لقاء دراسي بالبرلمان: اللغة ليست وعاءا محايدا والعربية تتعرض لمذبحة

استهل النائب الحبيب شوباني رئيس لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، اللقاء الدراسي الذي نظمه فريق العدالة والتنمية يوم الخميس 26 يونيو 2008، حول:"دور البرلمان والحكومة والمجتمع المدني في تعزيز مكانة اللغة العربية في الحياة العامة"، ببسط الأهداف والسياقات التي يأتي ضمنها وفي إطارها هذا اللقاء الدراسي، وعلى رأسها "اعتبار اللغة العربية أحد عناصر ملف الهوية الوطنية التي بنيت على يد المغاربة، والتي تتطلب منافحة عبر كل المدخلات المتاحة، سياسية وثقافية ومجمعية".

اللقاء الدراسي، الذين شارك فيه أساتذة باحثون وبرلمانيون وأعضاء الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، بالإضافة إلى فنانين وإعلاميين ورجال أعمال وممثلي كل من وزارة تحديث القطاعات العامة والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، جاء –حسب المتحدث- لكون المشهد اللغوي بالمغرب أصبح يتجه نحو تكريس اختلالات خطيرة من شأنها إضعاف مقومات الشخصية المغربية ومحو معالمها المميزة مع الزمن، وأن تلحقها بفضاءات ثقافية أخرى، سبق وأن ناهضتها بشدة حركة المقاومة الوطنية.

وأكد شوباني، أن هذا الورش المفتتح في السنة الأولى من هذه الولاية التشريعية بمحور اللغة العربية، ستتلوه محاور وقضايا أخرى وعلى رأسها اللغة الأمازيغية، مشيرا إلى أن من بين الأهداف التي يتوخاها هذا اللقاء: قياس مدى تلاؤم مثلث الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني في الدفاع عن قضايا الهوية.

موسى الشامي: وضع اللغة العربية قاتم ولغة المستعمر القديم هي السائدة

ومن جانبه، اعتبر موسى الشامي رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، في مداخلته حول واقع اللغة العربية بالمغرب، أنها تعيش وضعا قاتما من خلال سيادة لغة المستعمر القديم في المقاهي والإدارات والمؤسسات...، مقدما لذلك مثالا بأحد أحياء العاصمة، والذي قال:"إنه يشعر من خلال اللغة المتداولة فيه وكأنه في حي فرنسي". كما احتج الشامي بشدة على الوثائق الإدارية التي تصل المغاربة بلغة مستعمرهم، بالإضافة إلى القنوات الإعلامية التي تجعل المواطن المغربي يعيش في جو غريب عن المغاربة. وبالإضافة إلى هذا انتقد الشامي في مداخلته الإذاعات (الجديدة)، وبرامجها المنحطة التي قال:"إنها تروج الخواء والابتذال للمواطنين".

كما أبدى المتدخل أسفه على سيطرة اللغة الفرنسية على الحياة العامة بما في ذلك الوظائف العليا ومن يتولى أمر تدبيرها، وكذلك على الازدواج اللغوي الذي يعاني منه حوالي 7 ملايين من الطلبة والتلاميذ في قطاع التعليم، ثم على دور المشاهد المتفرج الذي تقوم به الحكومة، واقفا على تناقض المرسوم الذي بعث به الوزير الأول إلى الإدارات والمؤسسات، وتدبدبه بين الإلزام والحث، قائلا:"إن الفرق شاسع بين التعبيرين والقناعة التي تؤطرهم"، واصفا هذا المرسوم بكونه موجه للاستهلاك الداخلي والإعلامي.

تعريب الإدارة المغربية يسير بخطى ثابتة للوصول إلى أوسع نطاقاته

ومن جهته، أكد ممثل وزارة تحديث القطاعات العامة، حرص الحكومة على تدعيم المكتسبات وتجسيد الثوابت على مستوى تدبير الشؤون العامة للدولة في مجالات تعريب الإدارة والحياة العامة، تماشيا مع روح دستور المملكة، وأشار في هذا السياق إلى العديد من الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة لرد الاعتبار للغة الرسمية، مذكرا منها بمشروع مرسوم حول استعمال اللغة العربية بالإدارات العمومية والجماعات المحلية والذي يوجد الآن ضمن جدول أعمال الأمانة العامة للحكومة.

عبد الكريم برشيد: بتهميش اللغة العربية لم يعد للاستقلال أي معنى

وفي مداخلة المؤلف والكاتب المسرحي الأستاذ عبد الكريم برشيد، أكد أن قضية اللغة العربية هي قضية وجودية، وأن أية لغة لا يمكن أن تكون وعاء محايدا أو أداة تواصلية محايدة، وإنما هي الهوية ذاتها، وأضاف:"إن المغرب عندما حارب الاستعمار الإسباني والفرنسي حاربه من منطلق ثقافي، لذلك لم ولن نقبل أن نكون فرنسيين من الدرجة الأولى أو الثانية، وبالتالي فاستقلالنا يجب أن يكون استقلالا ثقافيا واجتماعيا ولغويا واقتصاديا وسياسيا، إلا أن الواقع الآن حيال هذا الوضع غير سليم، إذ أننا نعيد إدخال المستعمر من النافذة عبر مسميات التدبير المفوض تارة والخوصصة تارة أخرى وهكذا...، إلى درجة لم يعد معها للاستقلال أي معنى"، ممثلا ذلك بقطاع التعليم "الذي لم يحصل معه لا التعميم ولا التعريب ولا المغربة ولا المجانية". كما نبه برشيد إلى كون كل رموز المقاومة كانوا ذا بعد ثقافي، مستحضرا كل من علال الفاسي والمختار السوسي ...، ومذكرا أنهم كانوا خريجي مدارس الأزهر والقرويين و مدرسة ابن يوسف، مما جعل الخطابة والشعر يشكلان عمادا للمقاومة الثقافية الإسلامية والوطنية.

وأضاف الكاتب المسرحي أن أكبر ما يهدد مستقبل الدول والمجتمعات هو الحروب الثقافية، مستغربا ممن يروجون عدم فهم العامة للغة العربية، ومذكرا في الوقت نفسه باللحظات التي كان يستمع فيها عموم المغاربة إلى صوت العرب من القاهرة، وإلى إذاعة "بي بي سي" اللندنية، وأضاف برشيد أن وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة منذ الاستقلال إلى اليوم لم تفعلا أي شيء لهذه اللغة، واعتبر أن ما أنجزه المستعمر من مؤسسات كالمكتبة الوطنية لاتزال كما تركها، وما وضعه من قوانين لحفظ التراث الوطني تم تدميره أو إهماله، مستحضرا المسرح البلدي بالبيضاء الذي تم هدمه ومحو معالمه، كما أن أقدم مسرح "سرفانطس" بطنجة، بناه الإسبان هو الآن خراب في خراب، حتى تاريخنا يقول برشيد متأسفا يجسده غيرنا الآن في مسلسلات وأفلام تاريخية، في حين أننا نشجع البهرجة و"سكيتشات الشلح ولعروبي"... بنكت بليدة تعمق خلافات ضيقة، في الوقت الذي نحن في حاجة إلى إنتاج وإبراز رموز تاريخنا العريق من المهدي ابن تومرت إلى يعقوب المنصور...، مؤكدا أن كل الحروب التي خضناها كانت تستهدف ثقافتنا وإرثنا الحضاري، هذه الحروب التي لا تزال مستمرة، والتي عصفت بالعراق وتخطط الآن لضرب دمشق. وختم الكاتب المسرحي برشيد مداخلته بقوله إن هناك من يحاول حصر اللغة العربية داخل المسجد دون الحياة العامة، ولكن هذه لغتنا وسنظل متشبتين بها، بل يجب على الدولة أن تتجه لمعاقبة كل من يهين أو يعبث بها لأنها رمز من رموز السيادة ولا تقل أهمية عن الثوابت الأخرى.

عبد السلام خلفي: لا جدال في كون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد

وأما ممثل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وفي إطار التعقيبات الثلاث، فقد ذكر بالموقف المبدئي لمؤسسته من اللغة العربية، معتبرا إياها اللغة الرسمية للبلاد، كما وقف عند الزيارات التواصلية التي أجراها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ذاكر منها جلستهم مع الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، وكذا مع النائب البرلماني عن فريق العدالة والتنمية عبد الجبار قسطلاني موضحا في هذا الإطار أهمية اللغة الأمازيغية في الحياة العامة على المستوى الوظيفي، وكذا على المستوى البيداغوجي والمستوى الحقوقي.

ميلود الشعبي: ما يحصل اليوم في المغرب يؤكد أن اللغة العربية تتجه نحو الانقراض

وقد استنكر البرلماني ورجل الأعمال ميلود الشعبي الذي تابع فقرات اللقاء الدراسي بكل اهتمام، أسلوب عدد من الوزراء المغاربة في مخاطبتهم للمغاربة بلغة أجنبية، داعيا بدوره إلى اعتماد آليات عقابية لكل من يهين هذه اللغة ولا يحترمها، معتبرا أن كل من يفكر ويعبر بغير لغته لن يستطيع استحضار هموم الطبقة الشعبية، وما يحصل اليوم، يؤكد –حسب الشعبي- أن اللغة العربية تنقرض يوما بعد يوم، وإذا لم نتجند لهذا الأمر قد ينسى المغاربة في أفق 30 أو 40 سنة لغاتهم الأصيلة، وفي هذا الإطار طلب من الأساتذة الجامعيين الإشراف على محاربة الأمية في اللغة العربية لدى العديد من رجال الأعمال.

يحي اليحياوي: ضعف اللغة العربية نابع من ضعف أهلها

ومن جهة أخرى، دعا يحي اليحياوي الفاعل المختص في مجال الاتصال إلى مقاطعة القناة الثانية، لأنها لا تعبر عن هموم المغاربة ولا عن إشكالاتهم، وذلك في إطار تعقيبه على المداخلات السابقة، مركزا على دور اللغة العربية في المشهد السمعي البصري، ومعتبرا أن هذا القطاع ليس محايدا، بل من الآليات المعتمدة لتمرير إيديولوجية معينة، مسجلا أن اللغة العربية لا تستحضر في تشكيل المشهد الإعلامي بالمرة، كما أن ضعف اللغة العربية في المشهد العام هو نابع من ضعف أهلها وليس في هيكلها أو مضمونها، وكل ما يقال أنها ليست لغة علوم وتكنولوجيا، ما هو إلا مجرد ترهات، معتبرا أنه من العار أن تبث القناة الثانية معظم برامجها بلغة غير العربية، متسائلا في الوقت ذاته عن طبيعة الفئة التي تستهدفها قناة عين السبع.

اليحياوي وقف أيضا عند موجة المحطات الإذاعية الجديدة والتي تعد بمثابة مذبحة حقيقية للغة العربية، على مستوى الصرف والنحو ومخرج الكلمات، ويتم توظيفها بشكل هجين، معتبرة أن ذلك يفرضه الواقع باعتماد ثقافة القرب باستهداف فئة لا تستوعب اللغة العربية، فإن كان لهذا المنطق نوع من المعقولية يقول المختص الإعلامي، فإن المطلوب بهذا المستوى هو إعادة النظر في الظهير المنشئ للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لكونها لا تعمل إلا على تقنين الإناء، في حين أن المطلوب هو تقنين المضامين وممارسة نوع من الرقابة على اللغة المستعملة، مؤكدا أن كلا من اللغة العربية والأمازيغية في المغرب يتعرضان لمذبحة واحدة.

عن موقع حزب العدالة والتنمية

محمد لغروس

مشاركات القراء: