تعلم الصينية لغة المستقبل.. حمى جديدة تجتاح الولايات المتحدة

واشنطن تخصص 114 مليون دولار لتعلم اللغات الحاسمة من بينها العربية

كانت بيرل تيريل عازمة على أن تبدأ حفيدتها شايلا تعلم اللغة الصينية، بحيث انها قضت اسبوعين في الصيف الحالي وهي تقود سيارتها لمسافة 100 ميل يوميا من بيتها في ويست فرجينيا الى مدرسة متوسطة في فردريك كاونتي حتى تتعلم الطالبة، التي ستكون قريبا في المرحلة الخامسة، هذه اللغة. وجلبت الحكومة الأميركية 10 معلمين بالطائرة من الصين الى واشنطن في الشهر الحالي، واعطتهم دورة سريعة لمدة خمسة ايام حول أصول التدريس في دوبونت سيركل، على الطريقة الأميركية، قبل ارسالهم الى مدارس في مختلف أنحاء البلاد. وعلى الرغم من أن العدد قد يبدو قليلا، فان الاسراع في تكليف وتدريب هؤلاء المعلمين لبداية السنة الدراسية الحالية، يؤكد الالحاح الذي تضعه ادارة بوش على اعداد برامج للغة الصينية في صفوف الدراسة في الولايات المتحدة.

وبعد سنوات من التأكيد على ان العالم يتحدث الانجليزية، والمنح والمبادرات، التي اقامت برامج اللغة الأجنبية بطريقة دورية متقطع، انتبه الأميركيون لميدان أكثر عالمية بكثير والى الحاجة الى لغات متخصصة كما يقول اقتصاديون. وما من موضع يكون فيه هذا الامر جليا اكثر من الصين.

وقال كنيث ليبرثال، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مشيغان، ان «الصين تذكر في كل مكان، وبالارتباط مع كل شيء من البزنس والشؤون الدولية الى الحرب على الارهاب. تشتري شيئا في المحلات، وهي مصنوعة في الصين. وما من أحد يسمع عن فرنسا باعتبارها طريق المستقبل».

ويتحدث ما يزيد على 1.3 مليار شخص في العالم اللغة الصينية، ويتحدث حوالي 885 مليونا بينهم لغة الماندرين الصينية، وهي لغة الصين الرسمية واللهجة السائدة، وفي الولايات المتحدة هناك حوالي 24 ألفا فقط في المراحل السبع من 12 مرحلة يدرسون اللغة، وفقا لتقرير من جمعية آسيا، وهي مؤسسة مستقلة غير ربحية تسعى الى اقامة صلات بين الولايات المتحدة وآسيا. ولكن التربويين يقولون ان أولئك الطلاب يعكسون نموا ثابتا في عدد الأميركيين الراغبين في تعلم الصينية.

وقال مايكل ليفاين، المدير التنفيذي للتعليم في جمعية آسيا، ان «الناس بدأوا أخيرا الاهتمام بلغة الماندرين، باعتبارها أفقا ثقافيا واقتصاديا رئيسيا للطلاب. ويأتي هذا التشجيع من الأوساط الدفاعية والحكومية واهتمام أولياء الأمور».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، كشف الرئيس بوش عن مبادرة بقيمة 114 مليون دولار، تهدف الى زيادة عدد ما يسمى باللغات الحاسمة، مثل الصينية والعربية، التي يجري تدريسها في مدارس الولايات المتحدة. ويعتبر المعلمون الصينيون العشرة أول المكلفين في برنامج، تأمل ادارة بوش في ان توسعه ليضم معلمين للغات الروسية والكورية والفارسية ولغات حاسمة أخرى.

وقال توماس فارييل، نائب مساعد وزير البرامج الأكاديمية في وزارة الخارجية، ان «هذه هي أكبر مبادرة من نوعها تركز على اللغة خلال نصف قرن».

وليست هناك عملية مراقبة رسمية لبرامج اللغة الصينية، ولكن ما يقرب من 96 مدرسة حكومية وخاصة في الولايات المتحدة توفر فرصة دراسة اللغة العربية، وفقا للمركز القومي لموارد اللغات، وهو مشروع مشترك بين جامعتي جورجتاون وجورج واشنطن والمركز غير الربحي للغويات التطبيقية. وفي الخريف الحالي، على سبيل المثال، ستقوم مدرسة سبرنغبروك الثانوية في سلفر سبرنغ بتوفير فرصة دراسة العربية للمرة الأولى.

وليست دورات تدريس اللغة الصينية جديدة، خصوصا في منطقة واشنطن، حيث المدارس لديها ميل دولي منذ زمن بعيد. وفي مناطق مونتغمري كاونتي وبيثيسدا شيفي تشيز وريتشارد مونتغمري، وفرت المدارس الثانوية فرصة تعلم الماندرين منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي. ووفرت مدارس فيرفاكس كاونتي هذه الفرصة منذ التسعينات.

ولكن ما هو جديد هو ان الاهتمام بمثل هذه الدروس لم يعد يأتي، على وجه التحديد، من الآباء الآسيويين، الذين يصورون البرامج باعتبارها وسيلة لأطفالهم للحفاظ على الأواصر مع ثقافتهم. فالآباء غير الآسيويين هم الذين يريدون، على نحو متزايد، ان يتعلم أطفالهم الصينية، مشيرين الى الرغبة في البقاء على مستوى المنافسة من اجل الحصول على افضل المهن. وعلى سبيل المثال ففي برنامج اللغة الصينية الذي وفرته فردريك كاونتي في الصيف الحالي كان هناك اثنان فقط من الاسيويين بين الأطفال البالغ عددهم 16. وقالت باولا باتريك منسقة اللغات الأجنبية في مدارس فيرفاكس الحكومية، حيث يدرس حوالي 1200 طالب الصينية «انهم يريدون ان يكون اطفالهم في موقع متميز، ويرون الصينية باعتبارها عاملا مساعدا على الحصول على ذلك».

وفي الخريف الحالي سيوفر ما يزيد على ثلث مدارس ميريلاند الحكومية فرصة تعلم الماندرين، وهو ما يزيد على ضعف العدد الذي وفرته في العام الماضي. «بعض المدارس في الولايات المتحدة تعلم الكانتونيز، وهي اللهجة التي يجري الحديث بها على نطاق واسع في هونغ كونغ واللغة التي يتحدث بها كثير من المهاجرين الصينيين الأوائل، ولكنها توفر فرصة الصينية بصورة أوسع» .

وفي فرجينيا حيث خمس مدارس توفر فرصة تعلم الصينية، دشن التربويون في فيرفاكس برنامجا العام الماضي لتقديم دروس لألف طالب في مدرستين ابتدائيتين. وذلك اضافة الى البرامج التي تقدمها في ثلاث مدارس ثانوية، حيث يتعلم الصينية حوالي 200 طالب. وفي مونتغمري، حيث تقدم 17 مدرسة الدروس، زاد برنامج التسجيل بنسبة 59 في المائة العام الماضي ليرتفع عدد الطلاب من 656 الى 1041.

وفي المنطقة قدمت مؤسسة تنمية الجالية فرصة تدريس اللغة الصينية لطلاب 11 مدرسة ثانوية في الصيف الحالي. وفي مدرسة واشنطن اللاتينية، وهي مدرسة حكومية من المنتظر ان تفتح الشهر المقبل في شمال غرب واشنطن، يأمل التربويون في ان يكون برنامجهم لتعليم الماندرين حافزا جديدا للعوائل عندما يجري تقديم دورات دراسية رسمية عام 2008.

وتعتزم المدارس في فيلادلفيا وهيوستن ونيويورك سيتي وبورتلاند الشروع ببرامج تعليم الصينية. وتقوم مدارس شيكاغو الرسمية بتعليم ما يزيد على 3500 طالب في اكبر برنامج في البلاد.

وقالت كاثرين غروث نائبة رئيس مدرسة فردريك الداخلية، إنهم سيبدأون بتدريس لغة الماندرين الصينية هذا الخريف. وقالت إنها ترحب بالتركيز العالمي. وأضافت «أظن أن الأميركيين الذين كانوا يشعرون بأن الآخرين بحاجة إلى تعلم الانجليزية أدركوا الآن أن الوقت قد حان لعدم صلاحية هذه الفرضية. أنا سمعت بأناس يقولون: انس الهندسة. تعلم لغة أجنبية. وإذا اردت عملا فإن اللغة الأجنبية ستساعدك على العمل في مجال الهندسة».

من جانبها تجد الجدة تيريل أن بإمكانها أن تسجل حفيدتها كي تتعلم الأسبانية اوالفرنسية وتدخر قدرا أكبر من النقود. ولم تفكر تيريل في السابق بأهمية اللغة الأجنبية، لكن وجهة نظرها تجاه العالم تغيرت الآن. وقالت «الصين في حالة تقدم وإذا تعلمت حفيدتي شايلا الصينية فإن ذلك سيكون جيدا بالنسبة لها، وربما ستتمكن من تعليمي اللغة أيضا».

مع ذلك فإن التربويين الأميركيين الذين يحاولون توسيع برامج تعليم اللغة الصينية يواجهون عقبات كثيرة، إذ لا يوجد هناك الكثير ممن يمتلكون الكفاءة اللازمة لتدريسها.وليست هناك سوى الجامعات الأميركية التي تقدم برامج لتأهيل المدرسين في مجال لغة الماندرين الصينية، حسبما قال ليفين من جمعية آسيا. وفي العام الماضي أضافت جامعة جورج ماسون برنامجا لمنح الشهادة لمدرسي لغة الماندرين، لكن لم يسجل فيها سوى شخصين.

لوري أراتاني: خدمة «واشنطن بوست»- خاص بـ «الشرق الاوسط»

مشاركات القراء:

التعليقات

god bless oyu