ولكنها لغة القرآن بقلم الدكتور محمد يسف

يخطئ خطأ كبيرا من يظن أن اللغة العربية هي لغة العرب وحدهم، بل هي لغة المسلمين على اختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، وحق العربي فيها ليس أكثر من حق الفارسي، والتركي، والمغربي، والأندلسي، والهندي، وكل من كان الإسلام دينه، والقرآن كتابه. هي لغة العرب والعجم، هي لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولأنها لغة المسلمين: عجما وعربا، نالت عنايتهم كلهم، على تفاوت بينهم في ذلك. ولم يكن نصيب غير العرب من المسلمين بأقل من نصيب العرب، فالأعاجم هم من طور هذه اللغة؛ فقعدوا قواعدها، وأصلوا أصولها، وأنشأوا حولها منظومة من المعارف والفنون والعلوم، من نحو، وصرف، وبلاغة، وبيان، وبديع، وغيرها... وهم إن فعلوا ذلك فإنما كان قصدهم منه خدمة الدين بخدمة لغة الدين، التي هي العربية، والتي لا يمكن فهم نصوصه، الفهم الصحيح، إلا بالتمكن من اللغة التي نزل بها الوحي. فكل أمة دانت بالإسلام من غير أهل جزيرة العرب، كانت بين خيارين:

فإما أن تدين بالإسلام، ثم لا تلبث أن تطرح ماضيها كله من لغة ودين، ثم تتخذ العربية لغتها والإسلام دينها، وتخالط حملة هذا الدين، وتمازجهم حتى تختفي كل مظاهر الجنس أو أكثره، إلا بقايا تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، وهو ما حدث في العراق، والشام، ومصر، وبلاد المغرب والأندلس.

وإما أن تدين بالإسلام، وتعد العربية لغتها الأولى، وتحتفظ بشيء من لغتها، وهو ما حدث في فارس، والهند، وبعض قبائل الترك والأكراد، وفي كل مكان تعالى فيه نداء المؤذن: "الله أكبر".

الفصحى لسان الشريعة:

القرآن الكريم، كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، كما هو وكما وصل إلينا بالتواتر، والتوارث، الذي منع عن أي لفظ فيه أن يدخله تغيير أو تبديل، مرتبط أشد الارتباط، ليس فقط بعقائد المسلم وعباداته، بل بتشريعه واقتصاده، وعلمه، وفلسفته، وجهاده، وتفاصيل حياته اليومية، وبخطرات نفسه، ولمحات تفكيره، وآداب معاشرته لأصدقائه، وأهل بيته، وولده، وعشيرته، فلا يكاد يوجد شيء في حياة الإنسان المسلم إلا وله في القرآن هدي هو نص، أو هو استنباط من النص.

وللاستنباط أصول ضابطة، بها يتبين الناس حين يختلفون أي شيء من أحكامهم المستنبطة هو الذي يقبل فيه الاختلاف، لأن لفظ القرآن العربي يأباه. وكذلك الشأن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح عندنا من الوجوه التي يصح بها الحديث. وعلم تصحيح الحديث ومعرفته من العلوم التي انفرد بها المسلمون، وجاؤوا فيها بما لم تأت بمثله أمة من الأمم، إلى يوم الناس هذا. والذي صح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو بمنزلة القرآن في الهدي، لأن الحديث هو البيان عن القرآن، فيه تفصيل ما أجمله القرآن، وإيضاح ما أبهم، واستثناء ما استثناه الله تعالى، وزيادة ما زاده الله بالوحي إلى رسوله، وهو في كل ذلك يتعلق بكل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد المسلم، وفي حياة الجماعة، وفي روابط هذه الجماعة، وفي روابطها بغيرها من الجماعات.

فالأمم الإسلامية، سواء كانت عربية الأصل واللسان، أم كانت غير عربية اللسان والأصل، لا ترى القرآن إلا على أنه كلام الله المنزل على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه وصلنا كما أنزل عليه، وهي لا تعد اللغة العربية الفصحى إلا أنها لغة دينها ودنياها، والتي لا يستغني أحد من الناس عن إتقانها، والتوسع في معرفتها، والضبط لعلمها ومادتها، وفقهها، ما دام منتسبا إلى حضارة الإسلام وتاريخه، فهو يحتاج إليها إذا كان فيلسوفا، منطقيا، من الوجه الذي كان الفقيه والأصولي محتاجا إليها، وسواء بعد ذلك، أكتب في الفقه أو الفلسفة باللسان العربي، أو بلسانه هو غير العربي، لأن كل مسلم عربيا كان أو غير عربي يعلم علما يقينيا أن القرآن كلام الله تعالى، وأن مجرد تلاوته عبادة يثاب المرء عليها، وحفظه عبادة أخرى، وفهمه عبادة ثالثة، والفقه في معانيه عبادة رابعة، والنظر في كتابته عبادة خامسة. ولكل واحدة من هذه العبادات ثواب، فضلا عن أنه كلام الله تعالى، يفارق كلام البشر من كل وجه، وهو من الله وإليه.

الفصحى صمام أمن الأمة:

إلى جانب أهمية لغة الإسلام في فقه شريعة الله ودينه، والارتقاء بالفكر والحياة إلى أرقى مقام، وأسمى درجة، هي همزة الوصل بين البلدان الناطقة بها، ولولاها لتفككت أوصال العالم العربي، وتقطعت الأسباب بين شعوبه ودوله.

وقد تنبه أحد المؤرخين الغربيين إلى هذه الحقيقة حين قال: إن اللغة الفصحى هي الرباط الوثيق الذي يمنع البلاد العربية من التفكك من شواطئ الأطلسي في المغرب إلى حدود فارس الغربية شرقا، عند شواطئ الخليج العربي، ومن حلب والموصل شمالا حتى الخرطوم وعدن ومسقط وزنجبار جنوبا، وهو كلام دال على أن أي تفريط في قيمة الفصحى التواصلية يفضي حتما إلى تفكك هذا العالم إلى دويلات تعيش في عزلة تامة عن بعضها.

وبعد، فلن أمضي في عرض الشواهد والأسباب والدواعي التي تفرض على المسلمين أن يذودوا عن لغة القرآن، كل خطر يهددها، وأن يعضوا عليها بالنواجذ، وأن يجعلوا منها لسانهم الأول في البيت، وفي المدرسة، وفي الإدارة، وفي مجتمعهم الذي يعيشون فيه. وحسبي أن أقول ما قاله أحد المفكرين النبهاء عن قيمة اللغة بالنسبة لكل الأمم عامة، وقيمة لغة القرآن بالنسبة للمسلمين خاصة: إن لغة الأمة هي ترجمان أفكارها، وخزانة أسرارها، ولغة القرآن للمسلمين زيادة على ذلك، هي حافظة دينهم، ومصححة عقائدهم، ومدونة أحكامهم، وهي صلة بينهم وبين ربهم، يدعونه بها، ويعترفون، ويبوؤون بها إليه فيما يقترفون، ويؤدون بها حقوقهم، فهم بذلك يشدون عليها يد الضنانة، وما يودون أن لهم بها لغات الدنيا، وإن زخرت بالآداب، وفاضت بالمعارف، وسهلت سبل الحياة، وكشفت عن مكنونات العلم، فإن هم أخذوا بشيء من تلك اللغات فذلك وسيلة إلى الكمال في أسباب الحياة الدنيا، أما الكمال الروحاني والتمام الإنساني، فإنهم لا ينشدونه ولا يجدونه إلا في لسان القرآن ولغة الإسلام، التي تكون منها تسلسلهم الفكري والعقلي، ذلك لأن لغة الإسلام قطعة من الإسلام، ومرآة لعصوره الطافحة بالمجد والعلم، والبطولة والسيادة، ولقد كانت في وقت ما لسان معارف البشر، وكانت في زمن ما ترجمان حضارتهم، وكانت في وقت ما هادية العقل البشري إلى موارد الحكمة في المشرق، وكانت في جميع الأوقات مستودع آداب الشرق، وملتقى تياراته الفكرية، وما زالت صالحة لذلك، لولا غبار من الإهمال دخل عليها، وهي قبل وبعد كل شيء، حاضنة الإسلام ودليله إلى العقول، ورائده إلى الأفكار، دخلت به إلى الهند والصين، وقطعت به البحار والفلوات، وفيها من عناصر البقاء ومؤهلات الخلود ما يرشحها للتمكن، فقد احتوشتها الرطانات من كل جانب ودخلت عليها دخائل العجمة واللكنة، فما نال كل ذلك منها نيلا. وإن لغة يصيبها أقل مما أصاب لغة القرآن من عقوق أبنائها، وحرب أعدائها، لحقيقة بالاندثار والفناء.
ولكنها لغة القرآن

د محمد يسف عن موقع أقطاب www.aktab.ma

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

واه كلام عين العقل يا أخي. كلامك صحيح مائة بالمائة. العربية لغة الدين الإسلامي و ليست حكرا على العرب

أخوك من الريف

بارك الله بك وجعله الله في ميزان حسناتك

اشكركم على هذه المقالة