رشيد نيني و "وليدات فرنسا"

لا أحب أن أتدخل في الصراع الدائر بين رشيد نيني مدير جريدة المساء وغريمه رضا بنشمسي مدير مجلة "تيل كيل". لكنكم تعرفون موقفي من كلا الرجلين وإيديولجيتهما. ولا أحب أن يفهم من مقالي هذا دعمي للإتلاف غير القانوني للعدد الأخير من "تيل كيل" وأختها "نيشان" من قبل وزارة الداخلية. غير أنه لا يمكنني إلا أن أدعم ماكتبه نيني حول التدخل الفرنسي في الشؤون المغربية ومناصرة البعض ممن سماهم "وليدات فرنسا" لهذا التدخل. كتب رشيد نيني في جريدة المساء:

[...] هذا الحادث المؤسف الذي تعرض له بنشمسي بسبب ما رأت فيه الداخلية خرقا للقانون، ساهم في الكشف عن مجموعة من التناقضات على مستوى الحكومتين المغربية والفرنسية، وساهم في إخراج «وليدات فرانسا» المقيمين بيننا في المغرب من مخابئهم. [...] وزير الخارجية استدعى السفير الفرنسي بسبب مجرد رسالة بعث بها نائب برلماني من العدالة والتنمية للمطالبة بتدخله من أجل إسعاف مستشار مغربي يحمل الجنسية الفرنسية، في الوقت الذي لم تتحرك شعرة واحدة في رأس الطيب الفاسي الفهري عندما أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بيانا رسميا تنتقد فيه قرار وزارة الداخلية المغربية القاضي بحجز مجلتي بنشمسي.

والأخطر، في نظري، ليس هو لجوء برلماني مغربي إلى السفارة الفرنسية طالبا تدخلها لإنقاذ حياة زميله، وإنما لجوء الخارجية الفرنسية إلى التدخل بالنقد في قرار سيادي، قد نتفق أو نختلف بشأنه، اتخذته الحكومة المغربية.

عندما أرسل أفتاتي الرسالة إلى السفير الفرنسي اتهمه الجميع بإقحام الأجنبي في الشؤون الداخلية للمغرب، أما عندما أقحم الأجنبي نفسه في شأن حكومي داخلي، ببلاغ رسمي، فإن سعادة وزير الخارجية لم ير في ذلك أي تدخل للأجنبي في السيادة المغربية. والمفروض، حسب الأعراف الدبلوماسية، أن تمتنع الخارجية الفرنسية عن إقحام نفسها في شأن داخلي يخص المغرب، تماما مثلما امتنعت عن انتقاد الحكم على «المساء» بأكبر غرامة في تاريخ الصحافة المغربية والعربية.

والمعروف في مثل هذه القضايا التي لها علاقة بحرية التعبير والنشر أن تنتقد «منظمة مراسلون بلا حدود» والجمعيات الحقوقية القرارَ المغربي، أما وزارة الخارجية الفرنسية فهذه ليست مهمتها. وحتى الخارجية الأمريكية عندما تنجز تقارير سنوية حول حرية التعبير في المغرب فإنها تنجزها اعتمادا على تقارير الجمعيات الحقوقية وليس اعتمادا على قراءتها الخاصة.

إن أول شيء كان على الطيب الفاسي الفهري أن يسارع إلى القيام به، بعد صدور بلاغ الخارجية الفرنسية، هو استدعاء السفير الفرنسي بالرباط لاستفساره حول أسباب هذا التدخل الفرنسي غير الدبلوماسي في الشؤون الداخلية للمغرب. وحتى موقف الخارجية الفرنسية المنتقد لمنع جريدة «لوموند» يبقى غير مفهوم، فجريدة «لوموند» ليست ناطقة باسم قصر «الإليزيه»، وإنما هي جريدة تصدرها شركة خاصة. وإذا منعت في بلد ما فإن من يتكفل بانتقاد هذا المنع هو منظمات الدفاع عن حرية التعبير وليس الخارجية الفرنسية.

وحتى لا يعطينا أحد الدروس في حرية التعبير دعونا نراجع سجل فرنسا، حيث يسجل التاريخ سوابقها في مجال منع ومصادرة وحجز الجرائد والمجلات والكتب. سنة 1991، ومع بداية حرب الخليج الأولى، قرر وزير الداخلية الفرنسي الاشتراكي «بيير جوكس» منع مجلة «الوطن العربي» من الطبع والنشر في فرنسا بسبب خطها التحريري المساند لأفكار صدام حسين. هكذا، منعت فرنسا الاشتراكية على عهد «فرانسوا ميتيران» مجلة عربية من الصدور على أرضها واشترطت، من أجل عودتها إلى الأكشاك، تغيير خطها التحريري وضخ أموال سعودية وكويتية في رأسمالها. وهكذا، غيرت المجلة اتجاه خطها التحريري بضغط فرنسي، وأثر هذا في رئيس تحريرها اللبناني «وليد أبو ظهر» إلى أن مات مؤخرا بسبب المرض.

وفي السنة ذاتها، منع وزير الداخلية الفرنسي مجلة «كل العرب» التي كانت تصدر من باريس، للأسباب والدواعي نفسها. وفي 30 نونبر 2004، طالبت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الفرنسية ومجموعة من البرلمانيين مجلس الدولة بمنع التقاط قناة «المنار» اللبنانية في كل التراب الأوربي بتهمة معاداة السامية.

وفي 13 دجنبر من السنة نفسها، أصدر مجلس الدولة أمرا بمنع القمر الصناعي «أوتيلسات» من بث قناة «المنار».

في مارس من سنة 1987، قرر وزير الداخلية الفرنسي «شارل باسكوا» منع دخول الجريدة الجزائرية «البديل» والتي كان يصدرها معارضون جزائريون لاجئون في أوربا. وسبب المنع كان هو أن ما تنشره هذه الجريدة يمكن أن تكون له عواقب سيئة على العلاقات بين باريس والجزائر؛ أو بعبارة أخرى، تم منع دخول الجريدة استجابة لما يسمى «منطق الدولة».

سنة 1997، حجز وزير الداخلية الفرنسي «جان بيير شوفينمان» كتابا علميا من رفوف المكتبات عنوانه «مذبحة «أورادور»: نصف قرن من التمثيل»، والتهمة كانت هي التشكيك في المحرقة النازية.

ولو أردنا أن نحصي سوابق الدولة الفرنسية مع حجز الصحف والمجلات والكتب التي لا تتماشى ومصالحها العليا لاحتجنا إلى أكثر من عمود؛ لكننا نكتفي بهذا القدر، لعل الذين يعتقدون أن قدرنا كمغاربة هو أن نستمر في تلقي الدروس من الخارج ونجلس، مثل تلاميذ كسالى، بانتظار شهادات حسن السيرة والسلوك من «تيكوا» و»سيمبريرو» وأشباههما من الصحافيين الذين يكتبون عن المغرب من باريس ومدريد.

زمن الحجر والوصاية يجب أن ينتهي يا سادة، وآن الأوان لكي يصنع المغاربة حاضرهم ومستقبلهم بأيديهم.

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

السلام عليكم
اظن نفسي الاكثر حصولا على هناء بال وخاطر بين الجماعة
لأني وبكل بساطة قد قاطعت كتابات بن شمسي ونيني منذ فترة طويلة جدا جدا جدا
الا ما سقط سهوا بين يدي
الاثنان وجهان لعملة واحدة
سلامو

الأمر مفهوم جداً ... سبب انتقاد رسالة أفتاتي التي ارسلها الى السفير الفرنسي هو الحقد الأعمى الذي يكنه المخزن و الإشتراكيين و أهل فاس ضد حزب العدالة و التنمية و كل ما له علاقة بالإسلام السياسي.

أما وليدات فرنسا، كما يصفهم الكاتب، فلا حرج عليهم، بكونهم من مخلفات فرنسا ، و أبناء زعماء المخزن، فشيء بديهي، لا يمكن معاقبتهم: ولاد الشفارة.

الإشكال الحقيقي اليوم في المغرب ليس هو توصيف الواقع وتشخيصه وإنما العمل على الثورة ضده لأننا في النهاية شأناأم أبينا سنبقى تحت رحمة هؤلاء المستعمرين المفرنسين .الدين لا يعيروننا اهتماما قط فهم يرسلون أبناءهم للدراسة بالخارج ، ثم يعود هؤلاء "وليدات بابي ومامي" للحكم من جديد والدائرة تدور.