كشف الغطاء عما في كتاب"الرائد "من الاخطاء.قراءة في مقرر من مقررات وزارة التربية الوطنية

يقول صادق الرافعي :ما ذلت لغة قوم إلا ذلوا ،ولا انحطت إلا كان أمرهم في إقبال وإدبار

(وحي القلم –ط 1 ج 2 ص:33)

من المعلوم أن اللغة العربية ركن أساس من هويتنا .ولن يتم لبلادنا تقوية روح المواطنة لدى النشء إلا بتفعيل هذا الركن .لكن الواقع يكشف –للأسف- أن هناك أياد لم تعد خفية ،تستهدف هذه اللغة في أوطاننا. ذلك لأنها الحبل المتين الذي مازال يربط بين شعوب أمتنا .ومن الأكيد أن خصوم وحدتنا يدركون أن بتر هذا الحبل سيخمد آخر نفس من حلم الوحدة الذي تعيش عليه الملايين من الشعوب العربية .

ففي المغرب مثلا نجد أن الظهير البربري الذي وضعه الاستعمار الفرنسي في النصف الأول من القرن الماضي في إطار سياسة فرق تسد،وفشل آنذاك ،قد بدأ اليوم يؤتي مفعوله !!لقد نجحت العولمة في فرض ما عجز عنه الاستعمار !.والمتتبع لأخبار الصحف اليوم يرى تلك الحملة الشعواء التي يشنها الحزب الديمقراطي الأمازيغي على العروبة والإسلام ،ليس حبا في الأمازيغية طبعا ،ولكن بغضا في العربية وأهلها وإلا فماذا قدم هؤلاء للأمازيغية ؟وبأي شيء خدموها ،سوى شحن النفوس والسعي إلى خلق الفرقة والتنافر بين أبناء البلد الواحد ؟.

لقد كان المغرب دائما بلدا واحدا ؟،على الرغم من اختلاف اللهجات والانتماءات .فالمغرب مذ كان مسلما وهو يعيش عربيا صميما .وكانت الدول التي تعاقبت على حكمه لا تعرف غير العربية لغة في سياستها وثقافتها .ولسنا ننكر تعلم اللهجات واللغات ،ولكن المقصود أن تكون العربية هي قطب الرحى ،وأن تعتمد في مراكز التعليم ،وفي سـائر الإدارات والمصالح،وأن تكون لغة علوم .وهي أهل أن تكون لغة علوم .فأساليب النحت والاشتقاق والقياس ...تجعل منها مرنة مطواعة .ثم إن العربية قد خضعت للدرس والتحليل والتقعيد طيلة أربعة عشر قرنا !ولا أعتقد أن هناك لغة خدمها أهلها كما خدم العرب لغتهم .وهذا يعني أنها الأنسب لأن تكون لغة تواصل وعلوم .

أما الأمازيغية ،فعلى أي أساس يدعو هؤلاء إلى اعتمادها والتواصل بها ؟هل تملك تراثا ثقافيا مكتوبا ؟هل درسها الدارسون ووضعوا لها الضوابط التي تحكمها ؟ثم لماذا الأمازيغية وليس أي لهجة من لهجات وسط المغرب أو جنوبه أو شماله ؟

ولنفترض أننا اتفقنا على اعتماد الأمازيغية لغة رسمية للبلاد،كم يلزمنا من العقود ،بل القرون لكي نقعد قواعدها ونجمع تراثها في الكتب ؟وهل مازال لدينا الوقت لنضيعه على قضية اختيار اللغة و التي تم الحسم فيها منذ قرون ؟

كل هذه الأسئلة وغيرها توضح أن الدعوة إلى اعتماد الأمازيغية دعوة عنصرية مفتعلة ستشغلنا بقضايا تافهة عن اللحاق بركب الحضارة،ولن تزيد على أن تفرق بين أبناء البلد الواحد .وإلا فإن الأمازيغ كانوا من كبار علماء العربية ،ولعل في العلامة المختار السوسي نموذجا كافيا .وقد كان بإمكان هؤلاء المرتزقة أن يخدموا الأمازيغية لو أنهم كلفوا أنفسهم عناء جمع تراثها وتدوينه في الكتب .ولكنهم بدل أن يهتموا بلهجتهم صرفوا همهم إلى محاربة العربية !!

وإذا كان الدستور المغربي ينص على أن العربية هي اللغة الرسمية للبلاد،فإن واقع الممارسة يكرس تهميشها في المجالات الحيوية .فالفرنسية اليوم في بلادنا هي اللسان المفضل لدى المسؤولين و أربـاب القرار، وهي المعتمدة في الإدارات والمؤسسات .فما معنى أن يظل بند من بنود الدستور –الذي هو أسمى قانون في البلاد –معطلا ؟؟

وأما الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،فقد جاء طرحه للمسألة اللغوية في المغرب غامضا !وقد لاحظ الباحثون فيه أنه يخص العربية بالثناء والمديح والعبارات الرنانة ،بينما تحظى الفرنسية بالبرامج والخطط الواضحة والمدد الزمنية المضبوطة !

وأما بالنسبة للمقررات الدراسية –وهذا ما يعنيني في هذا المقال – فهي أقرب إلى الكسب التجاري منها إلى الهدف التربوي ! لذلك لم نتفاجأ بالمستوى المتردي للتلاميذ ،فإذا عرف السبب بطل العجب .وأنا شخصيا باعتباري مدرسا للعربية لم أكن راضيا على مستوى التلاميذ في ظل النظام التربوي القديم ،ولكنني توقعت الأسوأ حين اطلعت على المقررات الدراسية الجديدة التي تكرمت بها علينا وزارة التربـية. فالنصوص المختارة لا ترقى في الغالب إلى المستوى ،ولا ينتظر منها أن تكسب التلميذ ثقافة ولغة ،لأن فاقد الشيء لا يعطيه .والداهية الدهياء أنها مليئة بالأخطاء النحوية واللغوية التي من المفروض ألا يرتكبها التلاميذ فضلا عن الأساتذة ،فما بالك بالمفتشين الممتازين ؟؟

وكي لا يبقى كلامي معلقا في الفضاء ،سأتناول نماذج من هذه الأخطاء المعرفية .وأقول (معرفية )لأنها يستحيل أن تكون مطبعية.ثم إن التخفي وراء الأخطاء المطبعية لم يعد مبررا مقبولا في زماننا حيث تطورت وسائل الرقن .

حين فتحت كتاب (الرائد في اللغة العربية )لمستوى السنة أولى ثانوي إعدادي ،للمرة الأولى لما تقرر تدريسه في جهتنا ،شعرت بهيبة وأنا أقرأ أسماء وصفات أعضاء اللجنة التي أشرفت على إنجازه.وعدد أعضاء هذه اللجنة :ثمانية :(أربعة أساتذة ،وأربعة مفتشين) تبعث الصفات التي يحملونها الرعشة في أوصال أستاذ ضعيف مثلي ،ولكن تلك الهيبة سرعان ما زالت عندما وقعت عيني على تلك الأخطاء الفظيعة .ولقد انتظرت طويلا أن يسحب الكتاب ويعاد طبعه ،ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ،وما زال الكتاب يتداول بين الأساتذة والتلاميذ !

لندع الأخطاء المنهجية جانبا ،ولا داعي لأن نتحدث عن النصوص التافهة والفارغة المحتوى التي تم اختيارها ،ولا داعي لأن نتحدث عن بعض التمارين والأسئلة التي تتعامل مع تلميذ في السنة الأولى إعدادي كأنه تلميذ في السنة الثانية أو الثالثة ابتدائي ،وأقسم إن كثيرا من التلاميذ صرحوا لي بذلك .لندع هذا كله ولنكتف بالأخطاء النحوية التي لن نختلف حولها :

في الصفحة (65)من كتاب :(الرائد في اللغة العربية ،لمستوى السنة الأولى ثانوي إعدادي)يقول السؤال الرابع من فقرة (أرصد وأحلل):مثل بمثالين لأسلوب النهي من النص .

والنص المقصود يوجد في الصفحة (64)بعنوان :أيها الطفل العزيز .

لنتساءل أولا :ما هو أسلوب النهي ؟

النهي هو طلب ترك فعل الشيء على وجه الإلزام .وأداة النهي هي (لا )الموضوعة لطلب الترك ،وتختص بالدخول على الفعل المضارع ،وتقتضي جزمه واستقباله.

إذا رجعنا إلى النص موضوع الدرس ،لن نجد أسلوبا للنهي على الصفة التي ذكرناها .وإنما سنجد الأساليب التالية : ( لا يجوز لك تعذيب غيرك –لا يجوز لأحد أن ينتزعه منك-لا يحق لأحد أن يستعبدك-لا يحق لأحد أن يعذبك)

فهل هذه أساليب نهي ؟إنها ليست كذلك ،فلو كانت (لا )فيها ناهية ،لجاء الفعل بعدها مجزوما .ولكننا نلاحظ أن الأفعال المضارعة بعدها مرفوعة ،مما يعني أن (لا)في هذه الأمثلة للنفي وليست للنهي .وفرق كبير بين النفي والنهي .فالأول خبر والثاني إنشاء ،والنهي كما سبق وذكرنا هو طلب ترك فعل الشيء على وجه الإلزام،أما النفي فهو إعلام بانتفاء الخبر .ولنوضح ذلك ؟نأخذ العبارة التالية:(لا يجـوز لك تعذيـب غيرك )فإن مضمونها الإعلام فقط بأن تعذيب الآخرين غير جائز .وقد يستفاد منها التوجيه والإرشاد لأن الأساليب العربية ينوب بعضها عن بعض في أداء المعنى .فالاستفهام مثلا يؤدي أحيانا معنى النفي أو التوبيخ أو الإنكار ...ولكن هذا لا يخرجه عن مسماه وإنما يبقى أسلوب استفهام ،ويقال توضيحا :استفهام خارج عن مقتضى الظاهر إلى معنى التوبيخ أو الإنكار...بحسب المعنى الذي يستفاد منه .فإذا أردنا أن تدل العبارة السابقة على النهي المباشر ،فإن المفروض أن يقال: ( لا تعذب غيرك )فتكون( لا ) حـرف نهي جازم .والسكون علامة جزم ظاهرة في آخر الفعل المضارع (تعذب ).

فهل مازال الأساتذة الأجلاء يخلطون بين النفي والنهي ؟

وجاء في الصفحة (122)من المقرر نفسه ،في فقرة (أستنتج وأركب ) ما يلي :

-يكون الضمير المستتر في محل رفع دائما (باعتباره فاعلا )

-يقدر الضمير المستتر ...في الأمر بـ (أنـتِ )للمؤنث .

وتعقيبا على هذين الاستنتاجين أقول :

صحيح أن الضمير المستتر يكون في محل رفع دائما .ولكنه لا يكون فاعلا في كل الأحوال ،فإنه كثيرا ما يقع اسم (كان ) أو إحدى أخواتها .كما في قول الشاعر مثلا :

كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب

فإن اسم كان في هذا البيت ضمير مستتر وجوبا تقديره (أنت ).وبالتالي فلا يكون الضمير المستتر دائما فاعلا .

وأما بخصوص الاستنتاج الثاني المتعلق بتقدير الضمير،فإني أتساءل أولا :

متى يقدر الضمير ؟والجواب أن ذلك لا يصح إلا إذا كان الضمير مستترا .وأما الضمير البارز فلا يصح تقديره .فليس معقولا أن يتم تقدير ما كان موجودا كتابة ونطقا !

فهل الضمير في فعل الأمر المسند إلى المخاطبة مستتر أم بارز ؟؟

لنأخذ مثالا على ذلك بيتا من معلقة امرئ القيس الشهيرة :

وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

فعل الأمر المسند إلى المخاطبة هو (سلي )وبناء على الاستنتاج المقدم للتلاميذ ،فإن الفاعل ضمير مستتر يقدر ب (أنـتِ) .وهذا خطأ .لأن الضمير في هذا الفعل(سلي) بارز لا يحتاج إلى تقدير .فالياء المتصلة بالفعل ضمير متصل في محل رفع فاعل .وكذا الشأن بالنسبة لكل فعل أمر مسند إلى المخاطبة .وهذا من الأخطاء التي وقعت في المقرر القديم الذي كان موحدا آنذاك ،وانتظرنا أن يتم تصحيحه ،ولكن للأسف جاء المقرر الجديد ليحمل أوزاره وأوزارا مع أوزاره .

وفي الصفحة (123)من المقرر نفسه،يقول السؤال الثالث من فقرة (أتمرن وأطبق ):

- قدر الضمير المستتر في الجمل التالية :( ...شَارَكْنا في المباراة ...فكروا في واجباتكم )

فالمطلوب هو تقدير الضمير المستتر،لكن الضمير في العبارتين السابقتين بارز وهو (نا) الدالة على جماعة المتكلمين الفاعلين في المثال الأول ،و واو الجماعة في المثال الثاني .فأي ضمير مستتر سيقدره التلميذ في هذه الأمثلة ؟.والحاصل أن كثيرا من الأساتذة لم ينتبهوا إلى هذا الخطإ الشنيع ‘فقدروا الضمير في (شَارَكْنا ) بـ(نحن )و قدروا الضمير في (فكروا )بـ (أنتم ).مع أن الضمير في المثالين بارز ولا يحتاج إلى تقدير .

وفي الصفحة (167)من المقرر نفسه:درس بعنوان :(المبتدأ والخبر وتطابقهما).نجد في فقرة (أقرأ وألاحظ)

التركيب التالي : (أخبار مدهشة وأخبار مدهشات).والمطلوب من التلميذ أن يستخرج من هذا التركيب المبتدأ والخبر .بل إن في الصفحة الموالية توضيحا .حيث اعتبر السادة الأساتذة كلمة (أخبار)مبتدأً،وكلمة (مدهشة/مدهشات)خبرا!!عرضت هذا المثال على التلاميذ لأختبرهم،فانتبهت تلميذة إلى أن الكلمتين معا لا تشكلان جملة،وإنما تربطهما علاقة صفة بموصوف.فعجبت كيف تنتبه تلميذة لذلك ويغفل عنه المفتشون الممتازون؟.هل يصح اعتبار كلمة (أخبار)مبتدأً؟؟ألا يحفظ اللأساتذة الكرام قول ابن مالك:

ولا يسوغ الابتداء بالنكرة مالم تفد كعند زيد نمرة

ألا يعرفون أن المبتدأ لا يكون نكرة إلا في حالات معدودة لا تنطبق أي منها على المثال موضوع الدرس؟؟

هذه نماذج قليلة من تلك الأخطاء البشعة ،وهي لا تقتصر على كتاب الرائد ،بل تتعداه إلى غيره من مقررات اللغة العربية.وحتى لا أطيل في إحصاء الأخطاء ،أختم بالتساؤلات التالية :

- إذا كان المفتشون الممتازون الذين تناط بهم مسؤولية وضع المـقررات الدراسية يخطئون بمثل هذه البشاعة ،فماذا ينتظر من المتعلمين ؟

-لو وقعت مثل هذه الأخطاء في مقرر من مقررات الفرنسية ،هل كانت ستقابل بمثل هذه اللامبالاة ؟

-أليس من حقنا بعد هذا كله أن نشك أن اللغة العربية مستهدفة ،وأنها تعامل بشكل مهين ؟؟.

أبو عدنان ميلود الجملي

أستاذ اللغة العربية
abo3adnan7@hotmail.com
http://jamali.maktooblog.com

مشاركات القراء:

التعليقات

شكرا جزيلا لهذه الملاحظات الهامة. و يا ليث أن كل أساتذة اللغة كانوا يشبهونك في التدقيق في الكتب و المقررات.

في بلدان اخرى ، مثل هذه الأخطاء يمكن أن تسبب استقالة الوزير

أحييك يا أبا عدنان على حسك اللغوي والنقدي المرهف ، وعلى عشقك الجميل للغة الضاد ، وإلمامك الفائق بعلومها وفنونها . من المضجكات المبكيات أن ينتبه المتعلمون الى أخطاء مدرجة في كتاب مدرسي سهر على تأليفه وتدقيقه نخبة من المفتشين الممتازين! . هزلت ورب الكعبة !!

ماذا تركوا لأخطاء الناس العاديين ؟

السلام عليكم
اذا كان بالامكان لدينا بعض الابداعات في مجال الشعر و نريد نشرها بموقعكم

يال الروعة الجمل كتاب يضم أحسن المواضيع واجملها

لفبقاغفغافافغثاعثفغقاغفا

c'est bizarre car des grands profs font cettes erreurs banals quesque vont faire les eléves

vra5+ent