الفرنكفونية ثقافة إقصائية

د. المصطفى تاج الدين - موقع هسبريس

سألني صاحبي ونحن نتابع برنامجا ثقافيا عن روائي مغربي مقيم بفرنسا قائلا: لماذا لم تذهب إلى فرنسا؟ لو فعلت لحققت شيئا ما مثل صاحبك، امتعضت قليلا من السؤال لأنني لم أفكر قط بالذهاب إلى فرنسا ولم تكن من محطات حلمي الكثيرة والتي لا تريد أن تنتهي. لم يكن شغفي باللغة الفرنسية كبيرا فقد تعلمت من أول أستاذ لي لهذه اللغة كيف أكرهها كما أكره تماما عصاه العنيفة والتي لم تجد ظهرا إلا ورسمت عليه بعضا من الذكرى، كنا نعرف بالضبط معنى اسمها العجيب : العباسية وهكذا كان الرجل يسمي عصاه. ازداد ابتعادي عن الفرنسية مع تطور الحلم القومي والنزوع الديني في شباب جيلي فأحببنا العربية وحنونا عليها وأعطيناها كل ما لدينا من اهتمام، ولم تكن رموز الفرنسية بالنسبة لنا لغة ثانية يجب تعلمها بل كانت رمزا للاستعمار ومثالا للتبعية. لم يكن هروبي من السفر إلى فرنسا سوى هروب من عقدة المستعمر والتي لا زالت ترافق أبناء جيلي إلى درجة أننا نفضل ركوب أي نوع من السيارات بشرط ألا تكون فرنسية الصنع. ربما أدى بنا شعورنا القومي المتضخم إلى التنكر لإيجابيات الاستعمار الفرنسي ولعبقرية اللغة الفرنسية، وربما كنا مبالغين في كراهية الثقافة الفرنكفونية ولكن كانت لدينا مبررات ذلك على أية حال.

فلقد تحولت الفرنكفونية إلى ثقافة شمولية totalitaire تهدف إلى الحلول محل الثقافة العربية ويظهر هذا في نوع السلوك الذي تنتجه النخبة الفرنكفونية بالمغرب بحيث أنها لم تع أنها بالتسليم للهيمنة الثقافية الفرنسية تكون قد ساهمت في دعم التصورات الإقصائية وإيديولوجيات الهيمنة. إن النخبة لا تتعامل مع اللغة الفرنسية بوصفها أداة للتواصل الحضاري ووسيلة للتعبير عن الرؤى الكونية المختلفة بحيث إذا تكلم الياباني والعربي والكولومبي والروسي الفرنسية انتجوا بالفرنسية تلك أنماطا من الخطاب المختلفة المنبعثة من صميم ثقافاتهم المختلفة وكم سيكون المنظر بشعا وسطحيا لو أنتج هؤلاء خطابا واحدا يعبر عن رؤية فرنسية للعالم حينها ستكون الفرنسية أداة لتسطيح العالم والقضاء على جماليات الاختلاف فيه.

إن السياسة اللغوية الفرنكوفونية تخطيء إذ تعجز عن وضع خطوط فاصلة بين نشر اللغة ونشر الثقافة، فاللغة أداة للتواصل ويمكن تحييدها ثقافيا أي أن الرمز اللغوي تابع للمتكلم به ومعبر عن تصوراته وهنا يمكن الحديث عن فرنسية ذات بعد ثقافي عربي وعن عربية ذات بعد ثقافي فرنسي فالأمر يتوقف على منظور المتكلم باللغة ومستعمل الرمز. وهنا بدأ الحديث في العالم الأنجلوفوني عن إنجليزيات مختلفة وليس عن إنجليزية واحدة. فقد لوحظ أن الهنود الآن يستعملون اللغة الإنجليزية بشكل مختلف نوعا ما عن اللغة الأم إن كان ثمة فعلا لغة إنجليزية أم. كما أن إسماعيل الفاروقي رحمه الله قد كتب كتابا طريفا عن الإنجليزية الإسلامية أي تلك اللغة التي تراعي القيم الثقافية الإسلامية حين الحديث بها. فقد أنتجت الهجرات العربية والإسلامية إلى الغرب واقعا لغويا جديدا يتميز بوجود أجيال نشأت هناك وتعلمت هناك ولغتها لغة القوم هناك وطبعا لا يمكن للمسلم أن يستعمل اللغة الإنجليزية كما يستعملها صاحب اللغة لأن التواصل اللغوي يخفي جزأ مهما من اعتقادات الناس وميولهم وقناعاتهم ومن المهم إذن تحميل اللغة المستعملة بقيم متكلمها الجديد وهو المتكلم المسلم.

والواقع أن العالم الأنجلوفوني قد نجح في الاعتراف بضرورة التنوع اللغوي داخل اللغة الإنجليزية ومن هنا نفسر التطور السريع لمادة اللغة الإنجليزية للأغراض الخاصة ESP وهي مادة علمية لسانية تهدف إلى تصميم المواد التعليمية اللغوية بناء على الاحتياجات الخاصة للمتعلم والمرتبطة بقيمه ونسقه الثقافي وظروفه المهنية، اما الفرنكوفونية فقد عجزت عن النجاح والسبب أن الفرنسيين يريدون منك أن تكون مثلهم لكي تتكلم الفرنسية وإذا كانت هناك لغات دينية بامتياز فإن الفرنسيين يريدون للغتهم أن تكون لغة العلمانية الشاملة وهو ما سيعيق انتشار الفرنسية في المستقبل.
***
د. المصطفى تاج الدين: أكاديمي مغربي وأستاذ اللغة الإنجليزية والتفكير النقدي

كاتب المقال: