عناية المغاربة بلغة القرآن الكريم

عن جريدة الصحراء المغربية

ألقت الأستاذة سعيدة أملاح، أستاذة اللغة العربية بالمركز التربوي الجهوي بمراكش، درسا من الدروس الحسنية الرمضانية يوم الأربعاء 17 شتنبر 2008، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع "عناية المغاربة بلغة القرآن الكريم"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة مريم الآية ... "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" صدق الله العظيم.

واستهلت الأستاذة أملاح درسها بالإشارة إلى بعض معاني كلمة (اللسان) في الآية الكريمة، قبل أن تبسط الكلام في ثلاثة محاور، تتمثل في ذكر دخول اللغة العربية إلى المغرب وعناية أهله بها، وذكر عناية الأمازيغ بالعربية وتبريزهم فيها، واستمرار هذه العناية باللغة العربية خاصة في جنوب المغرب.

فبخصوص لفظ (اللسان)، استشهدت الأستاذة أملاح بشروحات ابن كثير وابن عاشور وأبو حيان الأندلسي في (جامع المحيط) والقرطبي والزمخشري، الذي فسر الآية بكون الله تعالى أنزل القرآن بلسان رسوله الكريم، أي بلغته العربية.

وأكدت أن الاهتمام باللغة العربية وفهمها مدار بيان الشريعة، وهو حسب عدد من العلماء من "فروض الكفاية"، إذا عمل بها البعض سقطت عن الباقين، فيما اعتبرها علماء آخرون من "فروض العين"، أي يجب أن يعمل الجميع على معرفة كلام العرب، الذي نزل به القرآن الكريم وتكلم به الرسول العظيم.

وأضافت أن المغاربة اعتنوا بالعربية منذ قدوم عقبة بن نافع، حيث ما لبث المغاربة الذين اقتنعوا بالدين الجديد أن نشروه ونشروا اللغة العربية، انطلاقا من المدن نحو البوادي، كما نشر هذه اللغة المهاجرون العرب، الذين قدموا زرافات ووحدانا، وكذا القبائل العربية التي حلت بالمغرب.

وتابعت الأستاذة أملاح أن اللغة العربية لدى المغاربة صارت الأقرب إلى الفصحى مع تأثر بالأمازيغية، خاصة في تسكين الحروف مع إضفاء إبداع مغربي من قبيل الملحون مثلا، كما خدم اللغة العربية العلماء المغاربة، الذين أكثروا من الرحلات إلى الشرق قبل أن يغوصوا في البحث والتنقيب عن علوم الآداب، من نحو ولغة وصرف وصنعة الشعر وأنساب العرب وغيرها.

وأشارت المحاضرة إلى أن الأمازيغ اشتغلوا بهمة عالية في تحصيل علوم اللغة العربية، لتقديسهم لغة القرآن الكريم، موضحة أن من وجوه تعلق الأمازيغ بالعربية جذرية الارتباط بين اللغة والدين، وإدراكهم كون العربية تختزن غنى لغويا وعلميا لا غنى عنه لفهم الدين الحنيف والتعمق في دراسته.

وقدمت الأستاذة أملاح نماذج لعلماء أمازيغ كبار تبحروا في علوم اللغة العربية، وأشاد بهم المقري في مصنفه (نفح الطيب)، ومنهم أبو موسى عيسى الجزولي صاحب "المقدمة الجزولية" والمعروفة بـ"القانون" أو"الاعتماد"، وعرفت بمكانته العلمية الفذة ومنهج كتابه الفريد.

كما ذكرت بابن آجروم الصنهاجي الذي درس بالقرويين وبالقاهرة وحج إلى مكة المكرمة، وهو ينتمي إلى المدرسة الأندلسية المغربية التي مزجت بين المدرستين الكوفية والبصرية ، ومن أشهر مصنفاته "منظومة في القراءات" و"المقدمة الأجرومية في مبادىء علم العربية" التي ترجمت إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية.

وتحدثت الأستاذة أملاح كذلك عن المؤلف الموسوعي محمد الصغير الإفراني، صاحب "ياقوتة البيان"، الذي كتب في التاريخ والفقه والتفسير، وعن محمد بن أحمد أكنسوس اللغوي السوسي الشهير، دفين مراكش، ومؤرخ الدولة العلوية، وصاحب كتاب (الجيش العرمرم الخماسي في دولة مولانا علي السجلماسي)، الذي حقق (القاموس المحيط) للفيروز أبادي.

وأوردت نموذجين للمدارس العتيقة بالمغرب أولهما مدرسة "أكلو" التي مر بها عدد من العلماء من أمثال عبد الله بن ياسين ، ودرست الفقه المالكي باللغة الأمازيغية أولا قبل تعميق معرفته باللغة العربية باعتبار أن اللغتين " شقيقتان متلازمتان"، وثانيهما مدرسة "تنالت" التي هدفت أيضا إلى نشر اللغة العربية وتفسير علوم الدين، مذكرة بأن العلامة محمد المختار السوسي في كتابه (سوس العالمة) تحدث عن خمسين مدرسة عريقة من أصل مائتين كانت توجد بسوس.

واعتبرت الأستاذة أملاح أن هاتين المدرستين نموذجان على مستوى تمكين الطلاب من معرفة علوم الدين، وتكوين الوعاظ مع استعمال اللغة العربية، وكذا تكوين نخبة من العلماء متعمقين في اللغة العربية مع الإحاطة بأمهات التصانيف.

وتابعت أن هؤلاء العلماء تعمقوا ونقبوا، فكانت لهم بذلك مشاركة فعالة في العلوم الدينية والآداب والعلوم اللغوية وغيرها، وظلت إسهاماتهم حاضرة مع تزايد أعداد المهتمين وانفتاحهم، وأنهم استطاعوا بذلك أن يرقوا إلى مراكز الصدارة، بحيث أن فضلهم على المعارف اللغوية، وعلى اللسان العربي عظيم من خلال إنتاجاتهم أو من خلال الأدوار التي قامت وماتزال تقوم بها الكتاتيب والجوامع والمدارس العتيقة.

وأكدت أن أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس هو "الوارث الشرعي لأمانة الدين واللغة العربية في هذا الجناح الغربي المغربي لبلاد الإسلام، وأن الله ألهمكم الجمع بين الحسنين: ألهمكم الحرص على مقومات الهوية التي منها اللغة العربية واللغة الأمازيغية، من جهة، والحرص على طلب وسائل التواصل مع الغير، وسبل الاستفادة من معارفه، وهي اللغات الأجنبية، من جهة أخرى".

وأكدت أن أكاديميات اللغة العربية التي أمر جلالة الملك بإنشائها دليل آخر على حرص الأسرة العلوية على حماية اللغة العربية، مشيرة إلى أن الموقع الجغرافي للمغرب، ودوره الحضاري في الحاضر والمستقبل، ومكانته كقدوة لعدد من الدول الإفريقية في مجال الثقافة العربية الإسلامية من الأمور التي تحتم التزامه المستمر بحماية اللغة وتقويتها بمختلف الوسائل والإجراءات التربوية والعلمية، باعتبار هذه الحماية أمرا حتميا وضروريا لبقاء الشخصية المغربية المتوازنة.

مشاركات القراء:

التعليقات

الأستاذة سعيدة أملاح عالمة من علماء اللغة ,نشهد بعلو كعبها في هذا المجال .نسأل الله لها شفاء لا يغادر سقما.