المسألة اللغوية عند علال الفاسي

لايذكر المغرب والعالم العربي والاسلامي هذا الرائد في ذكرى رحيله التاسعة والعشرين فحسب، ولكن يذكره الذين عايشوا نضال المغرب والعرب والمسلمين، كلما ذكروا مامرت به هذه البلاد من عذاب الاستعمار ومحنه. ويذكره الذين قرأوا كتبه وتعرفوا منها على فكره وتوجهاته وبرامجه التي قدمها لبناء الدولة والنهوض بمستوى الحياة، وتوجيه الشعب نحو مستقبله اللاحب.

المسألـة اللغـويـة:

ثمة أربع لغات تستعمل في المغرب منذ فرض الحمايتين الفرنسية والإسبانية عليه (1912)، وهي: العربية، والفرنسية، والإسبانية (تستعمل في المناطق التي كانت تحت السيطرة الإسبانية: شمال الصحراء، بالخصوص)، ثم اللغة الأم. وعموما، يمكن القول إن اللغات الثلاث الأولى تحظى بوضع اعتباري كتابي، ومن ثمة فهي لغات للثقافة العالمة وللإدارة في مقابل اللغة الأم التي تكون عبارة عن لهجة أمازيغية أو عربية، وتستعمل بتلوينات تختلف من منطقة لأخرى. ثم رغم أنها تشكل أداة للتواصل اليومي، فهي لا تكتَبُ أبدا.
للإحاطة جيدا بإشكالية التعريب عند علال الفاسي من المفيد إلقاء نظرة على مميـزات كل واحدة من اللغات الآنفة.

أ. اللغـة العربيـة:
تسمى كلاسيكية أو فصحى، وهي لغة مقدسة لأنها لغة القرآن. وقد كانت ناقلة للثقافة والإدارة والتعليم في البلدان العربية. وهي كتابية أساسا ولو أنها تستخدم شفويا في الأغراض الدينية والتعليم والتواصل الإعلامي. بهذا الصدد، يلاحظ جلبير غرانغيوم أن هذه اللغة «لا تستعمَل، في أي بلد [عربي"> باعتبارها لغة للتواصل العفوي والاستخدام اليومي»[15">[15">.

ومع ذلك، سيكون للنهضة العربية العربية في القرن XIX نتائج إيجابية على تطور اللغة العربية، إذ ستشهد عصرنة أسلوبية ونحوية، مما أتاح لها أن تحيط جيدا بوقائع العالم العصري. وهي تنحو اليوم إلى الهيمنة على مجالات الأدب، والصحافة المكتوبة، والإدارة، والتعليم، ثم وسائل الإعلام (بشكل شفهي).

لنسجل أن اللغة العربية، سواء أكانت كلاسيكية أم عصرية، فهي تظل واحدة في مجموع العالم العربي، فضلا عن كونها تتبدى عاملا أساسيا لتجانس الثقافة العربية.

ويبقى أنَّ هذه الإيجابيات لا ينبغي أن تنسينا بأي حال من الأحوال الآثار المشؤومة التي جرها الاستعمار على اللغة العربية، عندما جعل من اللغة الفرنسية اللغة الرسمية الوحيدة طيلة فترة الحماية، وأبعد اللغة العربية عن كل اتصال بالعالم العصري، مما أبقاها في حالة من الجمود. بهذا الصدد، يقول ج. غرانغيوم: «عندما أراد الحكام الوطنيون تبني اللغة العربية محل نظيرتها الفرنسية، انشغالا منهم بتحقيق الاستقلال الثقافي، وَجدوا أنفسهم إزاء لغة غير معروفة بشكل جيد وقليلة التكيف، لأن اللغة الفرنسية كانت هي اللغة الحقيقية التي تهيمن على دواليب الحكم»[16">[16">.

ب. اللغة الفرنسيـــة:
لقد فُرضت اللغة الفرنسية في المغرب العربي لغةً رسمية واحدة ووحيدة منذ بدايات احتلاله (احتلت الجزائر عام 1830، وتونس عام 1881، والمغرب سنة 1912)، فتم استخدامها أداة للإدارة والتواصل في جميع المؤسسات الجديدة - الحقوقية والسياسية والاقتصادية والتربوية والعلمية - بكيفية كانت من القوة بحيث وجدت البلدان الثلاثة غداة الاستقلال أمام لغة فرنسية قوية ومهيمنة تكاد تحتكر جميع مظاهر الحياة اليومية.

نعلم أن فرنسا بذلت قصارى جهدها لفرض تطبيق نظام استعماري استثنائي في كل من تونس والمغرب، وهو نظام الحماية الذي يهادن ويغازل البنيات التقليدية بدعوى احترام الشخصية الحضارية والتاريخية للبلدين. وقد كان هذا النظام إيجابيا بالنسبة لوضعية اللغة العربية في بعض المؤسسات التعليمية التقليدية (مدارس قرآنية، زوايا، جامعة القرويين)، الشيء الذي ضمن استمرار حضورها في المغرب، وذلك بخلاف الجزائر التي حُرمت كليا من اللغة العربية بفعل السياسة الاستعمارية المتبعة فيها، والقائمة على إرادة طمس الهوية الجزائرية[17">[17">.

بيد أن الملاحظة التالية تسترعي الانتباه في الحالتين معا (الحماية والاستعمار المباشر): إن إحلال اللغة العربية محل الفرنسية لم يكن صعبا فحسب، بل كان غير قابل للتحقيق. بل يمكن المضي إلى القول بأن انتشار التمدرس بعد الاستقلال قد ساهم في تقوية موقع اللغة الفرنسية المدرَّسَة باعتبارها لغة إجبارية منذ التعليم الابتدائي (الأساسي).
بخصوص الفرنسية، نحن إذن إزاء وضعية شديدة المفارقة، يصفها غرانغيوم على النحو التالي: «رغم أن انتشار الفرنسية قد ازداد، فإن قطاعات استعمالها شهد تقلصا في بعض الشعب التعليمية والإدارية بسبب سياسة التعريب. لكن الميادين التي تعتبر مفاتيح للصناعة والإدارة، والشعب المتخصصة في التعليم، ظلت تستخدم الفرنسية وحدَها، الأمر الذي يساهم في جعل معرفة هذه اللغة عاملا هاما في النجاح الاجتماعي»[18">[18">.

ج. اللغـة الأم:
لكل مغربي لغته الأم، وهي عبارة عن لهجة عربية أو أمازيغية، وتتميز هذه اللهجات بالتنوع والشفهية.

أ) اللهجـات العـربيـة:
لا تجسد اللهجات العربية المستعملة في المغرب، كما هو الحال في جميع الدول العربية، شكلا شعبيا أو شفهيا للعربية الكلاسيكية. فهي تتميز عن اللسان الفصيح من جوانب عديدة تتمثل في النحو والمعجم بالخصوص.
توجد في المغرب لهجات عربية حضرية ولهجات قروية أو بدوية متنوعة. وقد تطورت اللهجات الحضرية حول محاور سكنية كبرى كانت في الماضي مراكز للحكم المخزني، كفاس ومراكش والرباط. لكن رغم هذا التباين، فإن اللهجات العربية تسهل التواصل والتفاهم بين مختلف الشرائح الاجتماعية.

ب. اللهجات الأمازيغيـة:
أدت الفتوحات الإسلامية في القرن VIIIم إلى تعريب (لـَهْجي) للمناطق الحضرية بالمغرب فيما ظلت المناطق الجبلية، إلى أيامنا هذه، تتكلم الأمازيغية التي تختلف جذريا عن العربية - ضمن ما تختلف به - في كونها شفهية أساسا ولا تستفيد من أي كتابة، وإن كان البعض يحاول خلق متن كتابي خاص بها.
وتتوزع اللهجات الأمازيغية في المغرب على النحو التالي: التشلحيت في الجنوب (الأطلس الكبير)، والتامزيغت في الأطلس المتوسط، والتريفيت في الريف[19">[19">.

أطروحـة علال الفاسـي:

يبدأ علال الفاسي بإحصاء مجموع الفسيفساء المدرسية التي أنشأتها الحماية، من مدارس فرنسية عربية، ومدارس فرنسية بربرية، ومدارس خاصة بأبناء الأعيان...، ثم يسجل ظاهرة الغياب شبه التام للغة العربية في جميع المؤسسات التعليمية باستثناء المدارس القرآنية والجامعة الإسلامية التقليدية، بسبب هيمنة اللغات الأوربية التي تحظى بوضع اعتباري يجعلها لغات للتعليم.

في البداية، يعرب علال الفاسي عن تحفظاته على هذا الوضع ويبدي استنكاره لتهميش اللغة العربية بصدد نقطتين:
- الأولى عملية، تتمثل في كون تلاميذ المدارس القرآنية لا يتوفرون على أي إمكانية لمتابعة دراساتهم الثانوية بسبب جهلهم اللغة الفرنسية.

- الثانية ثقافية، وتتضح في الاستلاب الذي يمكن أن يقع ضحيته التلاميذ المغاربة الذين يتلقون دراساتهم كليا باللغة الفرنسية[20">[20">.

عموما، لا يعتبر علال الفاسي تنوع اللغات في نظام دراسي ما أمرا مُضرّا بمستقبل التلاميذ فحسب، بل ويعتبره مضرا أيضا - بل وأساسا - بمستقبل الثقافة الوطنية. ويعزز فكرته بالإشارة إلى بعض بلدان المشرق العربي، دون أن يذكرها بالإسم، ملاحظا أن المواجهة والتداخل بين تيارات فكر شعوب أوروبا وأمريكا داخل تلك الدول ولَّدا في نهاية المطاف نخبة هجينة ينطوي تكوينها على الكثير من المغالطات التاريخية بالمقارنة مع راهنية بلدانها أو حضارتها الأصلية.

وهنا بالضبط يكمن أكثر المشاكل خطورة، ونعني به أن من شأن امتلاك هذه النخبة لجهاز الدولة أن يؤدي بالضرورة إلى نشأة توجه وطني ينطوي على مغالطات تاريخية، ويعيق كل إمكانية للتحكم في الرأي العام ومراقبته بكيفية متجانسة. ولتجنب مثل هذا الاحتمال، يؤكد علال الفاسي أن لغة التعليم بالمغرب يجب أن تكون واحدة ووحيدة، وهي اللغة العربية[21">[21">، ثم يقفز فوق مسألة اللهجات البربرية لأسباب تاريخية وإيديولوجية وسياسية معروفة.

أكيد أن المشكل الذي يثيره علال الفاسي هنا يشكل نقطة مشتركة بين العديد من البلدان. ففي كل الأزمنة استعارت البلدان المستعمَرَة لغة المستعمِر والفاتح. وقد عاملت بعض الشعوب المستعمَرَة لغة المستعمِر بطريقتها الخاصة فاسحة بذلك المجال لولادة الاختلاف (لغات أوروبا اللاتينية الأصل). والمستعمرون الحديثون هم الآخرون يحملون لغتهم إلى أرجاء الأرض قاطبة (الفرنسية، الإسبانية، البرتغالية، الانجليزية، مثلا)، مما أفضى ببعض اللغات إلى أن تصير أكثر «عالمية» من لغات أخرى في المبادلات بين الدول (الانجليزية). إلا أن الهيمنة الموضوعية والملزمة التي تمارسها لغات التبادل الدولي، كالإنجليزية، لا يمكن أن تلغي مسألة اللغة الوطنية. وفي هذا الإطار، لا يسعنا سوى تسجيل راهنية موقف الأستاذ الفاسي وصدق تشبثه بالعربية لغة معبرة عن هوية الشعب المغربي في كفاحه ضد أنواع الاستلاب والتبعية.

تعرف جميع البلدان دائما مشكلة العلاقة بين اللغة الأم ولغة المدرسة، بين السَّنن الضيق المستعمل داخل العائلة والسنن المقنن أو العالِم الذي تنقله المؤسسة التعليمية[22">[22">. لسنا في معرض مناقشة الحلول المقترحة لهذه المسألة، أو فحص المعطيات العلمية الخاصة بمسألة الازدواجية اللغوية أو الثلاثية اللغوية وما يترتب عنها من إيجابات وسلبيات على الأفراد والجماعات[23">[23">.

قد يستنتج البعض، على نحو ما حصل فعلا خلال السبعينيات والثمانينيات، أن أطروحة التعريب عند علال الفاسي ترتكز لا شعوريا على استيهام بابل. ذلك أنه يعتبر اللغة العربية واحدة وموحدة ومقدسة، الأمر الذي يسمح لها - في نظره دائما - أن تحل محل التعدد اللغوي الذي لم يعمل سوى على تعميق الغموض وسوء التفاهم بين فئات الشعب الواحد. والظاهر أن أطروحة التعريب عند علال الفاسي لا تعبر عن أي استيهام، وإنما هي حل سياسي ممكن، إن لم يكن ضروريا، للقضاء على الفوضى الذهنية والمعرفية التي تعاني منها جميع شرائح المجتمع المغربي بالمقارنة مع بلدان أخرى. فتركيا وإسرائيل واليابان، مثلا، كلها تستعمل لغاتها الوطنية على جميع المستويات مع أنها ليست لغات عالمية[24">[24">.

المسألـة الدينيــــة:

يرى علال الفاسي أن التعليم العلماني لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم في المغرب، لأنه يعود إلى حركة فكرية وتجربة تاريخية خاصة بالغرب، تتمثل في كون ابتزازات الكنيسة وتضامنها مع النظام القديم والرجعية شكلا الأسباب التي أتاحت ظهور الحركة العلمانية بما هي مشروع بديل.

إنه تحليل غريب، يستند - أو يبدو أنه يرتكز - للمرة الأولى على معطيات تاريخية. فقد عودنا علال الفاسي على شكل من التفكير يتجنب كل مرجعية تاريخية ويكتفي بدمج حشد من الأفكار الدينية. ويقدم العروي، في تحليله الإيديولوجي، تفسيرا معقولا لهذا التناقض، إذ يقول: «تحضر ظاهرة الوعي المزدوج عند علال الفاسي في كل مكان؛ فهو يدرس مجتمعه من خلال وعي ديني ونقدي وينتقد الغرب من خلال وعي ليبرالي؛ إذ ينكر عليه حتمية يؤكدها للآخر ويؤيد ديمومة إسلامية وفوق تاريخية يرفضها للمسيحية الغربية»[25">[25">.

ترتكز «الأصالة» المغربية على صيرورة تاريخية خاصة، وبذلك فهي تقتضي بالضرورة الإعلانَ عن الإسلام دينا رسميا للدولة وصيانته من كل ما يمكن أن يلحق به مسا. ولأجل ذلك، يجب على المدرسة أن تسهر على تربية الأجيال الناشئة بحسب مبادئ الميراث الروحي المشترك للأمة المغربية في مجموعها.

طبعا، يبدو أن علال الفاسي يغفل هنا ذكر تجاوزات إسلام رسمي[26">[26">. يمكننا بدون تردد أن نفسر هذه المرافعة المتحمسة لصالح إنشاء مدرسة إسلامية على النحو التالي: يتعلق الأمر هنا بانتفاضة صادرة عن هيئة العلماء والأرستقراطية المحافظة. فلإحساسهما بالتهديد الذي تشكله عليهما الحداثة عبر ملاحقتها إياهما من كل الجوانب، تحصنتا داخل أسوار إسلام يحفظ مكتسباتهما ويصونها. بيد أن هذا التفسير الاجتماعي، رغم وجاهته من بعض النواحي، لا ينبغي أن يهمش التفسير التاريخي الذي لا يقل عنه وجاهة وأهمية.

لقد صدر النص - كما سبق أن أشرنا - في خضم الأزمة المغربية الفرنسية (1952)، وبذلك فهو يحمل بصماتها بالتأكيد. فطبيعته الهجَّاءة والمذهبية قد لا تكون سوى رد فعل تجاه تصلب موقف الحماية. يخامرنا الانطباع بأن الصَّدى يردد الصدى: كلما تصلبت سلطات الحماية ولجأت إلى القمع ترسخت أوتوماتيكيا مواقف متطرفة لدى الحركة الوطنية المغربية[27">[27">.

مبـدأ إجباريـة التعليـم:

يردد علال الفاسي الاعتراضات التي أثارتها «المذكرة حول المغرب» ضدَّ الإدارة الاستعمارية في موضوع التعليم: «يوجد في المغرب زهاء المليونين ونصف المليون من الأبناء في السن المدرسي، ولكن لا يتردد منهم على التعليم إلا ما يقارب المائة والخمسين ألفا على اختلاف المدارس وتعدد منهاجها»[28">[28">. ويرى أن هذه الوضعية تجد تفسيرها في اختيار خاص بالحماية التي كانت ترى - حسب علال الفاسي دائما - في التعليم حظوة أو مُكافأة تُمنَحُ للأعيان من الآباء مقابل ما يقدمونه لها من دعم.

وبحسب هذا الاختيار وهذا الوضع، لا يُعتَبرُ التعليم مكسَبا من أجل الشعب بكامله، ومن ثمة يفرض المستقبل الثقافي للمغرب إجراء قلب كلي لهذه الوضعية من خلال فرض التعليم باعتباره مبدأ حيويا موحَّدا مجانيا وإجباريا للجميع، يفرضُ على الأغنياء والفقراء، على الذكور والإثات، على الحضريين والقرويين[29">[29">. ولا يسع القارئ المهتم بفكر علال الفاسي إلا أن يسجل في هذا الإطار عمق تصوره الوطني لمسألة إجبارية التعليم والطابع التقدمي لاختياراته ومبادئه التي تقر أن مسؤولية الدولة العصرية تكمن في ضمان تعليم شامل ومجاني للشعب الذي يفترض فيها أن ترعى مصاله. إنه يؤكد بشفافية نحن في أمس الحاجة إليها اليوم: «إن الحكومة التي لا تعنى بالمعرفة، ولا تجعلها في متناول جميع الطبقات، ولا تحمل الجاهلين على أن يتعلموا لهي حكومة لا قيمة لها في الاعتداد العصري، ولا تستحق من المواطنين أي احترام أو تقدير»[30">[30">.

ومع ذلك، فهناك ملاحظة تفرض نفسَها وهي أن علال الفاسي يتأمل دائما مسألة التعليم تبعا لنقطتين أساسيتين: يحلل فعليا الوضعية الاستعمارية، ثم يقترح مخططا إجماليا لوضعية الاستقلال، وبذلك فهو يتوقع أن تكون الحكومة المضطلعة كليا بمبدإ إجبارية التعليم حكومة عصرية ووطنية بالضرورة. وبهذا الصدد، يقدم المؤلف أدلة قوية: فالتعليم الإجباري استحدثته الحضارة الحديثة التي فرضت نفسها مع النهضة الأوروبية، ووجدَ تعبيره الحقوقي والمؤسساتي مع الثورة الفرنسية، وهذا يرسي قطيعة مع العصر الوسيط المسيحي ويتطلب أن يكون للسلطة التي يمكن أن تحقق مبدأ التعليم الإجباري اختيارات عصرية. لكن ما العمل إذا علمنا أن علال الفاسي نفسه لا يختار على الإطلاق حداثة كلية عندما يُبعد التعليم اللائكي مثلا؟

يرد الفاسي على هذا الاعتراض بأن الإسلام، خلافا للمسيحية، يحث المسلمين على التعلم، ثم يسوق جملة من الأحاديث النبوية وأقوال الأئمة في الموضوع. وبما أن حجة السلطة النصية، في البنية الدلالية للحركة الإصلاحية، دليلُُ لا يُناقش فإن المؤلف يعتبر نفسه قد استوفى استدلاله، فينصرف إلى نقطة أخرى.

أما التعليم الإجباري، في نظره، فيجب أن يحترم تخطيطا يحقق عملية تعميم التعليم ودَمَقرَطته على امتداد عشرسنوات. ولأجل ذلك، يمكن تقسيم المغرب إلى عشر مناطق، بكل منها يوجد مائتا ألف طفل قابل للتمدرس. والإجبارية لن تتم دفعة واحدة في سائر الجهات، لأن الوضعية المالية والبيداغوجية لا تسمح بذلك. والحلّ الممكنُ هو فرضُ التعليم الإجباري سنة واحدة في منطقة ما، ثم الانتقال في السنة الموالية إلى منطقة أخرى... وهكذا ذواليك إلى أن يشمل الهدف جميع المناطق. طبعا، ينتج عن مثل هذا التخطيط تأخرُ المنطقة الأخيرة، بمدة عشر سنوات، عن الجهة الأولى.

يعرف علال الفاسي هذا الاعتراض ويتوقعه، فيرد بأن أي منظور آخر غير ممكن، وأنه ما لم يُوضع هذا التخطيط فسيظل الحال على ما هو عليه الآن وسيبقى هناك تفاوتُُ بين أطفال المنطقة الواحدة والحال أنه من الأفضل الحفاظ على التفاوت بين المناطق بدل الإبقاء عليه داخل الجهة الواحدة.

خلاصــــــة:

تتيح أطروحات علال الفاسي حول التربية استخلاص بعض الأفكار التي تقع في صلب اهتمامات الكتاب الحالي:
- إن التوفيقَ الممكن والضروري بين نقاء الإسلام (والأخلاق الممجَّدَة) والتربية من أجل عالم عصري، يقصي العلمانية؛ بتعبير آخر، يتطلب ذلك التوفيق إجراء تركيب بين الحداثة والتقليد؛
- مفهوم الهوية في علاقته بمسألتي الثبات والتحول.
- مفهوم الهوية والاختلاف على مستوى الخصوصيات؛
- تقوية الهوية داخل التقدم بوحدة اللغة وتماسك المناهج التربوية؛

يليق بنا الآن أن نرى كيف استلهمت مدرسة المغرب المستقـل هذه المبادئ وأن نلقي نظـرة نقديـة على مشاريع الإنجاز. وذلك ما سنتناوله في الدراسة التالية

--------------------------------------------------------------------------------
[1">[1"> Julien, Ch. -A., 1972, L’Afrique du Nord en marche: Nationalisme musulman et Souveraintés françaises, Paris, Julliard, p. 129.
[2">[2"> Berque, J., 1962, «Cà et là dans les débuts du réformisme religieux au Maghreb», in Etudes d’Orientalisme dédiées à la mémoire de Lévi-Provençal, Paris, Maisonnoeuve & Larose, p. 471.
[3">[3"> حول علال الفاسي، راجع:
- Balafrej, A., 1978, «Alal al-Fassi: héraut de l’indépendance marocaine», Encyclopédie Les Africains, vol. XII, p. 41-59.
[4">[4"> سنعتمد الطبعة الخامسة الصادرة بالرباط، عن دار الرسالـة، سنـة 1979. وتجدر الإشارة إلى أن أنور عبد الملك قد ترجم منتخبات من هذا الكتاب إلى اللغـة الفرنسية. راجع:
- Abdel-Malek, A., 1970, La pensée politique arabe contemporaine, Paris, Seuil, p. 143-148.
[5">[5"> Bernard, S., 1963, Le conflit franco-marocain: 1943-56, Bruxelles, Institut de Sociologie, Université de Bruxelles, T. 1, p. 93-120; p. 121-213.
[6">[6"> بهذا الصدد، راجع:
- Laroui, A., 1967, L’idéologie arabe contemporaine, Paris, Maspéro, p. 43-49; Khatibi, A., 1977, «Penser le Maghreb», in Les Temps Modernes, N° 375, p. 7-20; Axelos, K., 1965, «Problèmes et difficultés internes de la décolonisation», in De l’impérialisme à la décolonisation, Paris, Minuit, p. 321-325.
[7">[7"> الفاسي، ع.، 1979، النقد الذاتـي، م. س.، ص. 343.
[8">[8"> نفســه، ص. 344.
[9">[9"> نفســه، ص. 345.
[10">[10"> نجد هنا واحدة من العلامات المميزة للـ «سلفية»، أو «الحركة الإصلاحية» الإسلامية: نوعا من النكهة الطهرية التي ترخص لنا تحديدها [السلفية"> باعتبارها إيديولوجية خارج التاريخ.
[11">[11"> في «المذكرة حول المغرب» التي حررتها أربع شخصيات مغربية، منها أ. بلافريج من حزب الاستقلال، ووجِّه إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، يوم 11 دجنبر 1952، نقرأ: «لم يكن مصير التعليم مرموقا. فمنذ 1925، رُسمت السياسة الفرنسية في هذا المجال في كتاب مدرسي للسياسة الإسلامية يقول: 'لا يجب أن يوزع التعليم ويُفرض وصفة واسعة الانتشار كالكينين [مادة شبه قلوية تستخرج من لحاء شجر الكينا وتستعمل دواء للحمى (م)">، ولكن يجب أن يقترح بجرعات صغيرة مثل جائزة أو تشريف محفوظ لأرستقراطية الأهالي'. والنتجية أنه من مجموع حوالي مليوني طفل في سن التمدرس، لايجد مقاعدهم في المدرسة سوى 7 أطفال بالمائة». بهذا الصدد، راجع:
- Balafrej, A. (et autres), 1953, «Mémorandum sur le Maroc», in La NEF, Cahier N° 2, p. 122-127.

[12">[12"> الفاسي، ع.، 1979، النقد الذاتي، م. س.، ص. 346. هل يتعلق الأمر بنقل حرفي لأفكار هاردي أم هو مجرد اتفاق صدفة بين رؤى علال الفاسي وهاردي؟ على كل حال، فإن تفكير علال الفاسي يظل تفكير أرستقراطي حضري مشرب بنزعة المحافظة التي تطبع طبقة انتمائه. لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة، راجع:
- de la Bastide, H., 1964, «L’Islam dans le Maghreb contemporain», in Orient, N° 30, p. 29-35.
[13">[13"> يقترب الإلحاح على التربية الدينية، أحيانا، عند علال الفاسي من عدم التسامح. ويرى البعض في هذا الجانب علامات نزعة تبشيرية اضطهادية. في جميع الأحوال، إن إرادة التوحيد الديني هذه، تطرح مشكلة الأقليات الدينية. بخصوص الأقلية اليهودية المغربية، لم يتردد علال الفاسي، في غشت 1962، بصفته وزيرا للشؤون الإسلامية، في قول: «من يقول إنه مغربي فهو مسلم. واليهودي 'المغربي' ليس سوى 'ذميا'. من الآن فصاعدا، لن ينال أي أجنبي الجنسية المغربية ما لم يعتنق الإسلام.». في هذا الموضوع، راجع:
- Malka, V., 1978, La mémoire des Juifs au Maroc, Paris, Etente, p. 52; La Voix des Communautés (Organe mensuel de la Fédération des Communautés Israëlites du Maroc), N° 15, mai-juin 1962. (Sur la rumeur des «conversions forcées»).
[14">[14"> نكتفي بالإشارة إلى:
- Landsheere, G. et V.de, 1976, Définir les objectifs de l’éducation, Paris, PUF.

[15">[15"> Grandguillaume, G., 1983, Arabisation et politique linguistique au Maghreb, Paris, Maisonneuve & Larose, p. 11.
[16">[16"> Ibid., p. 12.
[17">[17"> حول مختلف الأنظمة الاستعمارية الفرنسية، راجع:
- Agerson, Ch.-R., 1972, Politiques coloniales au Maghreb, Paris, P.U.F.; Deschamps, H., 1956, Les Méthodes et les Doctrines Coloniales de la France (du XVIème siècle à nos jours), Paris, Colin; 1967, L’Europe découvre l’Afrique, Paris, Roger-Levrault.

[18">[18"> Ibid., p. 12.
[19">[19"> حول اللغة الأمازيغية ومختلف اللهجات، راجع:
- Galand, L., 1960, «Les Berbères. Langue», in Encyclopédie de l’Islam (nouvelle édition), p. 1215-1220; Bousquet, G. -H., 1957,Les Berbères, PUF., Que sais-je?
[20">[20"> الفاسي، ع.، النقد الذاتي، م. س.، ص. 350.
[21">[21"> نفســه، ص. 351.
[22">[22"> Nadel, J., 1976, «Théories du langage, rôle du milieu et différences individuelles», Bulletin de Psychologie, Vol. XXIX, N° 1-3, p. 3-9.
[23">[23"> حول إشكالية الازدواجية اللغوية في المغرب، راجع:
- Moatassime, A., 1974, «Le ‘bilinguisme sauvage’: blocage linguistique. Sous développement et coopération hypothéquée. L’exemple maghrébin. Cas du Maroc», in Tiers Monde, T. XV, N° 59-60, p. 619-670.
[24">[24"> بهذا الصدد، راجع:
- Hagège, C., 1989, «Les langues humaines et la Différence», in Encyclopédie Philosophique Universelle, Vol. I, (L’Univers Philosophique), PUF, p. 1384-1390.
[25">[25"> Laroui, A., 1967, op. cit., p. 44.
[26">[26"> في هذا الصدد، يمكن الرجوع، على سبيل المثال، إلى:
- Djaït, H., 1988, La grande discorde, Paris, Gallimard; G. Grandguillaume, 1990, «Le langage de l’orientalisme», in Peuples -Méditerranéens, N° 50, Paris, Janvier - Mars, , p. 171-176.
(أو ترجمتهما العربية: جعيط، هـ.، 1991، الفتنة الكبرى، بيروت، دار الطليعة؛ غرانغيوم، ج.، «لغة الاستشراق»، ضمن لغة العلاج والنسيان؛ دراسات في ألف ليلة وليلة وقضية الآيات الشيطانية، ترجمة: أسليم، م.، 1996، مكناس، سندي للطباعة والنشر، ص. 113-122. ولأخذ فكرة إجمالية عن الكتاب الأول، انظر المراجعة التي خصصها له: الجروشي، ص. د.، 1991، «الفتنة الكبرى»، مجلة الاجتهاد، بيروت، دار الاجتهاد، ع. 13، ص. 205-220 [م">).
[27">[27"> Laroui, A., 1974, La crise des intellectuels arabes, Paris, Maspéro, p. 52.
[28">[28"> الفاسي، ع.، النقد الذاتي، م. س.، ص. 359.
[29">[29"> نفســه، ص. 359.
[30">[30"> نفســه، ص. 359-360.

مشاركات القراء: