تزايد الإهتمام بالدارجة المغربية

المقال التالي كتبه جلال الحكماوي في جريدة الشرق الأوسط، عدد 21 مارس ،2007 لكن موضوعه لا يزال حديث الساعة في المغرب:

بدأت تظهر في المغرب منذ بضع سنوات أسئلة تقض مضجع النخب المجتمعية. وهذه الأسئلة حطبها اللغة. كيف يفكر المغاربة اليوم في لغات تواصلهم؟ خطوة قد تبدو غير محمودة في سياق فكري اختلطت فيه أوراق السياسة اللغوية في بعض بلدان الغرب الإسلامي. كثر المدافعون إذن عن المغربية الدارجة، لأن الفصحى لا تقوم بالمطلوب منها في معمعان الحياة اليومية التي تلزمها الخفة والروح والارتجال. فما صحة هذه الأفكار، وكيف يمكن لنا أن نفهم ظواهر سياسية وثقافية عاشتها بعض دول المشرق العربي في الماضي وعدنا نعيشها نحن في بداية الألفية الثالثة في المغرب؟. لنفكر قليلا فيما يدور ويجري، متذكرين قولة المغاربة الشهيرة: «إذا كنت في المغرب فلا تستغرب!».

كان النقاش حول العربية المغربية أحد محاور معرض الكتاب الذي نظمته السفارة الفرنسية بمدينة طنجة خلال الشهر الماضي، إذ عقدت مائدة مستديرة ، وعرضت أفلام مغربية باللغة الدارجة. وهذا الاهتمام ليس جديدا على الفرنسيين الذين استثمروا أخيرا مع بعض وسائل الإعلام المغربية الناطقة بالفرنسية في هذا الميدان. لكن اللساني المغربي المعروف عبد القادر الفاسي الفهري قال في برنامج تلفزيوني أذيع أخيرا إن الماريشال ليوطي، الحاكم العام للمغرب أثناء الاستعمار الفرنسي، هو أول من كتب دفاعا عن الدارجة بغية إحلالها محل الفصحى. وبعيدا عن نظرية المؤامرة سننصت لما يعتمل في أحشاء المجتمع اللغوي المغربي هذه الأيام. يقول عزيز ذكي، الناقد التشكيلي وأستاذ الفرنسية بجامعة الجديدة: «أعتبر اللغة الدارجة لغة مكتملة السيادة. فمن غير المنطقي أن نكتب بلغة لا تتطور كالفصحى. إننا كمغاربة نعيش في شيزوفرينيا، نحيا في لغة ونكتب بأخرى، ويمكننا أن ندرس بالدارجة الاقتصاد والمعلوماتية والأدب وأن نبدع بها في المسلسلات التلفزيونية والسينما ...» هذا الرأي لا يخص الأستاذ الناقد وحده، بل يشاركه فيه العديد من كتاب الفرنسية كيوسف أمين العلمي وغيره. بيد أن هذا الموقف يحتاج إلى تمحيص.

يقول اللساني عبد المجيد جحفة: «وسائل إعلامنا تتكلم العديد من اللغات. يتم هذا في إطار من الفوضى العارمة، وسوء الفهم والخلط والسطحية. وقد تفاقمت هذه المشكلة بعد «تحرير القطاع السمعي البصري»، والذي يمكن أن نسميه، فيما يخص الجانب اللغوي تحديدا، «تسييب القطاع» (من السيبة)». يضع جحفة أصبعه على مكمن الداء. فهذا الخطاب صار قويا في المغرب بعد أن دخل المجال السمعي البصري. وأصبحنا نرى ونسمع أصحاب هذه الإذاعات يفتخرون، وهم في الغالب من الفرنكوفونيين، بأنهم يتواصلون مع ملايين الجماهير المغربية. نقف هنا على كلمة السر: التواصل. بيد أن هذا التواصل يتم بماذا ؟ وبأي مضامين معرفية ؟ ثم يتوجه لمن؟ يسعفنا هنا الفاسي الفهري لتوضيح الواضحات: «إذا اكتفت العربية المغربية بالتواصل فهذا يعني أنها تتوجه للأميين. فاللغة لا يمكنها أن تكتفي بالتواصل، لأنها تتمتع بوظائف أخرى تجعل منها منظومة لغوية ذات مضامين فكرية ومعرفية مختلفة». بهذا التوضيح نضع السؤال البدهي: «هل العربية المغربية لغة؟ لا. فلتصير كذلك يلزمها التاريخ، والجسد والعلم، ثم المعارف.»

يضيف في هذا السياق عبد المجيد جحفة: «هناك أناس يدافعون عن العربية المغربية بالفرنسيةّ! لتحل محل العربية وليس محل الفرنسية؛ يدافعون عنها لتقوم بوظائف العربية. والواقع أن الدارجة لا يمكن أن تقوم بوظائف العربية، نظرا لأن العربية مكتوبة والدارجة شفوية، وليس لها تمثيل كتابي. وهذا التمثيل الكتابي (أو الكتابة، وهي قواعد ولغة أيضا) هو الذي من شأنه أن يمكنها من لعب وظائف اللغات المكتوبة في الانتاج الثقافي عموما».

قضية العربية المغربية يطرحها أصحابها طرحا مغلوطا، وذلك لغرض في نفس ليوطي. فهم يضعونها وجها لوجه مع اللغة العربية وينسون أن الدارجة وليدة العربية الفصحى. وفي هذه المقابلة المغرضة تخرج اللغة الفرنسية كالشعرة من العجين، أي أنها تعامل كلغة وطنية وليس لغة أجنبيةّ! وهذا هو العجب العجاب الذي جعل المغاربة يبتكرون جملتهم السحرية: «إذا كنت في المغرب، فلا تستغرب» غير أننا سنكسر هذا القانون ونستغرب. ونزيد استغرابا بتقديم مثال تلك الفنانة الأميركية إلينا التي استقرت منذ سنوات في طنجة ونصبت نفسها «مناضلة» من أجل الدارجة المغربية، فأسست دارا للنشر أطلقت عليها إسم «خبار بلادنا». وهو نفس الاسم الذي تحمله الجريدة المجانية التي تصدرها الدار وتتضمن أيضا صفحات بالأمازيغية الريفية والسوسية والشلحة، وهدفها «تشجيع الرغبة في القراءة عند الناس العاديين وتعليمها إياهم بأسلوب سهل وممتع حتى يتمكنوا لاحقا من تعلم أي لغة أخرى». كما تعاونت إلينا برينتس مع كتاب مغاربة يكتبون بالفرنسية كالروائي يوسف أمين العلمي الذي أصدر عندها رواية «تقرقيب الناب» (ثرثرة) بالعربية المغربية. لكن هذه التجربة توقفت نهائيا بعد فشل صاحبتها في إدخال المغاربة العاديين إلى جنة القراءة والكتابة. ومعنى ذلك أن الإنسان الأمي لا يقرأ ولن ينتظر أن يقرأ له المتعلم «أخبار بلادنا»، لأن المتعلم يقرأ في الغالب الصحف المكتوبة بالعربية.

ولدت هذه الوضعية اللغوية الملتبسة مناخا غير صحي في علاقة المغاربة بلغتهم الوطنية، أي العربية. كيف؟ أصبح الجميع يرى أن الدارجة هي الحل. لماذا ؟ الله أعلم. فما لا يفهمه المروجون لهذه الأطروحة هو أن خيوط اللعبة ليست في أيديهم.

يقول جحفة: «إن ما يقوم بوظائف العربية هو الفرنسية: التنازع قائم بين العربية والفرنسية، والدارجة لا تدخل في هذا التنازع. ولكي يستقيم هذا الخطاب، الذي لا يرى أن الفرنسية لغة أجنبية، وجبت مهاجمة اللغة العربية، وبخاصة تعبيريتها ووظيفتها داخل المجتمع. وينسى هؤلاء المدافعون أن هذا التصور هو السبب فيما تعانيه اللغة العربية من نقص وعجز على عدة مستويات».

وانطلاقا من هذا التصور صرنا نرى المغنين الشباب الذين يتحدثون في الغالب بالفرنسية التواصلية والعربية المغربية، يهاجمون لغة الضاد باعتبارها لغة ميتة. كما أن هؤلاء الشباب الذين يغنون الراب والريكى وموسيقى العالم، والذين يصدرون ألبوماتهم بدعم مجلات ناطقة بالفرنسية تبنت هذه الأطروحة، لا يدركون خطورة المشروع الذين هم بصدد الإسهام فيه، لأن النقد الراديكالي المؤسس على الجهل والأفكار الجاهزة قد يؤدي بالمغرب إلى الجدار. هذا الجدار الذي يبنيه بنشاط كتاب ومغنون وصحافيون وأناس عاديون، يعتقدون أن الحل هو الحرب الشاملة على الهوية المغربية. هذه الهوية التي تميزت منذ الأزل بتعدديتها وثرائها العربي الإسلامي والأمازيغي.

لذلك لا يفهم الكثير من المتتبعين لهذه القضية سياسة الحرب التي أعلنت على اللغة العربية عوض التفكير الرصين في حل إشكالية السياسة اللغوية في المغرب التي تتكامل فيها العربية الفصحى بالعربية المغربية, فأهل فاس لا يتكلمون كأهل الدار البيضاء وأهل وزّان حديثهم يختلف عن حديث أهل سلا. يدقق في هذا الأمر عبد المجيد جحفة مضيفا: «هناك جهل تام عند المدافعين عن العربية المغربية بالعديد من الأمور البديهية. وهي أمور ترتبط بالتمييز بين اللغة الوطنية واللغة الأجنبية، وبتعبيرية العربية المغربية ووظائفها، في مقابل تعبيرية العربية ووظائفها. يعتقد الكثير من الناس أنه يكفي أن نقرر وضع لغة مكان لغة أخرى لنحل مشاكل التواصل والتعبير التي قد تكون لغة معينة تعاني منها. والحال أن تبني لغة معينة يمر عبر إدراجها في التعليم، وهذا الأمر يتطلب عملا على بنية اللغة واستنباط النحو وتبني نظام للتمثيل الكتابي. ويتطلب الأمر، فوق كل هذا، إنتاجا إبداعيا وعلميا بهذه اللغة».

ربما لا تشعر النخبة الفرنكوفونية بجسامة هذا التصور الذي يهدف إلى القضاء على لغتها الوطنية. وأمام هذا الوضع المقلق للغة العربية التي لم تر أكاديميتها النور إلى حدود يومنا هذا رغم أنها من مقررات ميثاق التربية والتكوين الذي أعلنته أعلى سلطة في البلاد منذ سنوات، لا يسعنا إلا أن نستحضر أحد منظري الفرنكوفونية، وهو ميشال غيو الذي قال : "إذا كان الاشتراك في اللغة أساس كل تواصل، فإنه ينبغي جعل كل الوسائل الحديثة في خدمة هذا المجال (السمعي البصري). لقد ألححنا دائما على هذه النقطة: على الفرنكوفونية أن تحتل أكثر فأكثر الفضاء الإعلامي". كلمة السر: أبعد العربية الفصحى واستعمل الدارجة في الفضاء الإعلامي، تفسح الطريق السيار لفرنسة المغرب والمغاربة. أي تكمل حلم الماريشال ليوطي الذي حققه نسبيا. هل تعلمون ما هي حكمة ما يحدث الآن في المغرب؟: «إذا كنت في المغرب، فلا تستغرب!». والله أعلم.

كاتب المقال:

التعليقات

إذا استمرينا على هذه الحال فأظن أنه سيتم إدماج الدارجة في التعليم المغربي مكان العربية الفصحى .

لذا فأقترح إلى كل من يحمل مشروعا أو عملا إبداعيا أن يسهم فيه لغته و لغتنا هي العربية .

فإن ماتت العربية فقد كان هذا بسبب موت من تكلم بها وليس العكس .

صدقت والله ،فيما تقول ، أضحك الله سنك ،بل بدأ بعضهم ينادي بذلك ،جهارا نهارا، ولكنني أرى أن العربية لن تندثر، بل أراها بدأت تأخذ مكانها بين اللغات العالمية .لأن عدد الناطقين بها في نمو متزايد ،غير أننا في حاجة إلى جهود كبرى لغرس حبها في نفوس الناشئة ،ليحملوا المشعل، فهم أملنا، ولنحرص على تمكينهم منها بوسائل عدة ولننظرمثلا، ماذا فعلت بعض القنوات كجزيرة الأطفال وسبايس تون إذ مكنت الكثير من الأطفال من اللغة العربية الفصحى ،وألاحظ -أنا هنا في حضرة مقامي- العديد منهم، يتحدثون فيما بينهم بتعابير جميلة وراقية ، متأثرين بهاتين القناتين على الأقل، فكيف إذا تجند الكل مؤسسات وأفرادا، لخدمة اللغة العربية لغة الدين والوطن اللذان يجب أن نخدمهما بكل ما أوتينا من طاقة.
دمتم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله.

اللغة العربية نفسها كانت لغة شفوية قبل تعريب الدواوين في عهد عبد الملك بن مروان ولم تأخذ شكلها الحالي إلا مع ظهور الكتاب لسيبويه الفارسي في خلال القرن الثاني الهجري.

انا احب اللغة الفرنسية لهدا ليس لدي اي تعليق

انتم لا تعرفون سيئ في المادة اللغة الفرنسية

لقد لاحضت انهم في القناة الثانية بدؤوا في استعمال الدارجة في الربورطاجات
لكنهم ان شاء الله لن ينجحوا لان باستعمال الدارجة يزيدون الهوة الموجودة بين المناطق والجهات
فدارجة طنجة ليست كالدارالبيضاء ودارجة اسفي ليست كوجدة ووووووو
وستبقى العربية لغة المغرب

َarabe orgulloso يقول
(قد لاحضت انهم في القناة الثانية بدؤوا في استعمال الدارجة في الربورطاجات
لكنهم ان شاء الله لن ينجحوا لان باستعمال الدارجة يزيدون الهوة الموجودة بين المناطق والجهات
فدارجة طنجة ليست كالدارالبيضاء ودارجة اسفي ليست كوجدة ووووووو
وستبقى العربية لغة المغرب)

De quoi tu parles au juste?
Les linguistes ont étudié les différences et n'ont relevé que de minimes nuances quant aux parlés du Shamal et de l'oriental.

Ensuite ton argument n'est pas recevable, toi qui s'accroche à l'arabe, qui te comprends dans ce monde arabe? ne nous sommes pas obligé de parler egyptiens shami , arabe classique, anglais ou français pour communiquer avec ceux là même avec qui on partage la prétendu langue?

Ne penses tu pas que l'écart qu'on puisse trouver d'une région à une autre est plutot une richesse pour la langue à normaliser?

Venant à ce qui te dépasse: Ne penses tu pas qu'il est dommage et contreproductive d'avoir des intellectuelles et des débats publiques dans deux langues .. voire 3 .. des intellectuelles qui ne se lisent pas, qui ne communiquent pas et qui ne se connaissent pas .. comment veux tu qu'on mène ce débat de société au bout quand on est aussi brutalement scindé?

Comme veux tu qu'on soi nous même chez nous, envers nos amis d'orient et d'occident quand ceux là même et nous même ne nous voyons et constatons qu'à travers des prismes, arabophone pour certains, francophones pour d'autres et hisponophones pour le reste?

ça nous gonfle tous et ça me gonfle au même titre que vous. Je n'ai rien contre l'arabe classique .. mais force est de constater que c'est une langue que nous contrôlons pas .. nous pouvons pas l'enrichir pour qu'elle puisse suivre son époque .. Bin lâchons là elle est sacrée .. à nous le profane!

J'ai moi même, avec des camarades de classes de mon époque étudiante, voulu entamné l'initiative de traduire un recueil référence en matière de réseaux haut débit... mais pour qui allons nous le faire? mais pourquoi allons nous le faire?

J'ai fait le tour des publications scientifiques dans les pays du glof, PAS UNE SEULE EN ARABE

A quoi sert l'arabe classique alors?
A faire perdre du temps à nos enfants?

A produire un énième esprit rhétorique et poétique?

Ce n'est pas la rhétorique qui nous fera avancé!

Désolé pour l'initiateur de ce site .. j'aurais aimé ecrire en arabe .. mais cela allait me prendre une éternité!