الاستعمار اللغوي وتهجير العقول

محمد إدريسلفي عام ٢٠٠٦ أصدرت فرنسا قانونا جديدا للهجرة يشجع ذوي الكفاءات على القدوم إلى فرنسا والعمل فيها، مما حدا ببعض الدول الأفريقية إلى الاعتراض على هذا القانون باعتبارأنه سوف يؤدي إلى تهجير أفضل الخريجين الأفارقة إلى فرنسا بالرغم من حاجة بلدانهم الماسة إليهم. وقد انتقد الرئيس السنغالي القانون الفرنسي قائلا: "سأكون في بلدي كوادر لتطوير الاقتصاد الفرنسي، إن ذلك لأمر عبثي". فما الصلة بين قانون تصدره فرنسا على الصعيد المحلي ورد فعل دولة مثل السنغال؟

الجواب يكمن في اللغة الفرنسية التي تستخدمها السنغال والعديد من الدول الأفريقية الفرنكفونية في التعليم. والحال ينطبق أيضا على الدول التي تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس. ويلخص أحد الكتاب الغانيين المشكلة بقوله: "إنه لمن السذاجة أن نطالب خريجينا وعلمائنا بالبقاء في بلدنا الفقير إذا كنا نلقنهم علوما لا يمكن تطبيقها إلا في الخارج".

هنا يتضح لنا جليا أحد أخطار التعليم باللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية واللتان تستخدمان في دول يفصلها عنا نحن أبناء البلاد العربية بون شاسع من ناحية التطور. فاستخدام تلك اللغات يسمح لدول مثل فرنسا وأمريكا أن تنتقي أفضل الطلاب الذين درسوا أحدث العلوم التي يصعب تطبيقها في بلادنا المتخلفة، إذ أن هؤلاء الطلاب يدخلون ما يكمن وصفه بالتصفيات التي يتنافسون فيها على حذق ما يصفه كثير من معارضي التعريب بأحدث ما وصل إليه العلم الحديث، فما إن يفرغوا من ذلك فإنهم يجدون أن دولهم ليس بها مجال لتطبيق أحدث العلوم، فيهاجرون وهم الصفوة إلى الخارج غير ملومين مخلفين ورائهم زملائهم من ذوي المستوى الضعيف أو المتوسط. وقد يبقى البعض من تلك الصفوة في بلده، ولكن فؤاده وحياته كثيرا ما يكونان متعلقين ببلد اللغة التي درس بها علومه، فيكون الجسد في واد والعقل والقلب في واد آخر. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة ازدياد الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لا تضييقها كما يدعي معارضو التعريب.

ولا أزعم هنا أن اللغة هي العامل الوحيد الذي يؤدي إلى تهجير العقول، ولكنها أحد أهم أدوات الغزو الثقافي الذي تساهم فيه مراكز مثل المجلس الثقافي البريطاني ومنظمات كالفرنكفونية. وذلك لأن إتقاننا للغة أجنبية يمكننا من التعرف على الدولة أو الدول المتحدثة بها دون حجاب الترجمة أو مقص الرقيب، فيكون الانبهار بالآخر وتمجيد إنجازاته في أوجهما، ويقع في النفس شبه يقين أننا لا طاقة لنا بمثل تلك الإنجازات، فنقعد ونتكاسل أو نجتهد لنهاجر.

ولذا فإن التعريب الشامل للحياة العامة والتعليم والتعاملات التجارية، وخصوصا المحلية منها، سوف يحد من الاستعمار اللغوي الذي يساهم في تهجير أفضل طلاب العلم والعلماء لدينا إلى دول تمر بمرحلة حضارية تفرز احتياجات وتطبيقات علمية ليست ذات صلة بالمرحلة التي نحن فيها أبناء العربية في هذا العصر. فحري بنا أن نحدد احتياجاتنا ومن ثم نعمل على تلبيتها بالعلوم التي تخدمنا أولا قبل أن تخدم غيرنا.

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

الفرنكوفونية استعمار أم استخراب؟

د. عمر النمري(*)

· تمهيد: اللغة والثقافة والهوية:

أردت أن أمهد للحديث عن الفرنكوفونية ببيان العلاقة الوطيدة بين اللغة والثقافة والهوية؛ ذلك أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب والتواصل فحسب؛ بل هي أداة لنقل الثقافة، ووعاء لجميع ما تشمله هذه الثقافة من تقاليد وأعراف وعادات، وعقائد وتصورات، وقيم ومناهج للحياة، وطرق للتفكير، وأساليب للتعبير؛ فاللغة بهذا المعنى وعاء للثقافة والتاريخ، والمشاعر والأحاسيس، وهي الأداة الأساسية في عملية التطبيع والتنشئة الاجتماعية التي يتم في ضوئها بناء الفرد وإعداده بما يتلاءم وتاريخه، وانتماءه، وواقعه، ومستقبله. فاللغة إذاً ذات علاقة وثيقة بالثقافة، والثقافة ذات رباط متين بالهوية والشخصية الوطنية؛ ومن فقد لغته فقد هويته وتاريخه، وتعثر في بناء مستقبله. ويتأثر الفرد باللغة التى يتكلمها ويتواصل بها أبلغ تأثير، ويمتد هذا التأثير ليشمل تفكيره وتصوراته وعقائده، ومشاعره وعواطفه، وسلوكه وإرادته وجميع تصرفاته. ولقد وعت فرنسا هذه الحقيقة وعملت بمقتضاها في غزوها وبغيها على دول المغرب العربي الإسلامي وغيره من المستعمرات الفرنسية، كما يحلو لهم تسميتها، وكلمة «الاستعمار» تحمل في ثناياها معنى الخير وإرادة الإعمار؛ وكأنما هذه الدول التي غزتها فرنسا وبغت عليها في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إنما كانت تعيش في ظلام دامس، وجهل مطبق، وفراغ ثقافي، وتخلف حضاري كثيف، وإنما بغت فرنسا عليها بغية تحضيرها وتثقيفها ورفع التخلف عنها؛ ويؤشر ذلك على احتقار فرنسا لثقافات وحضارات الشعوب المستعمرة والحط من قيمتها، ووسمها بالدونية، والتخلف؛ في مقابل شعورها بالاستعلاء، والتفوق، والرغبة في نفي الحضارات الأخرى. ولما كانت اللغة هي أداة الثقافة والحضاره، وعنوان التمدن والعمران كان لزاماً على هذه الدول المستعمرة ـ في نظر فرنسا ـ أن تتخلى عن لغتها وثقافتها وتتعلم لغة المستعمِر وتتشرب ثقافته. ولما كانت الثورة الفرنسية إنما قامت على أساس استبعاد الدين ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية، بما حقق لفرنسا التقدم والرقي كان لزاماً على هذه الدول أيضا أن تتخلى عن دينها (إسلامها) حتى ترقى في سلم المدنية، وتنعم بإنجازات الحضارة الحديثة؛ ومن مستلزمات هذا وذاك أن تتخلى عن لغتها الأصلية أي عن دينها وثقافتها الوطنية. وهكذا فقد شكلت اللغة، والدين، والهوية: الشخصية والوطنية، أهم المستهدفات لبرامج فرنسا الاستعمارية في الدول المغاربية وغيرها من المستعمرات الفرنسية. وهذا ما سيتضح للقارئ الكريم جلياً في ثنايا الحديث عن الفرنكوفونية إن شاء الله.

فهل صدقت فرنسا في دعواها إرادة الخير للشعوب المستعمرة، ورفع التخلف عنها، أم أنها كانت تخفي وراء ذلك أهدافاً سياسية واقتصادية واستراتيجية «استخرابية»؟

· نشأة الفرنكفونية:

«يعتبر «أونيسيم ريكلوس» (Onesime Reclus) الجيولوجي الفرنسي أول من نحت مصطلح «الفرنكوفونية» وذلك في العقد الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي. ثم أتى عليه حين من الدهر ظل خلاله مغموراً إلى أن ظهر من جديد على الساحة السياسية وذلك سنة 1962 على يد أشد الزعماء الأفارقة تحمساً للفكر الفرانكفوني وهو الرئيس السنغالي «ليوبولد سنغور». غير أن الحركة الفرنكوفونية عرفت انطلاقتها الحقيقية غداة استقلال الدول الإفريقية التي كانت تحت السيطرة الفرنسية؛ إذ ظهرت مع بداية الستينيات كثير من المنظمات الفرنسية الإفريقية الهادفة إلى تقوية العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الطرفين. وليس غريباً أن يعمل كثير من الزعماء السياسيين آنذاك مثل الرئيس التونسي «الحبيب بورقيبة» والسنغالي «سنغور» والنيجيري «حماني ديوري» على الدعوة إلى الفرنكوفونية بمباركة خفية من وزارة الخارجية للدولة الفرنسية»(1).

ويعتبر الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الأب الروحي والمؤسس الحقيقي للفرانكفونية؛ وقد تحدث بورقيبة عن ذلك مفتخراً، في معرض حديثه عن تاريخه ومسيرته الشخصية؛ فقال في لقاء صحفي له مع إحدى الصحف الفرنسية: «إن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عموماً ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة... ونحن نتجه اليوم من جديد إلى فرنسا. إنني أنا الذي تزعمت الحركة المنادية بالفرنكوفونية؛ فالرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الأقطار الإفريقية أمتن من روابط المناخ أو الجغرافيا». وقال في مقابلة أخرى له مع صحيفة ـ ليفيغارو ـ: «... إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله، متضامنون بصورة أخص مع فرنسا. وتدعيم الروابط مع فرنسا وبصورة أخص في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرنكوفونية تولدت هنا»(2).

هكذا يفتخر بورقيبة بلغته الفرنسية وأساتذته الفرنسيين وثقافته الفرنسية وبحبه ووفائه لفرنسا الذي دفعه إلى رد الجميل بتزعم حركة الفرنكوفونية وتأسيس رابطة الشعوب الناطقة بالفرنسية.

وقد عرفت الفرنكوفونية تكيفات عدة في صورة: بعثات، وجمعيات، واتحادات، ومجالس عالمية، ومعاهد، وكليات، وجامعات، ومؤتمرات وقمم؛ توجت بإيجاد أمانة عامة للفرانكفونية، وتعيين ناطق رسمي سياسي وممثل لها على الصعيد الدولي، وإنشاء الوكالة الفرنكوفونية العامة(3).

· تطور الفرنكوفونية:

إن المتتبع للتطورات التى مرت بها الفرنكوفونية يستطيع أن يلمح بوضوح وجود طورين أساسيين للفرانكفونية: يتمثل الطور الأول في «الاستعمار القديم»؛ بينما يمثل الطور الثاني «الاستعمار الحديث» في غمرة الصراع بين عمالقة العالم القديم والمتجدد، وبيان ذلك على النحو الآتي:

ü طور الاستعمار القديم:

لا شك عندي في أن الفرنكوفونية إنما استهدفت تنحية اللغة العربية ومن ثم استبعاد الثقافة الأصلية للشعوب المستعمــرة؛ لا بل استبعاد الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لهذه الشعوب؛ ولا سيما أن أغلب الشعوب الإفريقية تدين بالإسلام وتنتسب إلى الحضارة الإسلامية؛ وذلك بهدف إحلال الفرنسية محلها وتحقيق الإلحاق الثقافي والحضاري، لا بل الإلحاق الجعرافي أيضاً كعزمهم السابق على إلحاق الجزائر بالقطر الفرنسي؛ وهذه بعض الشواهد:

1 - أرسل أول وأبرز المقيمين العامين، الجنرال ليوطي دوريته الشهرية ( تاريخ 16/6/1921) إلى ضباط المخابرات ورؤساء المناطق العسكرية والمدنية المغربية، ومما جاء فيها: «ليس علينا أن نعلِّم العربية لمجموعات من الناس استغنوا عنها دائماً (في إشارة إلى البربر). إن العربية عنصر أسلمة لكونها لغة القرآن؛ أما مصلحتنا فتفرض علينا أن نجعل البربر يتطورون خارج إطار الإسلام. ومن الوجهة اللسانية علينا أن ننزع إلى المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية، ولهذا نحتاج إلى عارفين بالبربرية، ويتوجب على ضباط مخابراتنا أن ينكبُّوا بعزم على دراسة اللهجات البربرية. كما يلزم خلق مدارس فرنكو ـ بربرية حيث نعلم الفرنسية للبربر الشباب»(4).

2 - وقد عبر عن هذه السياسة نفسها المستشرق ديمونبين بقوله: «إنه من الخطر بالفعل أن نسمح بتكون كتلة متراصة من السكان الأصليين تكون اللغة والمؤسسات فيها موحدة. علينا أن نتبنى لحسابنا المقولة المتبعة سابقاً من طرف المخزن (الدولة المغربية): «فَرِّقْ تَسُدْ». إن وجود العنصر البربري لهو قوة نافعة مضادة للعنصر العربي يمكننا استغلاله أمام المخزن»(5).

3 - ويقول بول مارتي في كتابه: «مغرب الغد» ص 338: «.. إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد، متعمدين، كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام»(6).

4 - وبخصوص الجزائر يقول دي روفيكو: «إني أنظر إلى نشر تعليمنا ولغتنا كأنجع وسيلة لجعل سيطرتنا في هذا القطر (الجزائر) تتقدم في إحلال الفرنسية تدريجياً محل العربية؛ فالفرنسية تقدر على الانتشار بين السكان خصوصاً إذا أقبل الجيل الجديد على مدارسنا أفواجاً أفواجاً»(7).

فهل بعد هذه الشواهد من حجة لقائل بأن فرنسا إنما أرادت بتعليم الشعوب المستعمرة اللغة الفرنسية، ترقيتها حضارياً والنهوض بها من براثن التخلف والجهل؟

إن المحلل لهذه الشواهد، وغيرها كثير، ليلمس بوضوح أهداف «الاستخراب» الفرنسي لدول المغرب المتمثلة في: محو اللغة العربية، والقضاء على الإسلام في هذه الربوع، ومحو الهوية الثقافية لهذه الشعوب، والسعي إلى إلحاقها ثقافياً وحضارياً بالحضارة الفرنسية ـ إن كانت لفرنسا حضارة خاصة تميزها عن بقية الدول الغربية ـ تمهيداً لتحقيق المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لفرنسا في هذه البلدان؛ بل إن فرنسا والغرب عموماً لا يعترفون إلا بحضارة الرجل الأبيض «السوبرمان» الذي ينبغي أن يقود العالم وأن يخضعه لمصلحته الشخصية؛ ولا يمكن الاعتراف بالآخر المغاير، وبثقافته وحضارته إلا في هذه الحدود؛ أي حدود التبعية، والذيلية، والإلحاق الثقافي والحضاري. وقد عبر عن ذلك أحد الكتاب الغربيين بقوله: «بما أن الحضار الغربية تسعى للقضاء على غيرها من الحضارات؛ فإنه يمكننا نعتها بكونها (لا حضارة) ـ Decivilisation ـ إن الحضارة الغربية لا تقبل غيرها من الحضارات ولذا فهي تعمل جاهدة لتخريبها... إن الغرب عالم وحيد يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمة الوحيدة والحضارة الوحيدة؛ وكل ما يتعلق بالكثرة أو الإنسانية بمعنى الجمع والكثرة يعتبر محظوراً ومرفوضاً»(8).

· طور الاستعمار الحديث والمتجدد:

ويغطي هذا الطور سياسة فرنسا تجاه الدول المستقلة الناطقة بالفرنسية، ويركز على سياسة فرنسا التعليمية تجاه شعوب هذه الدول، وسياسة التبادل والتعاون الثقافي بين فرنسا وبين مستعمراتها القديمة. والمتتبع لأحداث هذا الطور يلحظ وجود نمطين في التعامل مع هذه الدول في ضوء السياسة الفرنساوية. يرجع النمط الأول إلى قرب عهدها بالحقبة الاستعمارية، ولا يعدو أن يكون امتداداً لسياستها في طور الاستعمار القديم؛ من حيث التركيز على فرنسة الشعوب المستقلة، وتنحية لغاتها الأصلية، وتعويضها باللسان الفرنسي، والسعي لإلحاقها حضارياً وثقافياً بالمشروع الحضاري الغربي؛ بينما يبرز النمط الثاني بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط القطب الروسي، واتجاه أمريكا إلى الانفراد بقيادة العالم، والسطو على مقدراته الاقتصادية، وصهره في بوتقة ثقافة أحادية عولمية متأمركة؛ وفيه تخفف فرنسا من غلوائها تجاه فَرنَسة الشعوب المستقلة، وترضى وتكتقي بأقدار من الفرنسة تضمن لها استمرارية ولاء النخب الفرنكوفونية الحاكمة، وتحقق لها جملة من المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية في هذه البلدان في غمرة الصراع على النفوذ ومواجهة العملاق الأنجلوفوني بقيادة أمريكا وبريطانيا.

· النمط الأول: استكمال سياسة الفرنسة:

يعبر هذا النمط عن نفسه في التدخلات السافرة لفرنسا في المشاريع والبرامج التعليمية للدول المستقلة عنها حديثاً في المغرب العربي، وحرصها على فرض هيمنة اللغة الفرنسية في المؤسسات التعليمية والإدارية والاجتماعية المختلفة، ولقد وجدت فرنسا في النخب الفرنكوفونية الحاكمة خير معين على تطبيق سياسة الفرنسة هذه؛ بحيث تحقق لها في عهد «الاستقلال» ما لم يتحقق لها في عهد «الاستعمار»، بل فاقه بكثير رغم الفارق الزمني بين العهدين (الجزائر : 1832 ـ 2691م، تونس: 1881 ـ 1955، المغرب: 1912 ـ 1956). وفيما يلي صورة مختصرة لما آل إليه الوضع في تونس كمثال: غلق جامع الزيتونة وتصفية التعليم العربي الديني: «امتزجت الزيتونة بتاريخ تونس، وحافظت على قيمتها الإسلامية العربية حتى أعطت طابعاً قومياً لتونس بتأثير إسلامي وعربي؛ فامتد شعاعها العلمي طوال القرون، وتضافرت الدول بتونس على الالتفاف حول هذا المعلم الثقافي العتيد عبر القرون؛ فما مرت حقبة إلا وقد أخذ في الازدهار رغم حالات الجزر والمد لكنه لم يفقد قيمته ومهمته.

وحين جاء الاستعمار الذي ابتلع السيادة التونسية بصورة جعلته ينوي أن تكون فرنسية لكنه تعذر عليه ابتلاعها لأن تكون كما أراد، وشَرِقَ بجامع الزيتونة فجعل محط نظره تضعيفه ليصبح أثراً بعد عين، ولكن الثقافة الزيتونية أخذت في الانتشار. وصعب على فرنسا القضاء عليه، بل وقف رجاله وقفة الأبطال فاسترجع جامع الزيتونة مكانته حتى إن عدد طلابه يوم إغلاقه في 28/4/1956 قدر بـ 27 ألفاً من الطلاب، موزعين على كامل البلاد، إضافة إلى فرعين آخرين بالقطر الجزائري الشقيق: أحدهما بقسنطينة والآخر بالجزائر العاصمة؛ لكن بورقيبة وأعوانه ادعوا أن عدد الطلاب قد تقلص 350 طالباً مما استوجب غلقه وتحويله إلى جامعة مختصة بالتعليم العالي سميت بـ «الجامعة الزيتونية" ثم ما لبثت أن تحولت إلى كلية سنة 1961 لتضم إلى الجامعة التونسية بمقتضى الأمـر عـدد: 110. وفي آخــر أيام الرئيــس الراحـل أبو رقيبة صارت معهداً تابعاً لكلية الآداب»(9).

وفي السابع من نوفمبر 1987 نزل بورقيبة من دفة الحكم على إثر انقلاب أبيض قاده رئيس الوزراء آنذاك الجنرال زين العابدين بن علي الذي ارتقى سدة عرش تونس، وأذاع بيانه رقم صفر على المجتمع التونسي مبشراً فيه بعهد جديد تصطلح فيه تونس مع هويتها ولغتها ودينها، ويستعيد فيه الزيتونة مجده ودوره الريادي في المجتمع؛ فانبرى بقايا علماء الزيتونة لهذه المهمة، ونفضوا الغبار عن دفاترهم وسجلاتهم، وتنادوا لاستئناف التعليم بجامع الزيتونة في 6/2/1988م.

وانتظمت الدوائر الإدارية المختلفة، واستقر التعليم كأحسن ما يكون، ولكن أيادي الغدر سرعان ما امتدت من جديد إلى جامع الزيتونة باقتحامه، وخلع أقفاله، والاستيلاء على سجلاته، وتجميد حسابه البنكي. ولم تُجْدِ العلماءَ مناشدتُهم واستغاثتُهم برئيس الدولة الذي نكص على عقبيه، وارتكس إلى عهد سلفه، وتراجع عما جاء في بيانه الأول الذي تعهد فيه بإعادة الاعتبار للزيتونة، واللغة العربية، والهوية الإسلامية بتونس، وبشر فيه بالتعددية السياسة، ورفع المظالم عن الناس. ولعله اكتشف بعبقريته أو بوسوسة بعض أعوانه من اليساريين والماركسيين واضعي خطه تجفيف الينابيع أن يكون في عودة التعليم الزيتوني سنداً قوياً لخصمه السياسي: حركة النهضة التونسية؛ فكان لزاماً عليه، في عرف السياسة أن يحرمها من هذا الرافد القوي. وهكذا أسدل الستار على التعليم الزيتوني مرة أخرى. «وعادت حليمة إلى عادتها القديمة».

أما على مستوى التعليم العام فقد عمدت الحكومة بتوجيه من فرنسا إلى اعتماد سياسة ازدواجية التعليم أي الجمع بين اللغة العربية والفرنسية في جميع المراحل التعليمية من الابتدائي حتى الجامعي مع تقليص عدد الحصص المخصصة للغة العربية كلما ارتفع مستوى الطالب. وحتى لا ألجأ إلى حشو مقالي هذا بالنقول والمقتبسات الكثيرة رأيت أن أتحدث عن تجربتي الشخصية في التعليم التونسي كشاهد على واقع الحال التي كانت ولا يزال عليها التعليم التونسي.

فأنا من مواليد عهد الاستقلال؛ حيث ولدت بعد الاستقلال والتحقت بالمدرسة الابتدائية في حدود 1962م. لا أتذكر كثيراً عن هذه المرحلة سوى أن التعليم كان مزدوجاً، وكانت اللغة الفرنسية تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به اللغة العربية، وكان المعلمون الذين درسونا في هذه المرحلة كلهم من التونسيين، وبعد حصولي على شهادة ختم المرحلة الابتدائية التحقت بالمرحلة الأولى من التعليم الثانوي (مرحلة المتوسط في الدول العربية الأخرى)؛ وتدوم ثلاث سنوات درست فيها المواد التالية: اللغة العربية، والتربية الإسلامية والوطنية، واللغة الفرنسية، والتاريخ، والجغرافيا، والعلوم، والرياضيات، والتربية الفنية، والتربية البدنية.

وإذا استثنينا اللغة العربية والتربية الإسلامية والوطنية؛ فإن بقية المواد كانت تدرس باللغة الفرنسية ومن طرف أساتذة فرنسيين في الأغلب.

تنتهي هذه المرحلة بتوجيه الطلبة إلى أحد الأقسام التالية: شعبة الآداب، أو شعبة العلوم والرياضيات، أو شعبة التقنية؛ ونظراً لميولي العلمية وتفوقي في مادتي الرياضيات والعلوم فقد تم توجيهي إلى شعبة العلوم والرياضيات حيث درست مواد المرحلة الأولى جميعها مع إضافة مادة الفيزياء والكيمياء، ومادة اللغة الإنجليزية كلغة حية، ومادة الفلسفة في السنة النهائية. وبانتقالي إلى السنة السابعة من التعليم الثانويي (الرابعة ثانوي في بقية الدول العربية أو الثانوية العامة) انقطعت صلتي باللغة العربية نظراً لحذف مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية والوطنية اللتين كانتا تدرسان باللغة العربية؛ انتقلت بعدها إلى الجامعة والتحقت بكلية الطب بسوسة حيث انقطعت صلتي باللغة العربية نهائياً نظراً لأن المواد كلها كانت تدرس باللغة الفرنسية. وهكذا كما ترى أيها القارئ الكريم فإن مواد المرحلة الثانوية جميعها باستثناء التربية الإسلامية والوطنية واللغة العربية بطبيعة الحال، كانت تدرس باللغة الفرنسية على أيدي أساتذة فرنسيين في الغالب؛ أضف إلى ذلك قصة المعامل أو الضارب، وهو عبارة عن رقم يسند لكل مادة من المواد حسب أهميتها العلمية أو الفكرية؛ حسب المشروع الفرنسي لفرنسة المجتمع التونسي؛ ويسند بمقتضاه رقم واحد فقط إلى مادة التربية الإسلامية بما يضعف أثرها في المعدل الكلي للمواد الذي يقرر في ضوئه نجاح التلميذ من عدمه؛ وهو ما يزهد الطلاب في هذه المادة فلا يقبلون على دراستها، بل ربما تغيبوا عنها لضعف أثرها في نجاح التلميذ؛ إضافة إلى أن بعض مدرسي مادة التربية الإسلامية كانوا من غير ذوي السيرة الحسنة والالتزام الخلقي؛ ولا أدري أكان ذلك سياسة أم مصادفة، ولا زلت أذكر أستاذ التربية الإسلامية حيث دخل علينا الفصل بعد غياب وقد حلقت رأسه على التمام فهي أشبه بثمرة اليقطين (القرعة باللهجة التونسية المحلية) وتبين بعد ذلك أنه قبض عليه مخموراً وقد حلقت رأسه لقيامه ببعض الأعمال المشينة أثناء سكره، ولا نعلم إلى اليوم أصحيح هذا على وجه الدقة أم لا؟ ولكن الرواية الوحيدة التي شاعت في ذلك الوقت هي هذه. وهذا أستاذ آخر لمادة التربية الإسلامية في المعهد نفسه ينهى الطالبات عن لبس الحجاب مشيراً إلى أن التقوى في القلب لا في المظهر.

ولقد ذكر الاستاذ الشيخ محمد الهادي الزمزمي في كتابه: «تونس: الإسلام الجريح» أن مادتي القانون الإسلامي والمواريث كانت تدرس للطلاب التونسيين بكلية الحقوق بتونس باللغة الفرنسية بواسطة عجوز فرنسية، والحال أنها لا تعرف علم المواريث الإسلامي أصلاً!! فكان أحد طلابها يعد لها المادة ويترجمها لها من العربية إلى الفرنسية لتؤدي المدرِّسة (النحريرة) وظيفتها العظيمة حين عقمت تونس المستقلة أن يكون فيها مدرِّسة مسلمة أو مدرِّس ينهض بهذه المهمة(10).

وفي إحدى الوثائق السرية الصادرة عن السفارة الفرنسية بتونس بخصوص وضع اللغة الفرنسية بالبلاد التونسية نجد ما نصه: «إن الفرنسية تدرس منذ السنة الثالثة من التعليم الابتدائي بمعدل عشر ساعات في الأسبوع خلال أربع سنوات من التعليم أي ما بين 8 إلى 11سنة، وبمعدل خمس ساعات في الأسبوع للسنوات الثلاث التالية، وفي المجموع فإن التلميذ التونسي يتلقى عند إنهائه للدراسة الأساسية ما مجموعه (1700) ساعة من اللغة الفرنسية؛ وإذا قارنا ذلك بتلميذ فرنسي الأصل فإن هذا الأخير لم يخصص لدراسة أول لغة حية، إضافة إلى لغة الأم إلا 270 ساعة فقط(11).

وهذا دون اعتبار الساعات المخصصة للمواد العلمية التي تدرس باللغة الفرنسية.

وكان من ثمرة هذه السياسة التعليمية أن حافظت تونس المستقلة على اللسان الفرنسي في جميع المؤسسات في البلاد التونسية بما فيها جميع الدوائر والمصالح العمومية وجميع الوزارات - عدا وزارتي العدل والداخلية ـ حيث تدون المقررات وتصدر المراسلات والمكاتبات باللغة الفرنسية.

هكذا كان الحال ـ إذاً ـ تعبيراً صريحاً وصارخاً عما عنونت له بـ «النمط الأول: استكمال سياسة الفرنسة»؛ فقد كشفت متابعة البرامج التعليمية عن ضلوع الحكومة التونسية في تنفيذ خطة فرنسا «الاستخرابية» في فرنسة المجتمع التونسي، ومحو هويته العربية والإسلامية لضمان استمرارية التبعية والتذيل والإلحاق الثقافي بفرنسا، وتحوطاً لما يمكن أن يؤدي إليه انتشار التعليم وانخفاض مستوى الأمية إلى النهوض من جديد وعلى أسس قومية ووطنية ضاربة في التاريخ بما يعني عودة المد الإسلامي واستقلالية القرار والانصهار في بوتقة العروبة والإسلام.

ولقد مثل مشروع «إصلاح التعليم» الذي قاده الوزير التونسي محمد الشرفي مثالاً صارخاً على تبني استكمال سياسة الفرنسة التي انتهجتها فرنسا إبان حملتها على تونس. ولقد تبين بالأدلة والبراهين مدى ارتباط مشروع إصلاح التعليم بالتخطيط، والدعم، والرعاية الكاملة من فرنسا كما كشفت عن ذلك الوثيقة السرية الصادرة عن سفارة فرنسا بتونس بخصوص واقع التعليم في تونس.

· النمط الثاني : سياسة الصراع على النفوذ والمطالبة بإحداث عالم متعدد الأقطاب في مواجهة القطب الأمريكي الأوحد:

ظهرت معالم هذا النمط بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط القطب الروسي، وانفراد أمريكا بقيادة العالم والسطو على مقدراته الاقتصادية، والسعي إلى صهره في بوتقة ثقافة أحادية عولمية متأمركة. وقد عبر عن هذا النموذج بوضوح الرئيس الفرنسي جاك شيراك في قمة (هانوي) التي شاركت فيها الدول الناطقة بالفرنسية حيث تحدث عن الفرنكوفونية باعتبارها «معطى جديداً على ساحة النظام العالمي الجديد، معبراً عن استياء فرنسا وعدد لا بأس به من الدول من الاستفراد الأمريكي بالقرارات المصيرية كافة وعلى الأصعدة كافة (مؤتمرات السلام، اتفاقية الغات، قمة الأرض، إلخ)، بعد سقوط الجبار الشيوعي وزوال الاتحاد السوفياتي»(12) وقد أكد هذا من قبله سلفه فرنسوا ميتران حين قال: «إن الفرنكوفونية ليست هي اللغة الفرنسية وحسب... إذا لم نتوصل إلى الاقتناع بأن الانتماء إلى العالم الفرانكفوني، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، يمثل إضافة، فإننا سنكون قد أخفقنا في العمل الذي بدأناه منذ عدة سنوات»(13) كما شدد ليونيل جوسبان على القول بأن العولمة «لا يمكن أن تعني التوحيد خلال جولته في أميركا اللاتينية». وأعلن أن العالم معقد جداً ويمكن أن ننظر إليه بطرق مختلفة جداً(14).

وقد أزاح مارتن بولار في مقاله: «فرنسا والطموح الثقافي ما وراء الحدود»(15) الستار عن تنازع اتجاهين بين المهتمين بسياسة فرنسا الخارجية تجاه الفرنكوفونية ونشر اللغة والثقافة الفرنسية في العالم. ينزع الاتجاه الأول (الراديكالي) إلى إعطاء الأولوية إلى البعد الثقافي التنويري، وبسط هيمنة اللغة الفرنسية على الشعوب المستعمرة سابقاً؛ بينما يجنح التيار الثاني (الليبرالي) إلى إعطاء الأولوية إلى البعد الاقتصادي، والترويج للغة الفرنسية كلغة حوار وتبادل ثقافي وتواصل بين دول المنظومة الفرنكوفونية بدل السعي إلى تنحية اللغات الأصلية لشعوب هذه الدول وإحلال اللغة الفرنسية محلها كما ينادي به أصحاب الاتجاه الأول. وقد تجلى هذا النزاع بوضوح في المناقشات الدائرة على المستوى الرسمي والمؤسساتي بين النخبة الفرنسية حول الوضع الراهن للمراكز الثقافية خارج فرنسا، ومدى أهميتها الثقافية، وحول الميزانيات المرصودة لها بين داع لرفع هذه الميزانيات ومناد بخفضها. وبدأنا نسمع عبارات من نوع: «إن صوت فرنسا لا يصدر فقط في اللغة الفرنسية»(16)، «وإذا ما أردنا أن تكون المراكز الثقافية جسراً بين فرنسا والدول التي توجد فيها هذه المراكز، يجب الابتعاد عن الثقافة المتحجرة حول أمجاد الماضي»، وأنه «يجب أن نعرض ثقافتنا المفتوحة على ثقافات الآخرين، وصورة فرنسا الفضولية والمتعددة الأعراق»(17).

ولقد ختم صاحب المقال المذكور مقاله بقوله: «ولكن عن أي فرنسا نتكلم؟... أهي فرنسا التي تتوق إلى قوتها الماضية والتي لا تتمكن من رفع رأسها أمام العملاق الأمريكي؟ أم على العكس هي فرنسا المتعددة، التي تستقبل بحفاوة الأجانب وثقافات الآخرين متشبثة بإحداث عولمة من نوع آخر؟ إن المطلوب بالإضافة إلى «شبكة الأحجار والإسمنت» التي ذكرنا (في إشارة إلى مراكز فرنسا الثقافية المنتشرة في أنحاء العالم)، شبكة ثقافات وأفكار»(18).

ومع هذا التحول في السياسة الفرنسية تجاه استراتيجيات الفرنكوفونية تحت ضغط الزحف الإنجلوسكسوني، وانخرام ميزان المعادلة الدولية لصالح الاستفراد الأمريكي بقيادة العالم؛ فينبغي ألاَّ يغيب عن ذهن القارئ الحصيف أن فرنسا شأنها شأن الولايات المتحدة الأمريكية في العمل بسياسة الكيل بمكيالين؛ إذ في الوقت الذي تطالب فيه فرنسا، في مواجهتها للهيمنة الأمريكية، بتعدد الثقافات وأن «العولمة لا يمكن أن تعني التوحيد» و «أن العالم معقد جداً ويمكن أن ينظر إليه بطرق مختلفة جداً» و «أنه لا بد من المطالبة بتنظيم جديد للعلاقات الدولية» يقف في وجه إرادة الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم الاقتصادية والانفراد بقيادته سياسياً. أقول: ينبغي ألا يغيب عن ذهن القارئ الحصيف أن فرنسا إنما تكيل بمكيال مناقض تماماً عندما تتحدث عن علاقاتها بمستعمراتها القديمة في منظومة الدول الفرنكوفونية، وحينها يصبح هناك مسوِّغ لبعث مشاريع للتعليم المزدوج في الدول المغاربية تحتل فيها اللغة الفرنسية موقع الصدارة، وتزاحم فيها اللغة الأصلية للشعوب المغاربية، وربما عملت على تنحيتها لتحل محلها، «هذا في الوقت الذي رفض فيه الرئيس جاك شيراك في يونيو ـ حزيران 1999م اقتراحاً من رئيس حكومته جوسبان بتعديل الدستور الفرنسي والاعتراف باللغات الجهوية الفرنسية، وعقد مجلس الوزراء جلسة عاجلة وصاخبة أصدر فيها بياناً رفض فيه بالإجماع اقتراح جوسبان، وخرج بيير شوفينمان وزير الداخلية ليصرح قائلاً: «إن الاعتراف باللغات الجهوية معناه بلقنة فرنسا».(19) وقبل ذلك ورد في توصيات «لجنة التقصي حول سياسة اللغة الفرنسية» المكونة في 10/12/1980م بفرنسا أنه «خارج تعليم اللغات الأجنبية، من اللازم أن تكون اللغة الفرنسية وحدها مستعملة في الدروس والامتحانات والمباريات وعروض الأطروحات»(20) وهكذا تصبح السياسة الثقافية الفرنسية خارج حدودها عبارة عن «وسيلة لصراع النفوذ»(21) على المستوى العالمي.

وقد نبه إلى ذلك الكاتب المغربي «محمد بنيس» أثناء حديثه عن تحول الفرنكوفونية إلى أيديولوجية تواجه بها فرنسا انتشار الإنجليزية على الصعيد العالمي، «وتعني هذه الأيديولوجية في السياق المغربي (بتعبير بنيس) فرض اللغة الفرنسية في الإدارة والثقافة والإعلام والاقتصاد والقطاع الخاص بجميع الوسائل الممكنة، بهدف انتزاع المكان الجغرافي الحضاري من اللغة العربية وتجنب احتمال انتشار الإنجليزية. والبعد المباشر لهذه الأيديولوجية سياسي واقتصادي في آن؛ إنها تهدف إلى ضمان المغرب كمنطقة مضمونة سياسيـاً واقتصاديـاً لصالح الامتيازات الفرنسية واستمرارها ضمن منطق الهيمنة المنتصر اليوم؛ فمن ينطق بالفرنسية يشتري ما هو فرنسي حسب شعار (الرابطة الفرنسية)(22).

وقد عبر عن موقف مماثل د. المهدي المنجرة في مقال له بعنوان: «الفرنكوفونية وأسباب رفضي لها» : حين قال: تعتمد الفرنكوفونية على مركَّب النقص فينا، أكثر مما تعتمد على التعاون الثقافي الحقيقي؛ ففي الوقت الذي تأتي فيه وزيرة الفرنكوفونية في فرنسا للدفاع عن الفرنكوفونية في المغرب العربي علينا أن نتذكر مواقف فرنسا فيما يخص تعليم اللغة العربية لأزيد من مليون من أبناء المهاجرين.. إن الأمر لا يتعلق بتعاون ثقافي، وبانعدام الرغبة في الانفتاح، بل بسياسة هيمنة تريد أن تتدثر بلبوس التعاون والانفتاح(23).

· أي مستقبل للفرانكفونية؟

يبدو أن الفرنكوفونية باتجاهيها الراديكالي والليبرالي ـ اللذين تم الحديث عنهما سابقاً في ثنايا هذا المقال ـ آخذة في الانحدار والضعف. أما الفرنكوفونية كما يفهما الراديكاليون من أنصارها والذين يشدهم الماضي الاستعماري لفرنسا فقد تنبأ الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول بانحسارها حين سخر من فكرة إدماج الجزائر في فرنسا، قائلاً: «إن الجزائر الفرنسية خرافة سخيفة، ودعاة الإدماج لا يملكون أي شعور بالمسؤولية... وفي سبيل الخروج من (علبة الأفاعي) لا بد من قلب الأوضاع في الجزائر رأساً على عقب، ولا بد من محاولة مكافحة «تصعلك الجزائر»(24)، لا يجوز أن تلهينا (والكلام للجنرال ديغول) الأساطير عن الحقائق، هل ذهبتم لرؤية المسلمين؟ هل نظرتم إلى عمائمهم وجلابيبهم؟ ألا ترون أنهم ليسوا فرنسيين، وأن أولئك الذين ينادون بالإدماج لهم رؤوس عصافير حتى لو كانوا من العلماء؟ (تعريض بعالم انتروبولوجي ديغولي كبير متخصص في الحضارات، كان من غلاة المتطرفين الداعين لتذويب الشخصية الجزائرية في فرنسا).

حاولوا دمج الزيت في الخل، حركوا الإناء، فبعد لحظة يفترقان؛ فالعرب عرب، والفرنسيون فرنسيون، نحن أولاً وقبل كل شيء «شعب أوروبي من العرق الأبيض، ثقافتنا يونانية ولاتينية، وديانتنا مسيحية».

يمكن أن يتم دمج الأفراد إلى درجة معينة فقط؛ لكن لا يمكن دمج الشعوب بماضيها وتقاليدها وذكرياتها المشتركة عن المعارك التي انتصرت فيها أو انهزمت، وأبطالها. وهل تعتقد أن ذلك سيحصل بين العرب والأقدام السوداء (وصف أطلق على المستعمرين الفقراء الذين تقاطروا على شمال إفريقيا والجزائر بصفة خاصة خلال القرنين 19 و20).

هل تعتقدون أن لديهم شعوراً بالانتماء إلى وطن واحد؟ وأنهم قادرون على تجاوز كافة الاختلافات العرقية والطبقية والدينية؟ وهل تؤمنون بأن لديهم إرادة في عيش مشترك؟ الواقع أن الإدماج هو دعاية سمجة، وملهاة سخيفة يخطئ من يتصور أنهم سيخدعون الجزائريين بها!(25).

كان هذا عن الفرنكوفونية كما يراها الراديكاليون؛ أما الفرنكوفونية كما يفهمها الليبراليون الذين ينادون بالتخلص من الرؤية التقليدية للفرانكفونية فهي كذلك آخذة في الذبول والزوال وشواهد ذلك كثيرة منها:

1 - سيطرة أمريكا على اقتصاديات العالم، وتحكُّم الدولار في بورصات العالم أجمع بما في ذلك تلك التابعة للدول الناطقة باللغة الفرنسية الحصن المنيع للثقافة الفرنسية.

2 - احتلال اللغة الإنجليزية موقع الصدارة في مجالات التكنولوجيا الحديثة والبحث العلمي بدون منافس «فعدد الوثائق المتوفرة في شبكة الإنترنيت باللغة الإنجليزية تصل إلى حوالي مليار ونصف مليار وثيقة؛ في حين أن الوثائق الفرنسية لا تصل إلى 0.1% من هذا الرقم. و أكثر من 91% من خبراء الأبحاث الفرنسية في المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية ينشرون أبحاثهم باللغة الإنجليزية»(26).

بل إن عدد المتكلمين باللغة الفرنسية لا يزيد عن 2.5%من سكان العالم وهو ما وضعها في المرتبة التاسعة من حيث الانتشار على الصعيد العلمي.

3 - لم تعد اللغة الفرنسية الجسر الأفضل للتواصل بين رجال الأعمال في الأسواق العالمية. يقول الكاتب التونسي رشيد خشانة بجريدة الحياة بتاريخ 22/11/1997م: واعتبر رجال أعمال مغاربيون كانوا يعتمدون على اللغة الفرنسية في أعمالهم واتصالاتهم أنها (أي اللغة الفرنسية) لم تعد الجسر الأفضل لمخاطبة نظرائهم في البلدان والقارات الأخرى - خصوصـاً أننا نسعى لإقامة علاقات مع الأسواق الآسيوية التي ستشكل قطب الرحى في الاقتصاد الدولي مطلع القرن المقبل.

· أي مصلحة لدول المغرب العربي في التشبث بالفرنكوفونية؟

أمام هذا الانحسار المريع للفرانكفونية، وأمام هذا الزحف الهائل للغة الإنجليزية وما تحمله معها من بشائر للمنظومة الإنجلوفونية متمثلة أساساً في أمريكا وبريطانيا؛ خاصة بعد انخرام ميزان المعادلة الدولية لصالح أميركا بسقوط القطب الروسي وانتهاء الحرب الباردة، وتزعم أمريكا لنظام العولمة الجديد. أقول: لم يعد هناك أي مسوِّغ للدول المغاربية للتشبت بالفرنكوفونية، والدفاع عنها، وتبنيها على صورتها التقليدية المعروفة. إن هذا التحول في ميزان المعادلة الدولية ليلقي بظلاله، بدون شك، على نوع وطبيعة العلاقات الخارجية التي يمكن أن تتحقق في ضوئها مصالح الدول المغاربية. وإنها لفرصة سانحة أمام هذه الدول للتخلص من الهيمنة الفرنسية ولو جزئياً، في اتجاه تحقيق بعض الاستقلال عنها ـ إن كانت تملك قرارها ـ لتدور بعلاقاتها الخارجية: السياسية والاقتصادية مع دوران مصالحها الحيوية والوطنية.

لم يعد هناك أي مسوِّغ ولا أي مصلحة في الاستمرار في اعتماد سياسة التعليم المزدوج على الإطلاق، وينبغي وضع حد لسياسة التذيل، والتبعية، والإلحاق الثقافي والحضاري هذه. ولم يعد هناك أي حجة لكي تحافظ اللغة الفرنسية على هذه المكانة المرموقة في المناهج التعليمية بالدول المغاربية؛ في الوقت الذي تحتل فيه المرتبة التاسعة بين اللغات الأجنبية على الصعيد العالمي؛ مقارنة باللغة الإنجليزية التي تحتل موقع الصدارة من حيث عدد المتكلمين بها، ومن حيث عدد البحوث العلمية التي تنشر بها.

لقد آن الأوان لمراجعة هذه السياسة التعليمية؛ بحيث توضع اللغة الفرنسية في موضعها الذي يليق بها بين اللغات الحية، لا أكثر ولا أقل، لتفسح المجال واسعاً أمام اللغة الأم لتحتل محلها الطبيعي في مرحلة التعليم الأساسي من دون منافس.

والحقيقة أن الشعوب المغاربية، بل الشعوب العربية والإسلامية، جميعها، تشهد اليوم أوبْة صادقة إلى ثوابتها التاريخية والحضارية ممثلة في: اللغة، والدين، والتاريخ؛ بما لا يدع مجالاً لحكامها للسير بها في الاتجاه المعاكس، لولا أن النخب العلمانية المتفرنسة، والمتحكمة في مقدرات الدولة استطاعت بما تتوفر عليه من نفوذ وسلطة أن تحمي سياسة ازدواجية التعليم، وأن تحفظ لفرنسا دور الهيمنة، ومكانة الامتياز في الدول المغاربية.

لقد أصبح تعريب التعليم، والكف عن سياسة ازدواجية اللغة في مناهج التعليم مطلباً لا مناص منه.

ومن الأفكار المغرية التي يروجها أنصار الفرنكوفونية من المراقبين والصحافيين الفرنسيين والكنديين أن تتحول المنظمة الفرنكوفونية إلى مجموعة من الدول تجمع بينها مصلحة مشتركة تتمثل في الدفاع عن الاستثناء الثقافي بما يعنيه من تنوع ثقافي، وتعددية لغوية في مواجهة الاجتياح الإنجلوفوني لحفظ مكانة اللغة الفرنسية كلغة عالمية؛ ولبناء مجتمع عالمي لا يقوم على التماثل الثقافي الذي تفرضه العولمة الأمريكية. وعلى الرغم من بريق هذه الفكرة وإغراءاتها ببناء تكتل دولي في مواجهة التماثل الثقافي الذي يدعو إليه النظام العالمي الجديد بقيادة أميركا؛ والذي يعني في الحقيقة هيمنة الثقافة الأمريكية ورفعها إلى مرتبة العالمية والأممية. على الرغم من وجاهة هذه الفكرة، إلا أنها في الحقيقة تصب في مصلحة فرنسا، وتستصحب في خفاياها هيمنة فرنسية على هذه المجموعة الفرنكوفونية لتستقوي بها على التكتل الإنجلوفوني. وليس من العسير على المرء أن يكتشف أن التكتل الحقيقي الذي تنتمي إليه فرنسا هو الاتحاد الأروبي، كما أن التكتل المناسب لدول المغرب العربي هو التكتل العربي الإسلامي لا الكتلة الفرنكوفونية بزعامة فرنسا.

لقد دفع الظلم والصلف الأمريكي دول العالم إلى التموقع في تكتلات متعددة على أساس الهوية الثقافية، والاقتصاد، والجغرافيا؛ في محاولة لتعديل ميزان القوى العالمي المائل حالياً لصالح أميركا، ولمواجهة الصلف والحيف الأمريكي. ولا مناص لدول العالم إذا ما رامت أن تبني حضارة إنسانية ذات صبغة أممية عولمية من أن تعترف بتنوع الثقافات، وتعدد الهويات الدينية واللغوية لشعوب العالم، وأن تفتح باب الحوار بين الحضارات على مصراعية ليدلي كل منها بعطاءاته المتنوعة، في اتجاه بناء حضارة عالمية تتكامل فيها العطاءات بشتى أنواعها الثقافية والحضارية، والروحية والمادية.

إن العولمة القسرية التي تقودها أمريكا ويشاركها فيها التجمع الغربي ـ بمعنى من المعاني ـ لا يمكن أن تقود إلى حضارة إنسانية ينعم فيها بنو البشر بالعدل والسلم الدائمين، إن عولمة من هذا القبيل تقوم على القوة، والقهر، والاضطهاد، والقمع الدموي، والقمع المعنوي بما تروجه من أكاذيب وأغاليط وخدع؛ لا يمكن أن تقود العالم إلى شاطئ الأمان. إن الطريق الوحيد لبناء حضارة إنسانية عالمية يمر بالضرورة عبر الحوار الفكري متسلحاً بقوة المنطق وحجج العقل لا قوة الساعد وصدأ الحديد.

(*) كاتب تونسي مقيم في بريطانيا.

(1) . S. Chikh, M.Elmandjra, B. Touzani, Maghreb et Francophonie. Ed. Economica Paris 1988, p. 19 نقلاً عن د. عبد الله الشارف في كتابه: أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، منشورات نادي الكتاب لكلية الآداب بتطوان، الطبعة الثانية، 0002م، ص 94.

(2) محمد الهادي مصطفى الزمزمي، تونس: الإسلام الجريح، ص 44.

(3) لمزيد من التفاصيل حول نشأة الفرنكوفونية وتطور مؤسساتها راجع كلاً من: د. إدريس الكتاني، ثمانون عاماً من الحرب الفرنكفونية ضد الإسلام واللغة العربية، منشورات نادي الفكر الإسلامي، الرباط، ط 1، 0002م، ص 791. ومجلة المجتمع الكويتية بتاريخ 2/21/7991م نقلاً عن موقع إسلام ويب على شبكة الإنترنت حسب الرابط التالي: http://www.islamweb.net/html/1001/capture1.htm#3 وجريدة الرياض، الثلاثاء 25 ذو الحجة 1421 العدد 75911 السنة 73.

(4) Paul Marty le madroc de demain Paris: Comite de Afrique francaise, 1925, pp:338-339 نقلاً عن د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 891.

(5)R. Gaudefroy, Demonbynes, loeuvre francaise en mattiere d`ensiegnemrnt , paris, S.N, 1928, p119 نقلا عن د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 991.

(6) المرجع نفسه، ص 56.

(7) Yvonne Turin, Affrontments cultuirels dans l`algerie coloniale: Ecoles,medicines,religion, 2 edition, Alger, enterprise nationale du livre, 1983, pp:40-41 نقلاً عن د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 991.

(8) R.Jaulin, la decivilisation politique et pratique de l`ethnocide, edition complexe, bruxelles, 1974, p 65 et 83 د. عبد الله الشارف، مرجع سابق، ص 37.

(9) راجع البيان الرسمي لعلماء الزيتونة حول التمسك بالتعليم الأصلي الزيتوني، نشره محمد الهادي الزمزمي في كتابه: «تونس: الإسلام الجريح»، ص 504.

(10) محمد الهادي الزمزمي، مرجع سابق، ص 224.

(11) نشر هذه الوثيقة محمد الهادي الزمزمي في كتابه: «تونس: الإسلام الجريح»، ص 242 ـ 742.

(12) راجع ذلك في الشبكة الإسلامية على الإنترنت حسب الرابط التالي: http://www.islamweb.net/html/1001/capturel.htm#4

(13) د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 691.

(14) مارتين بولار، فرنسا والطموح الثقافي ما وراء الحدود، لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية. http://www.mondiploar.com/

(15) المرجع السابق http://www.mondiploar.com

(16) مدير الهوائيات في اللغات الأجنبية، نقلاً عن المرجع السابق. http://www.mondiploar.com

(17) ماري بونيل، المسؤولة عن إحياء قسم البرامج الوثائقية في الإدارة العامة للتعاون الدولي والتنمية، نقلاً عن المرجع السابق.

(18) المرجع السابق . http://www.mondiploar.com

(19) عثمان سعدي، اتفاقية اليونسكو ومنظمة الفرانكفونية أمام الجامعة العربية، جريدة الشرق الأوسط عدد 02/2/2002م .

(20) Rencontre international sur l;application des legislation linguistiques dans les pays francophonies. 10-11 mai 1982 نقلا عن: د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 802.

(21) مستشار الدولة الفرنسي جاك ريغو في تقرير له حول تحديد محاور السياسة الثقافية، نقلاً عن مارتن بولار، مرجع سابق.

(22) راجع مقاله على الشبكة الإسلامية : http://www.islamweb.net/html/1001/capture4.htm#1

(23) نشر المقال في جريدة العلم بتاريخ 22/4/3991م، ص 21 حسب ما نقله إدريس الكتاني في كتابه: ثمانون عاماً من الحرب الفرانكفونية ضد الإسلام واللغة العربية، ص 47.

(24) رغم هذه النظرة الثاقبة وهذا الإدراك العميق لخصائص الشعوب الذي أعرب عنه الجنرال ديغول فواجه فكرة إدماج الجزائر في فرنسا واستعاض عنها بمقاومة «تصعلك الجزائر»، لم يجده بديله الدموي حيث نالت الجزائر استقلالها عــن جــدارة 2691م، بفعل ثورة يندر لها المثيل قدم فيها الشعب الجزائري أزيد عـن مليون ونصف مليون= = شهيد، وكما تنبأ ديغول لن تجد فرنسا اليوم سياسة الفرنسة؛ فها هو الشعب الجزائري يهب من جديد ويثور مرة أخرى في وجه دعاة الفرانكفونية الجزائريين الذين انقلبوا عن الديمقراطية وصادروا إرادة الشعب الجزائري وتسببوا في حرب شبه أهلية راح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الشعب الجزائري المناضل، وسيأتي اليوم الذي سترفع فيه رأية الإسلام عالية في الجزائر إن شاء الله، وستنعم الجزائر باستقلالها الثاني وتتصالح مع هويتها العربية والإسلامية، طال الأمد أم قصر.

(25) نشر هذه الآراء المفكر السياسي آلان بيرفيت صديق الجنرال ديغول في كتاب له صدر في فرنسا عام 4991م بعنوان «كذلك كان ديغول»، راجع: د. إدريس الكتاني، مرجع سابق، ص 661 ـ 761.

(26) في حوار مع عالم المستقبليات المغربي البروفسور المهدي المنجرة، راجعه على شبكة الانترنت على الرابط التالي :

http://www.elmandjra.org/ELMANDJRA.htm

نقلاً عن مجلة البيان