مراحيض المؤسسات المغربية منبر من لا منبر له

الأغلبية الصامتة من ساكنة المغرب التي قاطعت الانتخابات التشريعية الأخيرة كانت تدرك أنها لن تنجح في التعبير عن نفسها عبر وسائل الإعلام العمومية، لذلك قررت البحث عن حلول و منافذ أخرى قصد إشاعة رسائلها المستعجلة.
ففي الوقت الذي لا زالت فيه القنوات المغربية غارقة في تخلفها الإعلامي و خوفها من أن يصل صوت هذه الأغلبية إلى العالم، نلفى سواعد مغربية شابة تخلق المفاجآت على الشبكة العنكبوتية،
وبفضلهم أضحت صفحات الويب ديوان المظالم للمواطن المغربي المقهور. فكل من لديه شيء و يريد فضحه أو التنديد به ما عليه سوى تصويره و إرساله إلى موقع اليوتوب ليصل إلى كل أقطارالمعمور .
ورغم كل هذه المنافذ اليسيرة التي يوفرها الأنترنت فإن التلفزة المغربية لا زالت تزرع جذورها في العصر الحجري و تنهج سياسة النعامة معتقدة بذلك أن صوت الطبقات المسحوقة التي - لها رأي مخاف فيما يخص السياسة و أداء الحكومة و الأحزاب - لن يصل.. و محاولة إخفاء الوجه الحقيقي للمغرب بمساحيق تجميلية وضيعة.
و عوض أن تطرح أسباب عزوف هذه الطيقة عن التصويت اكتفت باتهام مغاربة المغرب الآخر (ما يسمى بالمغرب الغير النافع) بالعدمية و اليأس.
و لو ألقى المتبحر نظرة عابرة على المواقع و المدونات التي يبدعها الشباب المغربي لفهم أن هناك جيلا جديدا ينتمي إلى تيارات فكرية تكنولوجية يعيش في علبها الالكترونية.و تفصله سنوات ضوئية عن الطبقة السياسية المغربية التي لازال الكثير منها يجهل حتى كيفية إشعال الحاسوب و يزين به مكتبه فقط.
لذلك لا بد أن تفهم الاحزاب و زعمائها الذين تضخمت مؤخراتهم على كراسي الوزارات أن الظروف أصبحت ميسرة لكي تعبر الأغلبية الصامتة عن مواقفها و غضبها و سخريتها من الطبقة السياسوية.
و لعل الجميع يتذكر كيف كانت مراحيض الثانويات و الجامعات من أحب الأماكن للجيل السابق للتعبير عن القضايا و رفع الشعارات و أحيانا تبادل الشتائم من خلال الكتابة بالفحم أو قلم الرصاص على جدران المراحيض، إلى درجة أن المرحاض تحول إل سبورة نقابية للشعب، حيث يحق لك أن تكتب رأيك في وزير أو برلماني أو...بجرأة غير معهودة و بدون خوف من المتابعة.
و لو أنه تم تأسيس مركز لجمع و دراسة كل ما يكتب على حيطان و أبواب مراحيض المؤسسات المغربية لاستفادت منه مندوبية التخطيط في دراستها و مخططاتها المستقبلية. فكم من مرحاض كتبت على جدراه أراء و مواقف سياسية جريئة ناذرة..مواقف كتبتها أياد في لحظة انتشاء..أنامل لا تنتمي إلى أي حزب أو تيار . فقط أرادت ترك كلمة تدل على قضايا معينة.
أحيانا قد تجد في أدب المراحيض أبيات و شذرات جميلة من الشعر مكتوبة بعناية فوق باب مرحاض مكسور..و أحيانا أخرى قد تعثر على ركن تعارف حيث يترك بعضهم أسماءهم المستعارة و أرقام هواتفهم..و قد تصادف أسماء أساتذة و مدراء زرق يتجاورن في في البحوث و مؤخرات الطالبات.
رحم الله الأيام الخوالي التي شهدت نشرات الطلبة على أبواب المراحيض يمارسون من خلالها سخريتهم و شماتتهم من نظام وصل حدود الإفلاس.

مشاركات القراء:

التعليقات

المرحاض هو المكان الوحيد الذي يجد فيه المغربي حريته. ولعل كتاباته في الجدران ما تعبر إلا على الكلمة التي قالها في نفسه خائفا أن يسمعه غيره و هذا راجع إلى عدم تحمله مسؤلية إبداء الرأي التي ربيت فيه منذ الصغر . فعندما يقول شيئا (في صغره) فإما أن يتلقى "ضربة" و إما أن يتلقى كلمة عنيفة "ششش اسكت !" حتى اعتاد على الأمر . فالأولى تعني التعذيب و الثانية تعني القمع .