اللغة الأم سر رقي المجتمعات

عجيبة حقا تلك الدعوة التي بات يدندن بها حول آذاننا بعض الفضلاء من دعاة الرفق بالناس، إذ يبشرونهم بدنو عهد جديد يُطرح فيه من على عواتقهم عبئُ اللغة العربية الثقيلُ على أنفسهم، ويستبدل بالعامية الأيسر والأسلس استعمالا وتعبيرا، فالفصحى في دعوى هؤلاء صارت اليوم هما لا قبل للناس به في عصر يمتاز بتسهيل كل شيء، والتساهل في كل شيء، عدا قواعد لغة موليير ومكافحة الإرهاب طبعا.

والأعجب أن القوم يقتحمون كل العقبات للإمساك بعنان الفرنسية، وتوريثها لأحفادهم فضلا عن أبنائهم من أجل استبقاء بل الاستزادة من امتيازات اقتصادية واجتماعية يتفاضلون بها عن "الخوالف" من "العروبيين". ولو أنهم أعلنوها صراحة ودعوا إلى استبدال العربية بالفرنسيه لكانوا أخلصَ في بذل النصح لبني جلدتهم، وأحسنَ تعبيرا عن طيب مقصدهم في مقاسمتهم كعكة الوطن الفرنكفوني المنشود. لكنهم آثروا هداية الناس إلى الاستعاضة بالتي هي أدنى عن التي هي خير، حتى ينحط "الغوغاء" عنهم درجة ويرتفعوا هم درجتين، فالاستقواء بالفرنسية في مقابل العامية خير وأهون من التدافع الندي مع العربية الفصحى.

ولا يخفى على المراقب المغربي العادي، فضلا عن اللبيب وضع اللغة الفرنسية وثقافتها داخل وطننا، حيث فضلها على سواها ـ من العربية والأمازيغية وحتى العامية التي يُتشدق بها زورا ـ كفضل ابن الوطن الخالص على الدخيل الذي لا يعرف له أصل، فغدت الصورة مقلوبة رأسا على عقب إلى درجة أصبح معها الشاب المهمش من أحياء الصفيح مضطرا في كل محفل إلى "الرطن" ـ بالتعبير العامي لأبناء الكنانة ـ بلغة فرنسية شوهاء بدل أن ينطلق في الحديث بلغته العربية الأم أو حتى بالعامية النقية التي نشأ عليها، كل ذلك عساه أن يظفر بفرصة نادرة للعمل، أو بوثبة دونكيشوتية إلى عالم النجومية، أو حتى على الأقل أن يصنف في أعين الناس ضمن المتعلمين. كما انحططنا إلى درك غدا فيه الأبوان المغربيان الفقيران يوفران كرها من قوت بطون أطفالهما ما يغذيان به عقولهم فرنسية علقما في مدارس خصوصية علها تضمن لهم غدا مشرقا بنور الخبز الصافي.

وأعجب العجب أن هذا الحظ الذي استمرأته الفرنسية في وطننا ليس لها منه عشر المعشار في أكثر بقاع العالم حيوية، فأهل الأسفار والترحال ـ خارج خط البيضاء باريس طبعا ـ يعلمون علم اليقين أن لغة "المعاريف"و "ليسي ليوطي" لا تسعفك ـ في آسيا ودول الخليج العربي وأمريكا وحتى في أغلب دول أوربا المحيطة بفرنسا نفسها ـ في طلب شربة ماء، إذ حيثما حللت وارتحلت حدّث بالإنجليزية ولا حرج، أما الفرنسية فيمكنك أن تحتفظ بها حتى ترجع فتتحدث بها إلى مدير المدرسة الخصوصية التي يدرس بها أطفالك وأنت تزوره لتوقع له شيك الأشهر الدراسية التي له عليك. ثم تجد الفرحين بفرنسيتهم من المغاربة يتفاخرون بحديثهم بالفرنسية تفاخر أم الشهيد الفلسطيني بفلذة كبدها الذي قدمته فداء للدين والوطن.

ولست أفهم منطق الدعاة إلى العامية كيف يستوعبون مسارات الرقي بالمجتمعات، أفيكون رفع مستويات التوعية والتربية والتعليم بربط الناس بلغتهم الأم بتقريبهم منها وتقريبها منهم؟ أم يكون بسلخهم عنها والانحدار بهم إلى ما دونها؟ أفإذا عجزت الفصحى عن استيعاب العلوم الحديثة ـ حسب زعمهم ـ أتفلح في ذلك العامية؟

خيمة الهوية الوطنية والقومية لكل المجتمعات المتحضرة في العالم لا تقوم بغير عمود اللغة الأم، وعزة الأمم لا تنفطم عن ثدي اللغة القومية ذات القواعد والأصول الضاربة في التاريخ، وبدونها تصير صروح الأوطان بُسطا في مهب الريح، ويبدو أن الدعاة إلى العامية يهوون السباحة في مهب الرياح القادمة من الشمال. يقول الأديب العربي المسلم مصطفى صادق الرافعي في " وحي القلم " :[ لا جرم كانت لغة الأمة هي الهدفَ الأولَ للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر، حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء.

وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب و إدبار؛ ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمَرة، ويَركَبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكاما ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنا مؤبدا؛ وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا؛ وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تبع.].

والأمم الناضجة حريصة دائما على لغتها، ناهضة بها، مكبرة شأنها؛ في إقليم الكيبك الفرونكوفوني في كندا أنشأوا مرصدا ضخما ـ تشتغل به خلية نحل من عشرات الموظفين ـ ليس له من مهمة سوى رصد الكلمات ذات الأصل الإنجليزي الدخيلة على اللغة الفرنسية التي يتعصبون لها أيما تعصب، فيرفضون مثلا كلمة Shopping المستعملة في قلب باريس ويدعون الجمهور إلى استعمال كلمة Magazinage للدلالة على التسوق حفاظا على اللسان الفرنسي من لوثة قد تذهب معها عافية الجسد الفرونكفوني فيُبلع داخل القارة الأنكلوسكسونية. وحدّث ولا حرج عن المليارات التي تنفقها فرنسا في العالم لدعم اللغة والثقافة الفرنسيتين المقهورتين ـ إلا في وطننا الفرنكوفوني المخلص ـ من سطوة الجبار الأمريكي ـ الإنجليزي الأنكلوسكسوني. أما في تركيا فرأيت بأم عيني كيف لا يسمح حتى لرسوم "توم ودجيري"ـ على ندرة الحوار فيها ـ بالعرض على الشاشة الصغيرة إلا بعد الدبلجة باللغة القومية؛ كما لم يسمح لقناة كردية مثلا بالعمل والبث إلا بتقديم ترجمة كتابية بالتركية لكل البرامج. وعلى أرض العملاق الصيني أصيب شقيق لي بوعكة صحية فاصطحب معه إلى المستشفى أحد الأصدقاء ليترجم له الحوار مع الطبيب بالإنجليزية، فإذا بهما يفاجآن بهذا الأخير لا يتحدث إلا لغة واحدة، اللغة الصينية التي بها يحيى وبها درس الطب ولا يرى أي غضاضة في ذلك.

وبمناسبة الحديث عن دراسة الطب وغيره من العلوم ألا يلاحظ إخوتنا الداعون إلى العامية أن كل البلدان المتقدمة تقنيا وعلميا تدرّس هذه العلوم بلغتها الأم مهما كانت هذه اللغة؟ والسبب لا يختلف فيه اثنان، فلا يراد للطالب أن يواجه عقبة اللغة الأجنبية مضافة إلى عقبة المادة العلمية التي يتخصص فيها، غير أن القوم ربما يريدون للطالب عندنا أن يكون عبقري زمانه، فيقتحم ما يعفى طلبة كل العالم المتقدم من مجابهته . اللهم إن هذا لمنكر.

واسمحوا لي أن أختم بقولة أخرى للأديب مصطفى صادق الرافعي في "وحي القلم":[أما اللغة فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودا متميزا قائما بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة في صور التفكير وأساليب أخذ المعنى من المادة؛ والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحس على ميل الأمة إلى التفكير والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مشتقاتها برهان على نزعة الحرية وطماحِها، فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه لزوم الكلمة والكلمات القليلة.].

إسماعيل النسيمي

مشاركات القراء:

التعليقات

Thursday, June 5, 2008
الأمازيغ

فوجئت والله لهذا الكم العجيب من الكره ضد لفظة عربي من السادة المدونين بهذه
الصفحة،المجال هنا و لا جدال ليس ميدانا للتراشق بالالفاظ والخروج عن المألوف الذي وصل لتمجيد اليهود أحيانا، أنا لن أدافع عن العربية لغة القرآن (فللبيت رب يحميه) كما قال عبدالمطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنني لا ألوم من يحتقر نماذج التاريخ العربي الحديث و يهزأ من أقزامه و مهرجيه، غير أنني أعجب للأمازيغي والتركي والفارسي و كل أعجمي يسب لغة المصحف و يتمنى زوال الكعبة من أرض العرب و ينتظرون مهديا فارسيا أو أمازيغيا يغدو نبيا لهم ولليهود إن شاؤوا، ما هذه المهزلة ،إن حفظ اللسان مكرمة عربية كما أن فصاحة الهجاء مهارة عربية وأحيي كل من يصلي بالعربية فيدعو على أعدائها وأعداء أرضها و أعداء نبيها من يهود و ( آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) صدق الله العظي

مقال جميل، لكن عن أي لغة أم تتحدث، إن كنت تتحدث عن المغاربة فالواضح العيان أن بالمغرب لغتين العربية والأمازيغية، ولكل منها الحق في الازدهار والرقي.
أما إسقاط المقال فقط على العربية فذلك النفاق.