اللغة العربية و بناء الذات : غربة اللغة العربية

الإسلامُ غريبٌ بدايةً ونهايةً، وغربةُ اللّسانِ من غربةِ الدّينِ، فمن المعروفِ أنّ اللّغةَ العربيّةَ انتشرَت بانتشارِ الإسلامِ وامتِدادِ فتوحاتِه في إفريقيا وآسيا، وكانَ لها من القوّةِ والنّفوذِ ما مكَّنَها من التّغلُّبِ على لُغاتِ الأمصارِ القديمةِ. ويرجعُ تمكُّنُها إلى بنيتِها الدّاخليّةِ ودقّةِ نظامِها وقواعِدِها وغِنى معجمِها، وإلى آدابِها وتُراثِها الذي يؤسِّسُها، وعلى رأسِ الثّقافةِ التي تُسْنِدُها القرآنُ الكريمُ والحديثُ النّبويُّ الشّريفُ ببلاغتِهِما المعجِزةِ، ويرجعُ تمكُّنُها كذلك إلى قدرتِها على التّعبيرِ والإبانةِ عن مختلِفِ جوانِبِ الفكرِ والوجدانِ، ومن أسبابِ تمكُّنها أيضًا صلتُها بالإسلامِ.

فعلى كلِّ مسلِمٍ أن يتعلّمَ من لسانِ العربِ ما بلغَه جهده، حتّى يشهدَ به ألاّ إله إلاّ اللهُ وأنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، ويَتْلُوَ كتابَ الله، وينطِقَ بالذِّكرِ فيما افتُرِضَ عليه من التّكبيرِ، وأُمِرَ به من التّسبيحِ والتّشهّدِ وغيرِ ذلك.

ويقولُ ابْنُ تيميةَ رحمه الله: « ومَعلومٌ أنّ تعلُّمَ العربيةِ فرضٌ على الكِفايةِ، وكانَ السّلَفُ يؤدِّبونَ أولادَهم على اللّحنِ، فنحنُ مأمورونَ أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نَحفظَ القانونَ العربيَّ، ونُصلِحَ الألسنةَ المائلةَ عنه، فيحفظ لنا طريقة الكتابِ والسّنّةِ والاقْتِداءِ بالعربِ في خِطابِها».

وقد ذكرَ ابنُ تيميةَ أنّ اللسانَ العربيَّ شعارُ الإسلامِ وأهلِه، واللّغات من أعظمِ شعارِ الأممِ التي بها يتميّزونَ.

والفصاحةُ في اللغة سنّةٌ نبويّةٌ كريـمةٌ يلزمُ إحـياؤُها واتِّباعُها كباقي السُّننِ، ولا يقتصِرُ أمرُ تعلُّمِها على رِجالِ الأدبِ والعِلْمِ والفكرِ والتّعليمِ والإعلامِ، إنّها سُنَّةٌ شريفةٌ تقتضي من المسلِمينَ اتّباعها، تأسِّيًا بالنّبيِّ الكَريمِ صلى الله عليه وسلم، وتعبيرًا عن المحبّةِ والوفاءِ.

فيكونُ لتعلّمِ الفصاحةِ وتعليمِها أساسٌ دينيٌّ تستندُ إليه اللغةُ العربيّةُ، وعُمقٌ إيمانيٌّ، ووفاءٌ للسّنّةِ، ومحبّةٌ لصاحبِها صلى الله عليه وسلم، ولا تظلُّ محصورةً في رِبقةِ فرضِ الكِفايةِ الذي يسقُطُ بإقامةِ بعضِهم له عن الباقينَ، فليس أحدٌ من المسلِمين متحلِّلاً من النّطقِ بلغةِ العربِ في حياتِه اليوميّةِ والعلميّةِ.

أمّا الدّوارِجُ واللّهجاتُ العامّيّةُ فهي أمورٌ مُحْدَثاتٌ ولُغاتٌ مبتدَعاتٌ، وما زالَ العلماءُ يكرَهونَ تغييرَ شعائِرِ العربِ حتّى في المُعاملاتِ وهو «التّكلُّمُ بغيرِ العربيّة » إلاّ للحاجَةِ، كما نصّ على ذلك مالِكٌ والشّافعيّ وأحمدُ، بل قال الإمامُ مالكٌ : « من تكلَّمَ في مسجِدِنا بغيرِ العربيّةِ أُخرِجَ منه »، مع أنّ سائرَ الألسنِ يجوزُ النّطقُ بها لأصحابِها، ولكن سوّغوها للحاجةِ وكرِهوها لغيرِ الحاجةِ، ولحفظِ شعائرِ الإسلامِ؛ فإنّ الله أنزلَ كتابَه باللّسانِ العربيِّ، وبَعثَ به نبيَّه العربيَّ، فصارَ حفظُ شعارِ العربيّةِ من تمامِ حفظِ الإسلامِ.

وفصاحةُ الحديثِ النّبويِّ سنّةٌ عَمَلِيّةٌ لا تقتصِرُ على عهدِ النّبوّةِ، ولكنّها تمتدّ إلى مساحاتٍ شاسعةٍ من تاريخِ العربيّةِ في تطوّرِها عبرَ العُصورِ إلى يومِنا هذا، وتجدُ مهدَها في القرآنِ الكريمِ الذي هو كتابٌ معجزٌ في بلاغتِه ونظمِه وفصاحتِه، ولكنّه مقياسٌ عالٍ ونموذجٌ سامٍ والْتِحاقٌ لِمَلَكَةِ المتكلِّم اللّغويّةِ بفصاحةِ القرآنِ الكريمِ في صورِها وملامِحِها المتنوِّعةِ، وهي البابُ المفضي إلى إدراكِ الأحكامِ وتمثُّلِ المعاني والمبادئِ التي نزلت بلسانِ العربِ.

فينبغي للمتكلِّمِ أن يحملَ نفسَه على ممارسةِ تلاوةِ القرآنِ الكريمِ باللّسانِ الذي به أنزِل وبالفصاحةِ العاليةِ التي بها نطقَ الأوّلونَ.

وينبغي للمسلِمِ أن يُغلِّبَ الفصاحةَ النّبويّةَ في سُلوكِه الكلامِيِّ على لهجتِه المحلّيّةِ، ويقوِّيَ إحساسَه بها، ويُجاوِزَ واقعَ الضّعفِ والاسْتِغْراقِ في الخصائصِ المحلّيّةِ؛ فإنّ إحساسَ الفرْدِ اليومَ باللّغةِ ضعيفٌ بالفطرةِ، والنّاسُ لا تقرأُ إلاّ عَناوينَ الأخبارِ في الصّحُف السّيّارةِ والمقالاتِ الشّاردةِ، إنّه إحساسٌ أجنبيّ مشوبٌ بِلُوثَةِ العُجمةِ والعامّيّةِ، وما زالَ الإحساسُ بالفصاحةِ يتراجعُ حتّى حُصِرَت اللّغةُ في دائرةٍ ضيّقةٍ، وحلّت في المحلِّ الأدنى بعدَ أن كانت لُغَةَ الأمّةِ الأمَّ ورِباطَها الوثيقَ الذي يمنعُ عنها التّفكُّكَ. فاللّغةُ العربيّةُ الفُصحى تستطيعُ أن تكونَ لغةَ التّخاطُبِ اليوميِّ في البلادِ العربيّةِ بدلاً من اللّهَجـاتِ العامّـيّةِ؛ لأنّ فيها ما يقرِّبُ بين المتكلِّمينَ، بل هي لغةُ القرآنِ الكريمِ ولغةُ الحديثِ النّبويِّ المُبينِ عن القرآنِ الكريمِ، ولفظُ القرآنِ مرتبطٌ أشدَّ الارتباطِ بعقيدةِ المسلمِ وعباداتِه وتشريعِه واقتصادِه وعِلمِه وسائرِ أعمالِه ومُعاملاتِه، فلا يكادُ يوجدُ شيءٌ في حياةِ المسلِمِ إلاّ وله في القرآنِ الكريمِ هديٌ يُتَّبَعُ وأحكامٌ تُستنبَطُ، وله في الحديثِ تفصيلُ ما أُجمِلَ في القرآنِ، وبيانُ ما أُبْهِمَ، وإيضاحُ كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في حياةِ الفردِ والجماعةِ.

أمّا ما يُثارُ من شُبُهاتٍ معاصرَةٍ حولَ اللّغةِ العربيّةِ مثل شبهةِ «اللّغة الدّينيّة » فمصدرُه الاستعمارُ الذي وجَد النّاسَ يحفظونَ القرآنَ الكريمَ منذ طفولَتِهم وإن لم يفهموه ولم يتّخذوه لِسانَهم، فظنّوا أنّ الفصحى لغةٌ دينيّةٌ، مثلما عدّوا اللّغةَ اللاّتينيّةَ لغةً دينيّةً، وكأنّه لا يقترِن بالدّينِ إلاّ كلُّ ما آلَ أمرُه إلى الموتِ والزّوالِ، فعمِلَ الاستعمارُ منذ استيلائه على بلادِ العربِ على الاستهانةِ بالعربيّةِ وتنـزيلِها منـزلةَ الأجنبيّةِ في عُقرِ دارِها، تُدَرَّسُ في غربةٍ شديدةٍ على نفوسِ النّاشئةِ، ويُدفعُ بها إلى الانحِلالِ والتّراجعِ، ولكنّ اجتهادَ الاستعمارِ منذ دخولِه وما أثمرَه من ثمارِ التّمكينِ لثقافتِه ولغتِه على حسابِ لغةِ البلادِ العربيّةِ وثقافتِها، لا ينبغي أن يثنِيَ العزائمَ، بل يجبُ أن يكونَ حافزًا للعودةِ إلى إحياءِ اللّغةِ والذّاتِ والرّجوعِ إليها والاعتقادِ الجازمِ بأنّ الأمّةَ تمرُّ من امتحانِ الغربةِ في اللّغةِ، مثلَما مرّت وما زالت تمرّ من امتحانِ الغربةِ في الدّين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبدالرحمن بودرع (كتاب الأمة 101، اللغة وبناء الذات)، باختصار.

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

بالفعل اللغة العربية بوابة الإسلام و هي غريبة في دارها غربة الإسلام نفسه

فاللهم انصر غريب الدار

اهلا بكم انا اسماء من الجزائر من ولاية الشراقة