في التنمية الثقــافية و الإستعمار اللغوي

MAROC في السنوات الأخيرة زاد اهتمام المغرب بالتنمية السياحة بشكل ملفت. و لا شك أن المغرب بلد يمتاز بالتنوع الطبيعي و الثقافي و بالتجدر التاريخي و الغنى الحضاري. و يتوفر على رصيد هائل من الثروات السياحية التي تؤهله لأن يكون بلداً رائداً في العالم في مجال السياحة. و لموقع المغرب كصلة وصل قوية بين ثلاث قارات : إفريقيا عبر دول جنوب الصحراء، و آسيا عبر العالم العربي و الشرق الأوسط، و أوروبا عبر المدخل الغربي لحوض البحر المتوسط، دور أساسي في امتلاكه لرأسمال ثقافي ضخم جعله متحفا إنسانيا مفتوحاً.

و تجسيداً للوعي بهذا الموقع الذي يتبوأه المغرب على مستوى الثروة الثقافية، وجهت العناية إلى توظيف التراث الثقافي و الأثري في التمنية الإقتصادية و خصصت لذلك استثمارات ضخمة. إلا أن هذا الاهتمام المتزايد بتوظيف الثقافة في التنمية الإقتصادية يقتصر على "تسليع" الثقافة أي تحويلها إلى سلعة لجلب العملة الصعبة. و هذا المنهج في توظيف الثقافة في التنمية يشوبه خلل كبير يتصل بإهمال اللغة الوطنية، التي هي ركن الثقافة و التنمية، في هذه العملية. ليس خفيا أن الدراسات و المشاريع التنموية و السياحية المرتكزة على التراث الأثري و التاريخي الوطني تعتمد على اللغة الفرنسية في إنتاج المعرفة و الخبرة و نشر المعلومات و في التأليف و النشر.

كما أن الأبحاث الأثرية في جميع الحقب التاريخية بما فيها الحقبة الإسلامية، تسيطر عليها البعثات الأجنبية على رأسها البعثة الفرنسية. بالإضافة إلى أن مكاتب الدراسات المتخصصة في إنجاز الدراسات التقنية حول ترميم و توظيف و رد الاعتبار للمعالم التاريخية و الأثرية و إنتاج الخرائط و التصاميم و الإحصائيات تستخدم اللغة الفرنسية. ناهيك عن أن الدراسات المتصلة بتصاميم التهيئة و التنمية العمرانية التي تنجزها الجماعات المحلية كلها بالفرنسية. في كل المجالات المتصلة بالتنمية الثقافية و السياحية و المجالية لا دور للغة العربية على الإطلاق. كما أن الفرنسية تسيطر سيطرة شبه مطلقة على أشغال و مداولات الاجتماعات الرسمية التي تقام في هذا الشأن.

إهمال اللغة الوطنية في مشاريع التنمية الوطنية المرتكزة على أسس الهوية و الثقافة و التراث التاريخي أمر خطير. و الخطورة هنا مزدوجة لأن في القضية إهمال و تحقير للغة الوطنية في أكثر المجالات حساسية و هي التنمية الثقافية، كما أن فيها تمكين للفرنكفونية و للنخبة المفرنسة في رسم معالم الهوية الوطنية و تسويقها بلغة غير اللغة الوطنية. و هذا يعكس قصوراً عميقا في إدراك مفهوم الثقافة و التراث الثقافي و التنمية برمتها. هذا التشبث العنيد باللغة الأجنبية في التنمية الوطنية هو إستعمار لغوي خالص. و هل كان الإستعمار الفرنسي للمغرب شيئاً آخر غير تدبير أمور الوطن بلغة غير اللغة الوطنية؟

(يتبع)
_________
أبا صادقي: متخصص في الآثار و التراث وباحث في قضايا التنمية و البيئة
صاحب مدونة خرافة التنمية، مدونة متخصصة في نقد التنمية المستديمة
http://abasadki.maktoobblog.com

مشاركات القراء:

كاتب المقال: