التراث : ثروة لا يفرط فيها

عبد الرحمن اكريويلالتراث هو ما خلفه الأجداد لكي يكون عبرة من الماضي نعبر بها من الحاضر إلى المستقبل. والتراث من الحضارة بمثابة الجذور من الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت الجذور كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان.

ويتنوع التراث باختلاف ما تحمله الجذور إلى الشجرة. فقد تحمل إليها قُوتًها المُتمَثل في الأملاح المعدنية وهو بمثابة ما دُوِّن من التراث فإن فُقِد فستصير الأمة كشجرة حبست عنها الأملاح المعدنية فستذبل حتما شيئا فشيئا ثم تضمحل. وقد تحمل الجذور الماء فتتناقله مكونات الشجرة ليشربوا منه واحدا تلو الآخر فيشرب كل سلف ويسلم الماء لخلفه شأن ما تواثرته الأجيال أبا عن جد من تراث شفوي من أمثال شعبية وحكايات هادفة وغيرهما. فمن رفض الماء وحبسه عن نفسه فسيجف من محتواه القومي ثم ينقطع عن سياق حضارته فيسقط من على الشجرة إلى سطح الأرض حيث نقطة الصفر.

في جانب آخر، نلاحظ جريان سلوكيات خاصة في عروق كل أمة. وهو تراث سلوكي يمثله الهواء الذي يبث الحياة في الشجرة فهو ملتصق بها التصاق السلوك بالإنسانية حتى إنها تتحرك بحركته حينما يدغدغها نسيمه العليل. أما ما خلفه الأجداد من آثار ظلت مصانة كالحصون والقصور والسيوف والدروع وغيرها مما شهد على أمجاد أمتنا العظيمة فهو بمثابة المواد العضوية التي تركتها الكائنات الأخرى في التربة بعد مذبلها أو مماتها لكي تنهل منها الشجرة إلى أن تصبح قادرة على تكوين مادتها العضوية بنفسها…

نحن لا نريد حضارة طفيلية ترتوي من تراث الآخر دون تراثها شأن الطفيليات التي تتقوت مما تنتجه الأشجار الأخرى فما إن تحبس عنها الأشجار قوتها حتى تندثر مهما بلغت طولا وعرضا. بل نحن نريد حضارة أصيلة لا تبعية فيها، فهي مستقلة تملك جذورها العميقة في جوف الأرض.

وإننا لنملك جذورا تمكننا حتما من بناء أكبر الحضارات فنحن نملك أساسين مهمين من أسس الحضارة الثلاث، فلنا الجانب الروحي المتجلي في العقيدة الإسلامية الصافية، ولنا الجانب الخلقي الممثل في صفات العروبة والشهامة التي تبثها الإسلام بشريعته العدلى، لا ينقصنا سوى الجانب المادي وهو سرعان ما يتكون وينمو، فنحن لعمري وشجرة الزيتون سيان : جذورنا عميقة، وجذعنا صلب قويم، وغدا -إن شاء الله- تصير أغصاننا متفرعة هنا وهناك، لا كشجر الصفصاف المتطاول، الذي لا جذور له ولا تاريخ فهو سريع النمو يسير الاقتلاع.

غير أني أدق ناقوس الخطر: فيا أمتي إننا نجتث من أصولنا لكي نصبح عمها تلعب بنا الرياح، فنهون فنصير غثاء كالزبد يجري بنا السيل في المنحدرات. إن شجرة حضارتنا لتفصل عن جذورها جذرا جذرا، ولقد أخذت تتمايل وتكاد تنهار، فلنُعِد ربط الجذور بالجذع والتراث بالحاضر لكي تقف حضارتنا منتصبة من جديد ونبعد كل عدو لئيم يطمع في تحطيم كيان أمتنا، فلا نقطع صلتنا بلغتنا التي هي محور هويتنا، ولننتق الأجود والأفيد من تراثنا ونصنه وندونه ونفشيه في مجتمعاتنا، لكي لا ينفلت من بين ظهرانينا، فنصبح هباء منثورا…

-- عن مقال لي يعود ليوم الجمعة 28 فبراير2003 بتصرف --

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

المغرب .. المعذبون فى الأرض

في أحد الايام قررنا أن نزور منابع أم الربيع وهناك ستنقلب الصورة الجميلة التي راقصت العيون وسنصادف على الطريق أطفال لا تظهر لملابسهم ألوان ولا تظهر على وجوههم ملامح أستوقف الصغير السيارة ولكم أن تتوقعوا سنه فقامته بالكاد تصل لزجاج النافذة يحمل بيده سلة صغيرة من التين لا يعرف ألا لغته المحلية ، لم أستطع التواصل معه ، لكني عرفت أنه يريد بيعنا التين تالمت من المشهد خصوصا وأن أبني الصغير الذي لا يكبره ألا بالقليل يطرح علي أسئلة محرجة ماذا يفعل الصغير ؟ لماذا هو هكذا ؟ أين أمه؟..أسئلة بريئة تتعمق عندي لتصبح ، لماذا هذه المنطقة معزولة ؟ أين المسئولين ؟ أين الدولة ؟ أين الوزارة الوصية ؟ أين البرامج الحكومية ؟
. باقى المقال يوجد فى صفحة الحوادث بالرابط التالى

www.ouregypt.us