مطلب ملح بتصحيح مسار النشاط السياحي بالمغرب

بقلم : عبد المجيد التجدادي
www.tajdadi.blogspot.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عرضت منظمات دولية السياحة الدولية للدول الفقيرة خلال سنوات الستينيات و السبعينيات على أنها أكبر و أعظم فرصة للتمكن من تجاوز المشاكل التي تعترض مسيرتها التنموية المتعثرة ، بل و اعتبرتها في مقام ثورة جديدة تضاهي الثورة الصناعية الأوربية ؛ حيث إنه يمكنها من خلال هذا القطاع الاقتصادي الحديث الحصول على مداخيل إضافية هامة تضاهي الأنشطة الاقتصادية التقليدية ، و الزيادة من رصيدها من العملة الصعبة ناهيك عن قدرتها على تغطية عجز الميزان التجاري ، كل هذا مقابل عرض بضاعة جاهزة أصلا و متجددة ( المعطيات الطبيعية و البشرية المحلية ) .
و لقد بادرت السلطات المغربية من جهتها ، و بتوصيات من البنك الدولي ، إلى إعطاء أهمية كبيرة للقطاع السياحي منذ المخطط الاقتصادي 1965 ــ 1967 ، و هذا على أساس المؤهلات السياحية التي تزخر بها البلاد سواء أمن حيث طبيعتها ، و سكانها و حضارتها و قِيَمها ، أم من حيث قربها من أوربا الغربية أكبر مصدر للسياح في العالم . و قد اعتبرت السياحة منذ ذلك التاريخ رهانا للنهوض بالاقتصاد الوطني ، و هذا ما يعبر عنه قول أول وزير للسياحة بالمغرب : » ... و إذا كانت إسبانيا قد تمكنت بفضل السياحة من تحقيق نهضة خارقة ، لأنها تمكنت من أن تقفز من التخلف إلى الصف العاشر بين الدول الصناعية الكبرى ، فإن المغرب من جهته هو الآخر يرغب في الوصول إلى هذا الهدف عام 2000 ، إلى المرتبة التي تحتلها إسبانيا حاليا « (1) .
و قد تعزز هذا الرهان برهان آخر أعطيت انطلاقته سنة 2001 عندما أعلن عن رؤية 2010 الرامية إلى تحقيق 10 ملايين سائح ، منهم 07 ملايين سائح أجنبي . و من أبرز أهداف هذه السياسة السياحية أن تحقق السياحة 20 % من الناتج الداخلي الخام ، و عشرات الآلاف من فرص الشغل . و قد جاء في عدد من التصريحات الرسمية أن السياحة نشاط اقتصادي معول عليه كي يكون قاطرة للتنمية ..، قاطرة لجر باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى .
إن اعتماد خيار اقتصادي معين يستدعي الإحاطة بمختلف جوانبه و تداعياته بشكل يحاول أن يضمن نجاعته و أفضليته عن غيره . و إن اعتماد النشاط السياحي كإستراتيجية للتنمية بالمغرب ليطرح العديد من التساؤلات المقلقة . يتطلب هذا الاختيار الوعيَ بعدة أبعاد لا يمكن فصلها عنه أو تجاهلها ؛ فهناك البعد الاقتصادي و المالي ، و البعد البيئي ، و البعد الاجتماعي ، و هناك كذلك البعد الثقافي و الروحي .
لن يخوض هذا المقال في الأبعاد الأولى ، فلن تعدم المهتمين بها سواء أمن الأجهزة الرسمية أم المؤسسات الخاصة. و لكن بغية هذا المقال هي الخوض في البعد الثقافي و الروحي للنشاط السياحي لما يلحظه هذا الجانب من تقصير واستهانة .
من الإشكالات الثقافية الأساسية التي يطرحها النشاط السياحي ظاهرة المثاقفة (2) ؛ فالسياحة من جهة هي استيراد لنموذج ثقافي . » كتبت عالمة الاجتماع ماري فرنسواز لونفان سنة 1980 أن :" ما تنقله السياحة إلى البلدان ليس سياحا بحقائبهم فقط ، بل ، و بالأساس نموذجا اجتماعيا . و هذا الأخير لا يؤثر فقط في الممارسات الاقتصادية ، و مناهج التسيير ، و طرق توزيع و تنظيم العمل ، و أشكال التكوين المهني ، إلخ ..، بل إنه يصوغ السلوكات الاجتماعية لكل فئات المجتمع حتى جذورها العميقة . إن هذا النموذج الاقتصادي نموذج ثقافي " « (2 ــ ص : 98 ).
السياحة اتصال بين شعوب مختلفة ذات حضارات مختلفة ؛ و هذا الاتصال قد يكون في حد ذاته مريحا أو مزعجا ، إيجابيا أو سلبيا ، اتصالا تستفيد منه مختلف الأطراف أو تتأذى منه ( كلها أو بعضها ) . و تزداد حدة إزعاج هذا الاتصال كلما اختلفت الأسس الثقافية بين الأطراف المعنية . و يتأكد من خلال الإحصائيات الرسمية أن معظم السياح الدوليين الذين يفدون على المغرب هم سياح غربيون ، ذووا ثقافة غربية ( السياح في معظمهم أوربيون ) . بمعنى أنه اتصال بين شعب عربي مسلم يتحلى بمختلف مؤشرات " التخلف " ، و شعوب غربية نصرانية تتحلى بمختلف مؤشرات " التقدم " . و هنا تطرح قضية ظاهرة التقليد و المحاكاة التي يبديها عدد من المغاربة مما يحيل إلى الاعتقاد بأنهم في محل ضعف إزاء هذا الاتصال . و هنا كذلك نستحضر مقالة العلامة ابن خلدون : »في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره و زيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده . و السبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها و انقادت إليه : إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه ؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب ، فإذا غالطت بذلك و اتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب و تشبهت به ، و ذلك هو الاقتداء « (3) .
يمثل السياح الغربيون نموذجا حيا للحياة الغربية برفاهيتها و ترفها الماديين ، و لقيمها الثقافية الدينية و اللادينية ( اللائكية ) ؛ و يمارسون ــ و لو بغير قصد ــ استعراضا تمثيليا يعرضون من خلاله مظاهر قوتهم المادية و الثقافية على السكان المحليين الفقراء ماديا و " ثقافيا " . يتأثر السكان إذن »بنمط و مستوى العيش الذي يبرز به السياح ، مما يولد (...) شعورا بالدونية و الحرمان ، و يؤثر سلبا على سلوكات المغاربة الذين سيطمحون إلى محاولة التقليد « (4 ـ ص : 217 ) ؛ و تتأكد هذه الدونية التي أشير إليها هنا عندما نعلم أن الكثير من فرص العمل التي تتيحها السياحة للسكان تضعهم في موقع " الخادم " الذي يؤدي خدمة لـ " سيده " ، و لعل الشباب هم الأكثر تأثرا بهذا الاستعراض و الأكثر إحساسا بالحرمان . و يقول جورج كازي : » و ينجم عن ذلك " آثار الاستعراضية " على الساكنة المحلية ، و سلوكات المحاكاة في مجالات مختلفة ــ و خاصة في صفوف الشباب ــ كالألبسة ، و أذواق و عادات غذائية و شبه غذائية ( كالكحول و التبغ ) ، و الأخلاق ، و القيم الجمالية و الفنية ، إلخ « (2 ـ ص : 99 ) . و على حد قول التونسي أحمد بوذهيبة : » السياحة تعرض سلوكات مجتمع مبذر على أنظار مجتمع محتاج (...) إن الفجوة العميقة التي تفصل بين المجتمعات الغنية و المجتمعات الفقيرة لم تعد منذ الآن فكرة تجريدية ، بل أصبحت حقيقة على أرض الواقع تعايش كل يوم « ( 2 ـ ص : 99 ) . و يشار هنا كذلك إلى أن هناك من المغاربة من قد يحسون بالغربة ببعض جهات بلادهم التي تشهد إقبالا سياحيا كثيفا ، حيث أن الإقبال الكثيف للسياح يحول البيئة الاجتماعية لتلك الجهات إلى بيئة غربية لا تمت بصلة بما يميزها من عادات و سلوكات جديدة إلى البيئة المغربية الأصيلة ... إن تنمية النشاط السياحي ببلادنا تقوم أساسا على استقبال و تلبية طلب أجنبي ( أوربي ) له متطلباته الخاصة به و التي تختلف في كثير منها عن متطلباتنا ؛ و هذا ما يجعل المعايير المرجعية المعتمدة في هذا القطاع أجنبية و دولية تختلف في كثير منها عن مرجعيتنا كذلك .
و ربما قد لا نبالغ إذا قلنا بأن التوافد السياحي الأوربي على المغرب بشكله الحالي ما هو إلا واجهة من واجهات الغزو الثقافي الغربي للشعوب المستضعفة و سطوة الثقافة الغربية على باقي الثقافات الأخرى ، واجهة تعزز من تبعيتنا الثقافية لهذا الغرب بسلطة جاذبيته و بريقه الأخاذ ، واجهة تعزز فينا عقدة النقص تجاه الأجنبي ، واجهة تعزز من استسلامنا لقيم الآخر الشاذة بدعوى تقدمه حينا و التسامح حينا آخر ، واجهة تعزز في نفوس عدد منا عقدة مرضية شعارها » كل ما هو غربي فهو عصري و حداثي ، و كل ما هو غير غربي فهو متخلف و ظلامي « ... وإنه لا يمكننا إنكار ضرورة تفاعل الثقافات فيما بينها ، و لكن في إطار الاحترام المتبادل ، و نرى أنه من حقنا أن نرفض من قيم الآخر ما نشاء بحسب ما تمليه علينا قيمنا . يقول الدكتور المهدي المنجرة : » إنني لا أومن بوجود ثقافة موحّدة ، ذلك أن فيرناند بروديل في هذا الصدد يقول " نكشفُ ثقافةً بما ترفض استيراده " . لأن تفاعل الثقافات أمر غير سلبي ، شريطة أن يكون هناك ضبط التبادل لتفادي التقليد الأعمى ، الذي يفرغ هذه الهوية من محتواها (...) و في بلدان كبلدنا ، فإن الانعكاسات المتواصلة للاستعمار ، تجعلنا في وضعية تبعية ثقافية ، و تقليد يرجع سببه إلى الشعور بالخوف الناجم عن عقدة النقص تجاه الأجنبي من جهة ؛ و من جهة أخرى ، إلى جهل قيمة الثقافات الأخرى من طرف المتعصبين للهيمنة . في الحقيقة ، إن القوي يرغب في تكيّفك مع ثقافته بقدر ما يميل الضعيف إلى التشبه به « ( 5 ـ ص : 228 ) . و لعل جون لوك ميشود (2) قد عبر بصدق عن أحاسيس الكثيرين عندما قال بأن الإقبال السياحي الأجنبي الكثيف على جهات معينة يقوي من مشاعر الاستعمار لدى السكان المحليين ، و بالتالي من مواقف العداء و الرفض ؛ و ذلك لما يعانونه و يكابدونه من وقوفهم العاجز المستسلم شاهدين على تآكل و مسخ تراثهم و قيمهم الثقافية . و هنا مكمن الخطر في التمادي في هذا الأمر ؛ فموقف الاستسلام للأمر الواقع إذا كان مجسدا في البعض ، فإن البعض الآخر قد لا يستسيغه ، و ربما قد تصدر عنه ردود أفعال خطيرة و صادمة تقابِل في تطرفها تطرف دعاة الانغماس التام في ثقافة الغرب و تشربها . و لعل جزءا من هذا التخوف هو ما قد عبر عنه قول الدكتور فريد الأنصاري : » إنني أخشى ــ إذا استمر صناع الخراب في صناعتهم ــ من نتائج عكسية لسياسة التفسيق ، لكنها نتائج لا توازن لها و لا انضباط ، هي الآن تتخمر في النفسية الاجتماعية . إنني أنذر برد فعل خطير ، رد فعل شعبي غير محكوم و لا موزون ، يطبعه الجهل ، و تغمره الفوضى ! ينطلق على مدى متوسط ؛ ضد موجة التفسيق المفروضة على البلاد و العباد ، التي تقودها الشرذمة المتطرفة ، من اللادينيين الفرنكوفونيين ، و الشيوعيين ، المدسوسين في بنية المؤسسات الرسمية و الحزبية ؛ استجابة لرغبة الفجور السياسي العالمي ؛ و استجابة لنزوة الاستمتاع الشيطاني في الثقافة و المجتمع « (7 ـ ص : 7 ) . و في هذا الصدد نردد مع الدكتور المهدي المنجرة القولة التي يحلو له ترديدها كلما تعلق الأمر بالقيم ، و الانفتاح ، و التواصل الثقافي بين الشعوب و الحضارات ، و هي قولة لغاندي : » أريد لكل ثقافات الأرض أن تهب عند بيتي ، على قدر ما تستطيع من الحرية .. لكني أرفض أن تنسفني أية واحدة منها « ( 5 ـ ص : 155 ) .
ثم هناك إشكالان آخران يتفرعان عن الإشكال الأساسي السابق .
الإشكال الفرعي الأول هو إفساد القيم الأخلاقية .» السياحة تستورد نماذج من السلوكات . و السائح قبل كل شيء مستهلك : يستهلك الشمس ، و المظاهر ، و الطقوس الدينية ، والرقصات ، و المناظر ، و النساء ... كل شيء قابل للشراء و بالتالي للتفسخ . فالسائح يشتري أي شيء بأي ثمن لأنه لا يعرف قيمته الحقيقية « (4 ـ ص : 231 ) . إن الشواهد على الفساد الذي تنشره السياحة في العالم ( و خاصة منه النامي ) و خطورتها على القيم الأخلاقية للشعوب كثيرة و متعددة ؛ فقد اتسع انتشار المخدرات ، و تطورت السياحة الجنسية في العديد من البلدان (*) ، و تطور معها ما يعرف بتجارة الرقيق الأبيض (**)، و الاستغلال الجنسي للقاصرين ، و مختلف مظاهر الشذوذ الجنسي (***) ، وانتشار داء السيدا ، إلخ . و لعل هذا ما قاد جاك بوكنيكور في إشارة إلى السياحة بالقارة الإفريقية إلى القول : » السياحة ( بإفريقيا ) ساهمت بقوة في المتاجرة بالعلاقات الإنسانية « (2 ـ ص : 100) .
و بتركيزنا على المغرب ، نجد أن مجموعة من السلوكات الشاذة التي يعانيها تعود في جزء منها إلى النشاط السياحي . و لعل إشارة موجزة لتوزيع انتشار داء السيدا باعتباره إحدى عواقب تلك السلوكات تكشف ربما عن علاقتها بالسياحة . فحسب خلية الأمراض التعفنية المتنقلة التابعة لوزارة الصحة المغربية ، مثلت جهة سوس ماسة درعة 22 % من حالات السيدا المسجلة بالمغرب سنة 2005 ، أكثر من 340 مريض ؛ 91 % من هذا العدد سجلت بمدن أكادير لوحدها . و على اعتبار أن أكادير هي أحد أكبر قطبي السياحة بالمغرب ، فإن للسياحة دخلا بالأمر . كما أن الكل يذكر بألم الفضيحة التي أثارها السائح و الصحفي البلجيكي فيليب السرفاتي في علاقته ببعض نساء أكادير . أضف إلى هذا حملات الشرطة بمراكش و أكادير ضد بعض مظاهر الدعارة حسب ما كانت تفيد به جرائد مغربية عقب تلك الفضيحة . و نذكر ، كما يذكر معنا مقدم البرنامج الإذاعي المغربي السابق " منك و إليك " ، قصة ذاك الشاب الورزازي الذي قال بأن سائحة أوربية أغرته و أغرت رفيقا له بما كانت تبديه لهما من شبق جنسي حتى أوقعتهما في الزنا بها ، فلما رجعت إلى بلادها أخبرتهما بأنها مصابة بالسيدا و أنهما ربما كذلك .
الإشكال الفرعي الثاني الذي يطرحه القطاع السياحي هو تحديد الموقف الشرعي منه على اعتبار أن العديد من المهن السياحية تشوبها المنكرات في الدين ؛ و يتردد هذا الإشكال بالأساس لدى عدد من العاملين بالسياحة الذين يعبرون عن عظيم حيرتهم في كيفية التعامل مع هذا النشاط الاقتصادي الذي أصبح لهم موردا أساسيا للعيش لا يرون موردا غيره . فرواج الخمور ، و النوادي الليلية ، و خدمة السياح و هم في وضعيات يحرم شرعا التعرض إليها ( العري بالمسابح نموذجا ) ، ناهيك عن الجرأة ــ أو الوقاحة ــ التي يبديها عدد من هؤلاء السياح في انتهاك الحرمات أو ما يعبر عنه القانون المغربي ربما بالآداب العامة و الأخلاق في الأماكن العمومية ..؛ و غيرها من الوضعيات التي تميز المحيط المهني السياحي ، كلها تثير في هؤلاء العاملين داخله الريبة وعدم الرضا و القلق ، و عموما الإحساس العميق بالذنب . وربما هذا ما يفسر انسحاب عدد منهم من بعض تلك المهن السياحية .
إنه لا أحد يمكنه أن ينكر الأهمية الاقتصادية التي أصبح يشكلها القطاع السياحي ، و خصوصا في بلد في مثل الوضعية الاقتصادية للمغرب ، بلد بوتيرة نمو اقتصادي بطيئة ، و وضعية ديمغرافية تغلب الفئة الشابة النشيطة الباحثة عن الشغل على بنيتها العمرية . بلد يبحث جاهدا عن موارد اقتصادية و فرص شغل إضافية تحفظ السلم الاجتماعي و تحقق قفزة تنموية أكبر . غير أن الثمن الذي يمكن أن يؤديه قد يكون أغلى من ذلك باعتبار الإشكاليات التي بسطناها فيما سبق . إن المقارنة التي أجراها أول وزير للسياحة بالمغرب كما سبقت الإشارة مقارنة غير سليمة ، و ذلك على اعتبار الاختلاف الكبير ما بين إسبانيا و المغرب سواء أمن من حيث الموقع الجغراسي ( الجيوسياسي ) أو من حيث المرجعيات الثقافية و الروحية ، فإسبانيا الأوربية النصرانية ليست هي المغرب الإفريقي العربي المسلم ، كما أن إسبانيا لن تصطدم بأية إشكاليات ثقافية حادة على اعتبار انسجام أسسها الثقافية مع أسس ثقافة السياح الأجانب ( لأن أغلبهم أوربيون ) ؛ لهذا فإن الأمل الذي نسجه الوزير من خلال مقارنته تلك لا يعدو أن يكون سرابا . و ربما أن الصواب هو أن نقول بأن السياحة الدولية بالنسبة لأمثالنا لن تكون سببا في التقدم ، بل عليها أن تكون نتاجا للتقدم بمفهومه المادي و المعنوي . قال فرانسوا آشر : » السياحة بالنسبة للدول السائرة في طريق النمو ليست موردا طبيعيا يسهل استغلاله ... فقد بينت التجربة أنه كلما كانت الدولة متقدمة ، و كلما امتلكت أنشطة اقتصادية أساسية عديدة و متنوعة إلا و زادت حظوظها في الاستفادة أكثر من السياحة ... لقد اتضح أنه ليست السياحة هي التي تمكن من التقدم ، بل التقدم الشامل للدولة هو الذي يجعل السياحة مفيدة « ( 2 ـ ص : 95 ) .
سبق لنا أن أشرنا في مقال سابق لنا على صفحات جريدة " المحجة " المغربية (6) إلى ضرورة مراجعة السياحة ببلادنا مراجعة تصحح مسارها ؛ مراجعة تستحضر في بنائها مختلف الأبعاد ، و خاصة منها البعد الثقافي و الروحي على اعتبار أن الهوية الثقافية هي أعز ما يملكه الإنسان . لهذا فإن المناداة بإستراتيجية سياحية جديدة نراها مطلبا مشروعا ، إستراتيجية تقطع مع منطق حل المشاكل الآنية الظرفية ، و تقوم على أساس الانتقاء و الإبداع . الانتقاء في السياح و نوع السياحة ، و الإبداع من خلال التفكير في أنواع سياحية جديدة تعطي الصدارة لقيمنا الثقافية الإسلامية بما يجعلها مهيمنة و مسيطرة ؛ أو بما يجعلها المناخ العام .
إننا مطالبون بالانتقاء ، انتقاء السياح الأجانب الذين ترجى منهم فائدة أكبر تضمن لنا أرباحا معقولة و تحفظ لنا قيمنا من أية انتهاكات (8) ، و انتقاء أنواع من السياحة النظيفة التي تهمش النمط التقليدي القائم على سياحة " بحر ـ شمس ـ رمال " و تعطي الأولوية للتواصل الثقافي البناء تحت شعار » إنا جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم « .
كما أننا مطالبون بالإبداع ، و ذلك بالقطع مع تبعيتنا و تقليدنا القردي للغرب في نماذج سياحته القائمة على الترفيه العبثي ، و ابتكار أنواع سياحة جديدة تحفظ لنا كرامتنا و تشكل قناة نمرر عبرها قيمنا الإسلامية الأحق بالهيمنة على غيرها ، فتكون بذلك واجهة من واجهات الدعوة إلى الله عز وجل شعارها » كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف ، و تنهون عن المنكر ، و تؤمنون بالله « .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ــ أحمد العلوي :" نحو قطاع سياحي أكثر ليبرالية " ( مقال ) أبريل 1980 . عن زهير عبد الله حسن :" القطاع السياحي في المغرب ، الواقع و الآفاق ، دراسة تحليلية نقدية مقارنة " ، الرباط ، شركة البيادر ، الطبعة الأولى 1991 ، ص : 154 ـ 155 .
(2) ــ مما جاء في معنى المثاقفة حسب بوردون :" ظاهرة اتصال و تداخل بين حضارات مختلفة " . جورج كازي : " السياحة الدولية : إستراتيجية مستقبل أم مجرد سراب ؟ " . ( ترجمة غير منشورة ). ( الأصل باللغة الفرنسية من نشر هاتيي سنة 1989 ) .
(3) ــ ابن خلدون : " تاريخ ابن خلدون " ( المقدمة ). بيروت . دار الكتب العلمية . الطبعة الأولى 1992 . ص : 155 ـ 156 .
(4) ــ Jean-Luc Michaud : « Le tourisme face à l’environnement » , Paris , PUF Le géographe , 1983 .
(5) ــ د. المهدي المنجرة : " قيمة القيم " . الطبعة الأولى 2007 .
(6) ــ مقال : " حذار من التلوث الأخلاقي " . جريدة المحجة . العدد 260 . يوليوز 2006 . ص : 8 .
(7) ــ د. فريد الأنصاري : " سيماء المرأة في الإسلام بين النفس و الصورة " . مكناس . منشورات ألوان مغربية . سلسلة اخترت لكم . العدد 16 . الطبعة الأولى 2003 . فاجأتنا هذه الفقرة التي أوردها الدكتور فريد الأنصاري في مقدمته للكتاب على اعتبار أنها توقع موفق و سديد لأحداث 16 ماي الدامية ، فقد بحثنا عن تاريخ كتابته للمقدمة على اعتبار أن تاريخ صدور الكتاب كان سنة 2003 ( بعد أحداث 16 ماي 2003) ، فوجدناه قد كتبها يوم 29 نونبر 2002 ( أنظر ص : 19 ) ، أي قبل تلك التفجيرات الدامية و المؤلمة بحوالي خمسة أشهر و نصف . فجزاه الله عنا كل خير ، و وفق الله مسؤولينا إلى الأخذ بتوجيهات علمائنا و الاستغناء بهم عن غيرهم في المشورة و النصح و اتخاذ القرارات .
(8) ــ نذكر بتوجه الدول الغربية حاليا إلى تطبيق إجراءات جديدة متعلقة بالهجرة تقوم على أساس الانتقاء ؛ انتقاء الكفاءات التي يرجى منها فائدة أكبر .
(*) ــ من المفيد أن نشير هنا مثلا إلى هذه المقتطفات من تصريح لفيليب السرفاتي في استجواب له مع قناة بلجيكية : »... و أعلم كذلك أن العديد من السياح يكترون الفيلات ، و أن بأكادير تقع أشياء أفظع بكثير مما عشته و مارسته مع أولئك النساء (...) ما أود أن أؤكد عليه أن الأمر يتعلق بسياح لديهم الكثير من المال ، و يستطيعون كراء فيلات و كذلك تأمين الحماية من طرف الشرطة حسب ما أتوقع من خلال تجربتي التي جعلتني أطلع على الكثير من كواليس السياحة الجنسية بأكادير « . نقلا عن جريدة " الأيام " ، العدد 193 ، يوليوز 2005 . ص : 5 .
(**) ــ
(***) ــ من المفيد كذلك أن نشير هنا مثلا إلى اعترافات طالب بجامعة القاضي عياض أدب فرنسي بمراكش للشرطة القضائية في إطار البحث في خبايا شبكة لاستغلال القاصرين جنسيا بمراكش : » ... أؤكد لكم بحكم ترددي المستمر على حانة " البوديكا " أن بعض الأشخاص صغار السن ، قاصرون لا يتجاوز سنهم السابعة عشرة ، يفدون بدورهم على نفس الحانة ، و يكثر عليهم الطلب من طرف الأجانب المترددين على نفس الحانة من أجل ممارسة الجنس عليهم (...) و حسب ما سمعته من العاهرات اللواتي يترددن على الحانة و كذلك الشواذ جنسيا (...) أن المسمى "س" الفرنسي المكلف بالنوادل بالحانة دائما ، شاذ جنسيا ... « . نقلا عن جريدة " الأيام " ، العدد 198 ، أكتوبر 2005 . ص : 10 .

مشاركات القراء: