، مثل "الباذنجان" و"الطرخون" و"الزعفران" و"الياسمين" و"العنبر" و"النارنج". كما أدخلوا فنوناً وعادات عربية مثل "الأرابيسك" ولعبة "الشطرنج"، وكذلك آلات موسيقية مثل "القيثارة". هذا عدا الحيوانات والطيور كـ"الزرافة" و"الغزالة" و"الببغاء".

مفردات عربية دخلت في قواميس اللغات الأوربية

وكما أخذ العرب عن غيرهم، وطوروا ما أخذوه، هكذا فعل الأوروبيون. فمسحوق "البارود" مثلاً لم ينل شهرته وفعاليته إلا بعد أن اخترع الأوروبيون ماسورة البندقية. ومع البارود دخلت إلى أوروبا كلمات مثل "ترسانة" و"أرسنال" المشتقة من (دار الصناعة) و"أدميرال" (المأخوذة عن "أمير"). ومع تفتت الإمبراطورية العربية ابتداء من القرن الثالث عشر، ومع تفشي حالة من الجمود الذي أعقبه الانحدار في مستويات عدة، كاد العرب يتوقفون عن الابتكار والإبداع، بينما واصل الأوروبيون تطوير ما أخذوه عن العرب. ومن هنا اتسعت الفجوة الثقافية بين العرب والغرب. ومع انكماش التبادل التجاري، توقف التبادل اللغوي أيضاً، بل ودعا المفكرون الغربيون إلى إحلال الكلمات اللاتينية محل الكلمات العربية في لغة العلوم والأبحاث. غير أن هذا المنحى تغير قليلاً في القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد تزايد نفوذ الإمبراطورية العثمانية وإشعاعها الثقافي في أوروبا.

الشعر العربي احد الروافد التي نهل منها غوته

ولم تقتصر هذه الرحلة بين الثقافات على الكلمات والمفردات، بل شملت مجالات الأدب والشعر. وأسطع مثال على ذلك هو أمير الشعراء الألمان يوهان فولفغانغ فون غوته الذي تأثر تأثراً ملحوظاً بالثقافة العربية، وقرأ في آواخر القرن الثامن عشر ترجمة إنكليزية لمختارات من الشعر الجاهلي. وقد بلغ افتتانه بالخط العربي إلى أنه راح يحاكيه، وذلك في محاولة منه لتجاوز العائق اللغوي والاقتراب من روح اللغة العربية، على حد قوله. وقد تجلى اهتمام غوته الكبير بالشعر الفارسي والعربي في ديوانه الشهير "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1819. وأولى قصائد الديوان بعنوان "هجرة" التي كتبها غوته بنطقها العربي. ومن يطالع "الديوان" يدرك مدى حبه للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي وتأثره به. غير أن أشعار حافظ لم تكن النبع الوحيد الذي روى ظمأ أمير الشعراء الألمان، فالشعر العربي – لا سيما الجاهلي - كان أحد الروافد التي أمدت قريحته بماء الشعر العذب. وكانت ثمرة هذا التلاقي ديوانه الشرقي الغربي الذي يعتبره عديد من النقاد الألمان أجمل دواوينه على الإطلاق.

مشاركات القراء:

التعليقات

اللغةاداة للتفكير ووسيلة للتواصل والتعبير