المدرب الجديد وإهمال الكفاءات الوطنية

لست من المتتبعين الدائمين للأخبار الرياضية المغربية، لكنني صدمت عند سماع خبر اختيار مدرب جديد للمنتخب المغربي لكرة القدم. فبعد كل ما كُتِب حول مهزلة المدرب الفرنسي السابق (هنري ميشال)، والحديث عن ضرورة استخدام الأطر المحلية من أجل النهوض بالرياضة في المغرب، يأبى أصحاب القرار إلا أن يستوردوا مدربا فرنسيا جديدا بتكلفة تقدر بستين (60) ألف أورو في الشهر! هذا في بلد يعيش 5 ملايين من سكانه بأقل من أورو واحد في اليوم.

قد يتساءل بعضكم عن علاقة مشاكل كرة القدم بموضوع الموقع. الجواب بسيط: بالنسبة لي هذا التصرف يعكس أولا، التبعية الثقافية والسياسية والإقتصادية لفرنسا. وثانيا، نظرة مسؤولينا الدونية للكفاءات المغربية. والذي يشتغل في القطاع الخاص يعرف كم تصرف شركاتنا المتوسطة والكبرى على الأطر الأجنبية (أغلبها فرنسية بالصدفة !) في حين يعاني من البطالة آلاف من خريجي الجامعات، حتى أن وزير التشغيل صرح مؤخرا بأن المغرب قد يضطر لجلب مزيد من العمالة من الخارج لتغطية الخصاص في بعض القطاعات.

لا أتفق مع أصحاب نظريات المؤامرة التي تقول بوجود مخططات تحاك في الخفاء من أجل تدمير لغتنا، لكنني أومن بوجود تنافس (ربما حاد) بين واللغات والثقافات. وأفضل من فهم خطورة هذا التنافس هم الفرنسيون أنفسهم .فاللغة بالنسبة لهم أكبر من مجرد تعبير عن الهوية، بل هي ثروة إستراتيجية (مثل النفط في دول الخليج العربي) تعينهم على كسب موارد مادية من مناطق النفود الفرنسي في إفريقيا وغيرها. ويواجهون بشدة أي زحف للغات الأجنبية في بلدهم أو في تلك المناطق. فبالإضافة إلى القوانين التي تفرض استخدام اللغة الرسمية في التعليم والإعلام والإدارة والأماكن العامة، ظهرت مؤخرا حركة شعبية في فرنسا تسمى "ضد الكل انجليزي" (Contre Tous Anglais) تطالب الشركات العالمية المتواجدة في فرنسا باستخدام اللغة التي يتكلمها العمال والمستهلكون لأن استخدام الإنجليزية سيؤدي إلى تسريح الموظفين الذين لا يتقنونها وبالتالى إلحاق الضرر بالإقتصاد الوطني.

نعم، تعلم اللغات الأجنبية ضرورة في عصر العولمة، لكننا نعرف بأن جل المغاربة لا يتقنونها (كما أن جل الفرنسين لا يتقنون الإنجليزية) ولإن الشركات المغربية لاتستخدم اللغة الوطنية في تعاملاتها فإنها تكتفي بتوظيف من يتقن الفرنسية وتضطر في أحيان كثيرة إلى الإستعانة بأطر أجنبية وهو ما يخلق في المغرب طبقتين اجتماعيتين واحدة تتقن الفرنسية وتستطيع الحصول على العمل والثروة والنفوذ وأخرى لا تتقنها تبقى مهمشة ماديا واجتماعيا وسياسيا .

هذا التقسيم ليس أمرا جديدا، فلقد قرأنا في تاريخ المغرب كيف أن الحركة الوطنية ظهرت أولا للدفاع عن مصالح خريجي المدارس المغربية العتيقة (جامعة القرويين مثلا) الذين عانوا من اقصاء السلطات الفرنسية لهم في التوظيف. فالإحتلال كان يفضل خريجي المدارس الفرنسية (العصرية) لتولي رعاية شؤون الدولة. وللأسف الشديد فبالرغم من مرورأكثر من خمسين سنة على الإستقلال، لا نزال نرى نفس سياسة التهميش ضد الطاقات الوطنية: سواء تعلق الأمر بمدرب أو لاعب أو مسؤول بشركة أو موظف في إدارة أو مبدع أو صحافي.. إن لم تكن تتقن الفرنسية فأنت في الدرجة الثانية.

وعن علاقة اللغة بالتنمية، يقول الدكتور المهدي المنجرة: "لا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم"

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

كلامك صحيح

ما قلته صحيح و واقعي