هل مازال بإمكاننا الحفاظ على لغتنا من الضياع ؟

عزيز العرباويالحفاظ على اللغة في الكتابة هو أساس الذوق اللغوي عند الكاتب كيفما كانت صفته ووظيفته الكتابية، والحاجة إلى التذوق اللغوي، قبل الحاجة إلى المادة المكتوبة، هو أصلا، قائم على الرضا والقبول بالمادة المكتوبة وباللغة المستعملة ومن هنا تكون اللغة خاضعة لضوابط محددة في ولادتها وأثناء خروجها من بوتقة الفكر التراكمي عبر العصور والأزمات وتسلسلها في خط صحيح وصائب ومليء بالولادات غير المريضة .

لقد كبرت مساحة استغلال اللغة مع مرور الزمن، وتعددت الألسنة الناطقة في كثير من الأمم عبر تقدم السنين، وازدياد السكان وتعدد المجتمعات والأمم، حتى أصبح في المجتمع الواحد أكثر من لغة واحدة تتداول فيما بين سكانها والمكونني لها... فأصبحنا نجد إضافة إلى اللغة الأم المتداولة بين الناس في مجتمع ما، لغات أخرى تدرس، ويكتب بها رسميا أو بين مكونات هذا المجتمع، وبالتالي صارت العناية باللغات من أولويات كل إنسان، يعمل بكل جد وجهد في تعلمها هدفا في توسيع معرفته بها أو طلبا في العمل بها أو تحقيق غايات أخرى، كالعمل في الأسلاك الدبلوماسية وتمثيل أمته في دول وأمم أخرى .

ونعود إلى اللغة العربية التي بدورها اتسعت رقعة استعمالها بعد ظهور الدين الإسلامي، وعرفت توغلا عظيما بين الأمم والمجتمعات المنتشرة في المعمور آنذاك وخاصة الأمم التي لا تمت بقرابة إلى اللغة العربية في تواصل أفرادها، فتبنتها، وأسستها لغة أساسية حتى أنه في بعض الأحيان جعلتها لغتها الرسمية والإدارية، ليس في المجال الديني بعد دخول الإسلام إلى هذه الأمم وانتشاره فيها، ولكن حتى في التعامل اليومي والصناعة الفكرية والأدبية ، الأمر الذي جعل العديد من المفكرين والأدباء غير العرب كالفرس مثلا يتخذ اللغة العربية كوسيلة في تعاطيه الفكري والعلمي والأدبي، بل نجد من هؤلاء قد تمكنوا من إتقانها. فأصبحوا بإتقانهم للغة القرآن الكريم أئمة وشيوخا ونحاة وأدباء بارعين .

وجاءت الخلافة العباسية، وتبنت بذلك حركة واسعة للترجمة لأمهات الكتب العملية والأدبية والفكرية، فبدأت الترجمة تتسع دائرتها على يد مترجمين من أصول غير عربية كابن المقفع مثلا، وابنه محمد الذي كان من المترجمين الأوائل للمؤلفات الإغريقية في المنطق والطب إلى اللغة العربية. ثم وسع بعد ذلك هارون الرشيد الخليفة العباسي القوي من نشاط الترجمة إلى اللغة العربية حبا فيها وحفاظا عليها كلغة للعلوم ولكل المعارف الأخرى، وكان ذلك على أسس منهجية وتنظيمية وضابطة، بتكوين لجان للمراقبة والتدوين والنقل ... فعين الفضل بن نوبخت على إدارة خزانة الحكمة التي أسسها كوسيلة مرجعية للعلماء والفلكيين والفزيائيين

والرياضيين... كما اشتهر بعض المترجمين الآخرين الذين لا يقلون أهمية عن ابن المقفع وابنه محمد، بعد وفاة هارون الرشيد وتولي أبنائه الحكم من بعد، فظهر آنذاك ثابت بن قرة وابنه من بعده، واثنان من أحفاده، وواحد من أبناء أحفاده، فترجموا أعمال أرشيمدس وأبولونيوس البرجي ونيقو ماخوس الجرشي... كما اشتهر كذلك في عملية الترجمة حنين بن إسحق بتمكنه من إجادة اللغة العربية والسريانية والإغريقية التي ساعدته في عملية الترجمة كثيرا .

إذا سلمنا بتطور اللغة العربية بين الأمس واليوم، فإن من الحكمة أن هذا التطور على اللسان الناطق لتلك اللغة بعد أن يكون العقل قد أدركها، وأدرك مفرداتها المختلفة الجديدة، من دون أن يكون التجديد بعيدا عن الذوق السليم الجماعي، كبيرا كان أو صغيرا، فرديا كان أو متعددا... ولكن أن يبتعد المبدع والمفكر والمتكلم باللغة العربية عن معنى الألفاظ وتغيير الكلام واللسان وإدخال مفردات من لغة أخرى صوتا ولحنا وإبداعا فهذا سيؤدي لا محالة إلى الطامة الكبر يجنيها على اللغة، لأنه وبكل بساطة، أن اللغة العربية مرتبطة بحياتنا السياسية والفكرية وبحضارتنا التي عمرت لآلاف السنين .

والظاهر أن هذه الصفة التي أصبحت تلبس المفكر والباحث والمتلكم باللغة العربية اليوم باتت واقعة وحقيقة لا مراء فيه، بل تعدى ذلك إلى الإبداع والفن والصحافة والفكر والسياسية وكل ما له علاقة بعالم المعرفة الواسع. ولا يمكننا أن نحدد أسباب الظاهرة بين عشية وضحاها أو بجرة قلم أو بدعاء بسيط، ولا يمكننا أيضا أن نرجع سبب انتشارها إلى سنين الاستعمار أو السيطرة الثقافية والفكرية التي مر بها العالم العربي والإسلامي، أو للقصور الفكري والإبداعي الذي توغل في الأمة قبل عدة قرون من الآن. فسنكون مجحفين في حق الغرب ومقللين من مسؤوليتنا العظمى وراء تردي اللغة العربية، وفتحنا لأبواب العقول عندنا مشرعة ترمح فيها خيول الشعراء والأدباء والمفكرين الغربيين بإنتاجاتهم الأدبية والعلمية، ولو كان من إرادتنا أن نسمل عيون خيولهم ومخيلاتهم ونجلو ضباب المرحلة الاستعمارية عنا، لأدركنا حينها أن كل خيولهم من خشب ستنكسر في حين أيقظنا فرساننا الشعراء والمبدعين من سباتهم العميق .

إذن، فالحفاظ على لغة الضاد قيمة أساسية في صياغة المستقبل لنا والحفاظ عليه وديمومة بقائنا بين الأمم بمميزاتنا القومية والهوياتية. ولا نجد غضاضة في القول بأن رصد مثل هذا الخطر الداهم الذي يحيق بلغتنا العربية، بظهور بعض الظواهر المريضة في النطق والصوت، قد يكون من العسير على القيمين على مجامع اللغة العربية في عالمنا العربي التغلب عليها أو التقليل من استفحالها داخل المجتمعات العربية. وقد ينتقدنا البعض على ما قلناه هنا، بوصف هذا القول بأنه رجعي ومنغلق على الذات ورجوع عن الحداثة الغربية التي تنخر أجسادنا وليست حداثتنا نحن، أو تخلف فكري فارغ المحتوى وأسلوب المعالجة يخترق أسوارا واهية تقف سدودا منيعة في طريق التقدم في كل المجالات بما فيها التقدم اللغوي. والجواب بسيط للغاية، وهو أن الحفاظ على المرجعيات والأصول القومية والهوياتية لكل أمة

في مجالات الإبداع والفكر والعلوم كافة، طريق اللتقدم والازدهار والرقي، فأصل الأمور طريق البناء والتشييد، وسلوك سبيل التطور والتعالي على قيم الظلامية والتخلف والرجعية في ظل تحديث اللغة العربية ومسايرتها لمتغيرات العصر ...
***
عزيز العرباوي
http://elarbaouiaziz.elaphblog.com

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

السلام عليكم،
أين نحن من هذا التاريخ المعطاء؟
لو أن المشرفين على جامعة القرويين اليوم اهتموا أيضا بتدريس العلوم و التكنولوجيا، سوف أكون من الأوائل من يترشحون لنيل شهادة العالمية (أو الدكتوراه) . كيف لا و هي أقدم جامعة لازالت في الخدمة في العالم. و لو كان ذلك باللغة العربية، سوف يكون شرفي أكبر بكثير.
ألا تظنون أنه يتوجب علينا إحياء مجد هذه الجامعة المنيرة؟
هل منكم من يعلم بوجود جمعية ما تعمل في هذا الصدد؟ حبذا لو تقدموا لنا بعض المعلومات من فضلكم.

welja@live.fr (Rhanem Jbilat)email:

جزاكم الله خيرا

عنوان طيب لموضوع حضاري : هل مازال بإمكاننا الحفاظ على لغتنا من الضياع ؟

نعم بملء الفم ,, ولكن ليس بالسهولة التي نريد ,,,

لغتنا العربية بحاجة اهلها اولا ,,,

ثم بحاجة العناية بنحوها وبلاغتها وادبها ,,,

وقبل هذا وذاك لاعادة تبرئتها من تهمة التعقيد ,,

ثم الخروج بها من مأزق الرجعية المتأصلة في عقول من تغربوا عنها ولا زالوا ,,,

اشكر لك موضوعك الرائع والمُلِح ,,,,

ليتنا نعي وتفعل ,,,,

تحياتي لك ,,,

في الحقيقة أنا مقتنة أن لغة الضاد ستغزو العالم عما قريب بإذن الله .. ولا ننسى رغم التخاذل والوهن الذي تمر به لغتنا العربية الفصحى إلا أننا نعرف أنها اللغة الخالدة والوحيدة في الفردوس الأعلى إن شاء الله

المغرب امازيغي Amazighe . هكذا نجدهم يخبرون قراءهم بأن العربية هي لغة القرآن (يا له من سبق!!) ، وكأن هناك من يجهل ذلك . وهم بذلك يريدون أن يوحوا بأن الإسلام والعروبة شيء واحد ؛ وأن من كان مسلما عليه أن يتخلى عن لغته ويصبح عربفونيا بل وعربيا . وهذه رسالة جديدة – رسالة العروبة – ينشرونها بين المغاربة . وهم إذ يفعلون ، يغفلون قصدا حقيقة يعرفها كل الأطفال ، وهي أن اللغة والعرق ليسا مرادفين للدين ، بل ولا توجد بين الثلاثة أية علاقة غير العلاقة التاريخية ، وهي لا تعني شيئا من المنظور الثيولولوجي . إن المسيح مثلا فلسطيني من الناصرة بلغ رسالته الشفوية بالآرامية، ثم تبنتها عبر ألفي سنة من تاريخ العالم لغات شعوب من جميع القارات دون أن تغير هذه الشعوب لا جلدها ولا لغتها لتصير فلسطينية تتكلم الآرامية (ولا الإغريقية ولا اللاتينية، لغتا آباء الكنيسة فيما بعد) . ويعلمون علم اليقين أن ما لا يقل عن عشرين من المائة من العرب لا يدينون بدين الإسلام ؛ وبالمقابل تمثل الشعوب غير العربية وغير الناطقة بالعربية الأغلبية المطلقة من المسلمين ؛ إذ لا يتجاوز عدد العرب الستين مليونا مما يقدر بالمليار ونصف من المسلمين . وهو ما يبطل كليا دعوى العلاقة العضوية أو المنطقية بين العربية والعروبة والإسلام . ولن أضيع وقت القارئ باستدلالات نصية من المتن الإسلامي نفسه على بطلان تلك الدعوى، فهي معلومة لدى الخاص والعام .

إن وراء الأكمة ما وراءها ؛ وليس الدفاع عن الإسلام إلا تعلة للدفاع عن العروبة وضرب الأمازيغية . وبعبارة أخرى إن الإسلام مجرد وسيلة، والغاية هي العروبة. يدل على ذلك تمسكهم المنهجي بقوميتهم العربية في ترديدهم العبارة الاستشراقية "العالم العربي والإسلامي" (le monde arabo-musulman) التي نحتها الاستشراق للتمييز في مجال اشتغاله بين الفضاء الحضاري الناطق بالعربية والفضاءات الحضارية المسلمة الناطقة بلغات أخرى. هكذا يصبح مصطلح إجرائي استحدث لتغطية وقائع موضوعية مفهوما إيديولوجيا يزكي تميز عالم عربي ذي هوية واضحة عن عالم إسلامي سديمي، شعوبه لا هوية لها ولا تاريخ، ولا ثقافة ولا لغة ولا حضارة. إنهم فيما يزعمون الدفاع عن الإسلام تجدهم يتمسكون بقوميتهم حتى الهوس. إنهم لن يقبلوا أبدا أن تذوب العروبة في الإسلام ولا "العالم العربي" في الإسلامي. هكذا يطالبون غيرهم بما لا يرضونه لأنفسهم. إنه مرة أخرى الكيل بمكيالين. إن دينهم هو العروبة ولا شيء سواها. ولو كان دينهم الإسلام لقبلوا التنازل عما قبله من تاريخهم وثقافتهم. أليس الإسلام يجب ما قبله؟!. لكنهم لن يفعلوا أبدا. وهم في تمسكهم بقوميتهم لا يكتفون بالتمسك بتاريخهم الفعلي لما قبل الإسلام (ربما كانوا مستعدين للتنازل عن سورة من سور القرآن، لكن ليس عن قصيدة لامرئ القيس أو طرفة بن العبد أو لبيد أو عنترة أو الشنفرى أو تأبط شرا أو غير هؤلاء ممن يحمل تلامذتنا الأمازيغيون على حفظ أشعارهم واستظهارها)، بل تجدهم يبذلون الجهود العملاقة في بناء تاريخ افتراضي مغرق في القدم يصلهم بفجر الحضارة. فنجد الراحل محمد نجيب البهبيتي، دفين الرباط، في مؤلف ضخم من مجلدين، تحت عنوان "ملحمة جلجامش: المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ" يعمد إلى تخريجات أكروباطية ليثبت أن العرب – قبل الإسلام بآلاف السنين – يرجع إليهم الفضل في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أو من الطبيعة إلى الثقافة. وكذلك قل عن أعمال ناصر الدين الأسد ومن حذا حذوهما بعلم أقل ومكر أكبر.

إن هاجس عراقة الحضارة العربية لدى القوميين العرب هو وحده - لا الوازع الديني – الذي يفسر الحملة الشعواء التي قادها هؤلاء على طه حسين عندما سولت له نفسه أن يشك في صحة الشعر الجاهلي، معتبرا إياه من نظم رواة مسلمين تحت الطلب. لقد جن جنونهم أن رأوا تاريخ ثقافتهم يتقلص تحت قلم صاحب الشك المنهجي بحيث لا يتجاوز القرن السابع للميلاد؛ فحاكمه معاصروه حيا، ولعنه خلفهم ميتا (تنظر الشتائم الساقطة التي كيلت له في "تاريخ الشعر العربي" للبهبيتي وفي مؤلف عن تاريخ الكتابة العربية لناصر الدين الأسد، ندّ عني عنوانه الآن).

ذلك شأنهم في الاستعمال الانتهازي للإسلام في خدمة العروبة اليوم ، كما كان شأنهم مع الاشتراكية حين قرنوها بالعروبة بالأمس . إنهم يسبحون مع التيار الإيديولوجي للساعة ، واضعين نصب أعينهم دائما هدفا واحدا هو العروبة . لذلك لا يجد القوميون العرب كبير عنت في الانضمام إلى الإسلامويين في "مؤتمر قومي- إسلامي" تصاغ توصياته على ضوء فتاوى القرضاوي ، بعد أن كانوا بالأمس "اشتراكيين علمانيين" ، ما دامت قوميتهم العربية محفوظة ؛ فما الأديان والإيديولوجيات إلا وسائل إلى غاية واحدة . ولا بأس بعد من ممارسة الدعارة الإيديولوجية ؛ فالغاية تبرر الوسيلة !

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحية إجلال وإكبار إلى أخي الكريم أمازيغي من المغرب

أصبت أخي في جل ما قلته لكن اسمح لي أن أضيف بعض الملاحظات

أولا كلامك صحيح إذا كان يتحدث عن بعض القوميين العرب وليس عن كل من يدافع عن اللغة العربية

فأنا والله ما يدفعني على الاستماتة في الدفاع عن اللغة العربية إلا حرقتي النابعة من ديني، لذا لا أضع قط اللغة العربية في مقابل الأمازيغية وإنما أنا واع بأن المستهدف هو الإسلام وأن انتزاع العربية يهدف إلى ابعاد المسلمين عن الفهم العميق لدينهم وتذوق حلاوة وعذوبة كلام الله وهذا بالمناسبة الفرق بيننا وبين المسيحيين أو غيرهم فكتابهم المقدس الذي لم يكن أصلا في يوم من الأيام يهدف إلى الإفحام اللغوي تشردم بين اللغات فصارا كتبا وصار معاني مختلفة أخي الكريم المسيحيوم ليسوا مثالا لنا فهم يفصلون الدين على مزاجهم وأحدثك يا أخي وأنا في فرنسا أعايشهم لا أتحدث عن عموم الشعب الذي لا دين له اليوم ولكن عن المبشرين الذين يدعون حمل رسالة المسيح عليه السلام.

العروبيون كما قلت يفزعونني عندما يتحدثون بلغة ملأها العنصرية واضعين العرب في مواجهة باقي القوميات وساعين بذلك إلى تفرد قومية بالسيادة على غيرها من دون وجه حق، أقول لك ذلك أخي وأنا من أوسط العرب نسبا فأنا من آل بيت سيدي وحبيبي محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين جعلني الله وإياك منهم آمين

والله إني لأحس بالتقزز عندما يفتخر بعضهم ببعض الجاهلين وإن كنت أقدر قوة لغتهم وروعتها كوني من محبي الشعر لكني لا أحس باناتماء قوي إليهم كيف لا والله أبدلني بانتماء إلى أهل الحق من المسلمين في كل آن وحين

وعلى سبيل المثال أتعجب لما يوضع يقال "نحيي أردوغان وتشافيز العربيان أكثر من الحكام العرب اللذان تضامنا إنسانيا مع غزة" ويجمعون أردغان المسلم الذي هو أولى من فلسطين من أكثرهم مع تشافيز، ويشيرون لفداحة توصيفهم أن الجدور الإسلامية لأردوغان قد تكون وراء مواقفه، محرفين البوصلة عن الحق الجلي أن الإسلام هو الوحيد الذي يحرك الأمة للذود عن حمى ذلك البلد المبارك

العرب المسيحيون هم الوحيدون الذي أقبل منهم العروبة واصطفافهم تحت رايتها مع المسلمين في قضايا مشتركة، أما الإسلام كما قلت أخي الكريم فيجب ما قبله.

والحقيقة أن دولا عديدة من الدول العربية خصوصا في المشرق إن لم تكن كلها، صارت لا شرعية لها في الإسلام ولا لمواقفها فحنت إلى جاهليتها التي هي أقل إحراجا لها من تعاليم الإسلام باحثة في معاني الحمية والقبلية والعصبية عن شرعيات واهية تجمعها بأبي جهل وأمية بن خلف في خانة واحدة، ورسول الله صلى الله قال من قبل عن العصبية "أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم، دعوها فإنها منتنة"

هل العرب مسلمون ؟! د. شاكر النابلسي العربي . -1-
إنه سؤال من أسئلة الحمقى!

ولكن أين أسئلة العقلاء هذه الأيام في الفضاء العربي والإسلامي؟

عندما جاء الإسلام إلى العرب قبل خمسة عشر قرناً، كان العرب في أشد الحاجة إليه. ولولا خوفهم من أن الدين الجديد سوف يهدد أمنهم ويقضي على تجارتهم والسياحة الدينية التي كانت تجلبها الأصنام لهم، ويثوّر عليهم العبيد والأُجراء والمستخدمين والمعذبين في الأرض، وهو ما عبّر عنه القرآن بقوله: (وقالوا ان نتبع معك الهدى نتخطّف من أرضنا) (سورة القصص، آية 58) لدخلوا في دين الله أفواجاً منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، ولما بقي الرسول يدعوهم في مكة طيلة خمس عشرة سنة، دون أن يستطيع ادخال أكثر من 150 مسلماً فقط في الإسلام. وخاصة أن قبيلة قريش كانت هي المستفيدة الوحيدة من الإسلام، كما لم تستفد أية طائفة أخرى في التاريخ من أيديولوجية أرضية أو سماوية. وهي التي عبّأت خزائنها بفضل الغزو الديني المسلح بمال وفير لا حصر له، وامتلأت بيوتها وشوارعها وتجارتها بالعبيد والجواري والقيان والسبايا الذين بلغ عددهم أضعاف أضعاف ما كان قبل الإسلام، وحكمت امبراطورية تمتد من الشرق إلى الغرب طوال ستة قرون متوالية (632- 1258م) ومن أبي بكر إلى أخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله.

ولكن قريشاً والعرب من ورائها استفادوا من الإسلام حضارياً وثقافياً رغم هذه المظاهر المادية الصرفة التي استفادت منها قريش واستفاد منها العرب من بعدهم على وجه الخصوص، حيث لم يحكم الامبراطورية الإسلامية طوال ستة قرون غير حكام عرب مسلمين وقرشيين، علماً بأنها كانت "إمبراطورية اسلامية" وليست عربية فقط؛ أي يحق لعبد ذي زبيبة أن يحكمها فيما لو كان صالحاً للحكم، ولكن يبدو أن لا حاكم صالحاً من غير قريش كان صالحاً للحكم، وهو ما ينطبق الآن على العالم العربي، حيث لا حاكم صالحاً غير ما هو ظاهر على الشاشة، يحكم عشرات السنين، دون نائب منظور، ثم يفاجأ القوم بأن النائب كان في كُم الحاكم الساحر، وهو الابن الشاطر.

فدخلت الإسلام شعوب متقدمة في حضارتها وعمرانها وآدابها وفنونها وعلومها، وتشكّلت فيما بعد ما يُعرف بالحضارة الإسلامية، وما كان الإسلام غير قشرة ذهبية روحانية طُليت بها هذه الحضارات التي كانت قائمة قبل الإسلام كالحضارة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، كما لم يكن الإسلام غير عنوان جديد لهذه الحضارات التي تخلت عن اسمائها ورضيت، نتيجة لظروف تاريخية معينة ومختلفة التخلي عن اسمها والعيش تحت اسم جديد وهو "الحضارة الإسلامية" التي قاد مسيرتها فيما بعد - في أغلب العصور والحقول - علماء ومفكرون وشعراء وفلاسفة ولغويون من غير العرب.

-2-

رضي العرب بالإسلام ورحبوا وتمسكوا به طيلة ستة قرون من بداية العهد الراشدي حتى نهاية العصر العباسي، لأنه كان "الكنز" و "مفتاح الثراء" في الحياة. فهو الذي أمكنهم من السلطة ومن المال. وكان عليهم أن يتشبثوا به، وإلا ماتوا جوعاً وتشردوا في الأرض، حيث لا صناعة لهم تُغنيهم، ولا زراعة لهم تُطعمهم، ولا ثروة طبيعة في باطن الأرض تُسعدهم، وليس لهم من مصدر رزق غير الجزية، وغير ما يكسبوه في الغزوات من مال وأرض ونساء وعبيد. وكان الاقتصاد الإسلامي على هذا النحو هو بحق "اقتصاد حرب" طيلة ستة قرون من حياة الامبراطورية الإسلامية. لذا، كان يتوجّب على العرب طوال ستة قرون أن يكونوا تحت السلاح دائماً، وفي حالة حرب دائمة وغزو مستمر، تأكيداً لقول الرسول: ( جُعل رزقي تحت ظل رمحي)؛ أي لا عيش ولا حياة إلا للمحاربين! وكان كل ذلك في ظل عدم وجود أيديولوجيات عظمى تتحدى المُلك الإسلامي وتنتزع منه الأرض، ودون وجود قوى سياسية وعسكرية عظمى تتحدى الامبراطورية الإسلامية وتهددها، وتنتزع منها السلطة والمال.

-3-

في العصر الحديث لم يعد الإسلام - كدين للعرب - قادراً على أن يُستخدم كسلاح لغزو الآخرين في ظل وجود ايديولوجيات أرضية جديدة وقوية، وفي ظل وجود قوى عظمى وصغرى متفوقة على العرب ليس بالدين، ولكن بالقوة العسكرية وبالعلم والصناعة والفكر والمعلومات والإعلام.. الخ.

كما أن العرب المسلمين لم يعودوا قادرين على تجييش الجيوش لغزو الآخرين والاستيلاء على أراضيهم، وسبي نساءهم، وتعيين الولاة عليها بحجة نشر الدين، بل هم غير قادرين على استرجاع ما انتُزع منهم من أراضٍ من قِبل دول اسلامية كتركيا وإيران، ومن قِبل دول أوروبية كأسبانيا، ومن قِبل إسرائيل.

وفي العصر الحديث انحطَّ العرب ليس بالشعارات والخُطب فقط، ولكن بالحقائق العلمية والتاريخية إلى الدرك الأسفل علمياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً، واصبحت قيمهم قيماً غاباتية ليست انسانية ولا رحمانية، ولم يُصدِّق العرب وجههم القبيح في مرآة تقريري التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعامي 2002، 2003، فتعالوا، وأنكروا، واستكبروا، وكابروا، واتهموا معدي التقريرين (وكلهم قاطبة من النخب العربية الأقحاح ذات الكفاءات العالية) بأنهم من "الصهاينة" ومن "عملاء المخابرات الأمريكية"، وبأن هذين التقريرين "مؤامرة جديدة" على العرب والإسلام.

-4-

والعرب أمة منذ زمن طويل كانت حاكمة غير محكومة، وسيدة غير مسودة، وغازية غير مغزيّة، ومُرسِلة غير مُتلقية، وهادية غير مهدية، وقاضية غير متهمة، وحاكمة غير محكومة، وظالمة غير مظلومة، ولها الصدر دون العالمين أو القبر.. الخ. ولكنها وجدت نفسها في هذا العصر الحاضر على عكس ذلك، وأنها في الدرك الأسفل من الأمم، وليس تحتها في قائمة العالم غير الصحراء الإفريقية الجنوبية فقط. فما العمل لكي تحاول أمة العرب ولو في الخيال والأحلام أن تعيد مجد الماضي، وتصبح شغل العالم الشاغل، والسيف المُهاب، وقاطعة الرقاب؟

عليها أن تخطف الإسلام أولاً، وهو كل ما تملكه في دنياها، ثم تأسره بعيداُ في جبال أفغانستان وكهوفه، وتسرقه من قبل حفنة من المفترين على الدين، وتؤوّله، ثم تحيله إلى موجات من العنف والارهاب وقطع الرقاب. وتأتي بإسلام عربي جديد لا علاقة له بإسلام الآخرين في العالم، الذين يمثلون 81 ٪، بينما لا يمثل العرب غير 19 ٪من العالم الإسلامي. وإسلام العرب الآن هذا، له فرسانه الملثمين الظاهرين على شاشات الفضائيات، وله فضائياته وصحفه وكتبته، وله فقهاؤه المُعممون ذوي الوجوه الثلاثة: وجه للعرب، ووجه للغرب، ووجه ثالث للتراجع، فقهاء الدماء، وفقهاء الفتاوى والفتاوى المضادة، وله أصوليوه المقنعون بقناع الدين المخطوف والمزوّر كما قال المفكر الليبي المرحوم الصادق النيهوم في كتابه (الإسلام في الأسر).

-5-

فماذا يفعل باقي العرب الآن من المسلمين الصامتين، وهم الأغلبية الصامتة لكي ينقذوا الإسلام مما هو فيه من محنة على يد الفقهاء والخاطفين والسارقين له، والمنتفعين به؟

على العرب أن يعترفوا الآن بأنهم غير مسلمين، وأنهم أبرياء من الإسلام، والإسلام بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حماية وصيانة لشرف الاسلام، ولكي يفوّتوا على الغرب اتهام "الإسلام العربي" بالارهاب، ولكي تبقى الحقيقة ساطعة وهي أن العرب - بعيداً عن الإسلام - هم الارهابيون، وليس الإسلام ورسالته الإنسانية التي لم تعرف الارهاب.

فالمسلمون من غير العرب ليسوا ارهابيين. فالاتراك ليسوا ارهابيين، وكذلك الباكستانيون، والإندونيسيون، والماليزيون، والبنجلادشيون، وكافة مسلمي العالم. وما جرى في تركيا والباكستان وإندونيسيا ليس من فعل المسلمين الآسيويين ولكنه من فعل العرب المسلمين وبأموالهم وبتخطيطهم. فتركيا وشعوب آسيا المسلمة لم تعرف الارهاب قبل ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وجناحها العريض والطويل: "القاعدة"، وقبل انتشار العُربان الأفغان في العالم.

إن الجرائم الارهابية الفظيعة التي ارتكبت في الجزائر والمغرب والسعودية واليمن والأردن ومصر والعراق وروسيا واسبانيا وأمريكا وفرنسا كانت من تدبير عرب مسلمين، وليس من تدبير مسلمين من غير العرب. وأن هذه البلاد التي انتكبت بالارهاب الدموي لم تعرف الارهاب على هذا النحو من العنف والوحشية (باستثناء مصر، قاعدة الارهاب المتأسلم قبل عام 1990 لوجود المركز الرئيسي لجماعة الإخوان المسلين ، مركز اشعاع الارهاب في العالم الآن) قبل أن يخطف العرب الإسلام ويكونوا "التنظيمات السرية الخاصة"، ويهربوا به الى تورا بورا وكهوف افغانستان وسراديب الفالوجة.

فهل ما زال العرب مسلمين إسلام محمد عليه السلام؟

-6-

لا يغُرنّك هذا العدد الكبير من المساجد في العالم العربي.

ولا يغُرنّك هذا العدد الهائل من رجال الدين، وهم الذين يطلق عليهم "العلماء" والأكثر عدداً من الخبراء في العالم العربي!

ولا يغُرنّك هذه الملايين من المسلمين التي تملأ المساجد كل يوم جمعة، ولا هذه الملايين التي تفد إلى الحج كل عام، ولا هذه الملايين التي تصلي التراويح في كل ليلة من ليالي رمضان.

ولا يغُرنّك الآلاف من كتب اجترار الدين دون نقده، التي تصدر كل عام في العالم العربي، والتي يتغرغر بها "المسلمون" غرغرةً، دون تفكير أو تأمل أو تدبّر.

لقد تحوّل الإسلام عند هؤلاء من قيم اخلاقية، وواقعية سياسية، وعقل، وتدبّر، ودين حوار، وقبول، ورضا بالفكر الآخر، إالى تعاويذ، وسحر، وشعوذة، وفتاوى سياسية مدفوعة الثمن، وإلى دين شعائر وطقوس، تؤدى كما تؤدى الإلعاب الرياضية الروتينية المفروضة، في طوابير الصباح على طلبة المدارس.

-7-

نحن نعلم أن محمداُ عليه السلام كان خاتم الأنبياء والمرسلين. وكان ذلك الختام ذا معنى كبيراً، وهو أن البشرية قد شبّت عن الطوق بعد ذلك، وبلغت سن الرشد، ولم تعد بحاجة إلى أنبياء، وأنها بهذا الختام مدعوة لأن تتولى أمرها بنفسها دون أنبياء أو مرسلين. ولكنا اكتشفنا نحن العرب الآن، بأننا ما زلنا قُصّراً، ولم نبلغ سن الرشد بعد، وبأننا رُددنا إلى أرذل العمر، وهو إما الشيخوخة أو الطفولة، وأننا بحاجة إلى رحمة من الله لانقاذ دينه من سوء ما فعلنا به.

فهل يبعث الله فينا محمداً من جديد، لكي يحارب هذه الجاهلية التي نحن فيها كما حاربها من قبل؟

وهل يبعث الله فينا محمداُ من جديد، لكي يحارب أصنامنا وطواطمنا الجديدة أمثال ابن لادن والظواهري والقرضاوي والغنوشي والترابي والرفاعي والبيومي والزيدان وغيرهم، كما حارب أصنام الجاهلية الأولى؟

هل يبعث الله فينا من يجدد له دينه، ويعيده من سارقيه ومختطفيه ومشوهيه ومزوّريه ومن فقهائه المرتزقة، أصحاب الفتاوى والفتاوى المضادة، ويصفّيه من الارهاب والاستغلال، وينقيه من المتاجرة وطلب السلطان؟

فيا محمد الهادي، انهض لتر ماذا فعل الفقهاء بإسلامك.

لقد شرّعوا ما لم يأتِ به قرآنك، وما لم تأتِ به أحاديثك، وقالوا ما لم تقله، وفعلوا ما لم تفعله، وجاءونا بإسلام جديد هو "إسلام الفقهاء" وليس إسلامك.

قُمْ يا أبا عبد الله لكي تُخلّصنا، وتعيد هذا الدين إلى دنيانا المعاصرة بعد أن أصرَّ الفقهاء على سجنه في الماضي السحيق، بين مكة والمدينة فقط.

تعال لتر ماذا فعل الفقهاء بأصحاب الكتاب، فسوف ترد هذا الدين من غربته ومن مختطفيه في الجبال والكهوف والسراديب، دون هجرة، ودون قطع لطريق قوافل المشركين، ودون غزوات، ودون هدر دماء، وسوف تعقد صلحاً حضارياً جديداً بشجاعتك مع "الكفار"، كما عقدت صلح الحديبية مع مشركي قريش رغم اعتراض الصحابة، وسوف تسخر ممن يريدون رفع راية الإسلام فوق قصر بكنجهام في لندن، واقامة الخلافة الإسلامية هناك.

تعال أيها الحبيب، وأنظر ماذا فعل المسلمون والفقهاء بإسلامك منذ أن رحلت عن دنيانا إلى اليوم. لقد أصبحوا مسلمين بلا إسلامك، ولكن بإسلام الفقهاء، بل هم بدون إسلام أياً كان كما قال الشيخ محمد عبده منذ قرن من الزمان.

انهض أيها الهادي، لكي ترد الإسلام من غربته، فلا أحد غيرك قادر على رده .

هل العرب مسلمون ؟!
إنه سؤال من أسئلة الحمقى!

ولكن أين أسئلة العقلاء هذه الأيام في الفضاء العربي والإسلامي؟

عندما جاء الإسلام إلى العرب قبل خمسة عشر قرناً، كان العرب في أشد الحاجة إليه. ولولا خوفهم من أن الدين الجديد سوف يهدد أمنهم ويقضي على تجارتهم والسياحة الدينية التي كانت تجلبها الأصنام لهم، ويثوّر عليهم العبيد والأُجراء والمستخدمين والمعذبين في الأرض، وهو ما عبّر عنه القرآن بقوله: (وقالوا ان نتبع معك الهدى نتخطّف من أرضنا) (سورة القصص، آية 58) لدخلوا في دين الله أفواجاً منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، ولما بقي الرسول يدعوهم في مكة طيلة خمس عشرة سنة، دون أن يستطيع ادخال أكثر من 150 مسلماً فقط في الإسلام. وخاصة أن قبيلة قريش كانت هي المستفيدة الوحيدة من الإسلام، كما لم تستفد أية طائفة أخرى في التاريخ من أيديولوجية أرضية أو سماوية. وهي التي عبّأت خزائنها بفضل الغزو الديني المسلح بمال وفير لا حصر له، وامتلأت بيوتها وشوارعها وتجارتها بالعبيد والجواري والقيان والسبايا الذين بلغ عددهم أضعاف أضعاف ما كان قبل الإسلام، وحكمت امبراطورية تمتد من الشرق إلى الغرب طوال ستة قرون متوالية (632ء 1258م) ومن أبي بكر إلى أخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله.

ولكن قريشاً والعرب من ورائها استفادوا من الإسلام حضارياً وثقافياً رغم هذه المظاهر المادية الصرفة التي استفادت منها قريش واستفاد منها العرب من بعدهم على وجه الخصوص، حيث لم يحكم الامبراطورية الإسلامية طوال ستة قرون غير حكام عرب مسلمين وقرشيين، علماً بأنها كانت "إمبراطورية اسلامية" وليست عربية فقط؛ أي يحق لعبد ذي زبيبة أن يحكمها فيما لو كان صالحاً للحكم، ولكن يبدو أن لا حاكم صالحاً من غير قريش كان صالحاً للحكم، وهو ما ينطبق الآن على العالم العربي، حيث لا حاكم صالحاً غير ما هو ظاهر على الشاشة، يحكم عشرات السنين، دون نائب منظور، ثم يفاجأ القوم بأن النائب كان في كُم الحاكم الساحر، وهو الابن الشاطر.

فدخلت الإسلام شعوب متقدمة في حضارتها وعمرانها وآدابها وفنونها وعلومها، وتشكّلت فيما بعد ما يُعرف بالحضارة الإسلامية، وما كان الإسلام غير قشرة ذهبية روحانية طُليت بها هذه الحضارات التي كانت قائمة قبل الإسلام كالحضارة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، كما لم يكن الإسلام غير عنوان جديد لهذه الحضارات التي تخلت عن اسمائها ورضيت، نتيجة لظروف تاريخية معينة ومختلفة التخلي عن اسمها والعيش تحت اسم جديد وهو "الحضارة الإسلامية" التي قاد مسيرتها فيما بعد ء في أغلب العصور والحقول ء علماء ومفكرون وشعراء وفلاسفة ولغويون من غير العرب.

ء2ء

رضي العرب بالإسلام ورحبوا وتمسكوا به طيلة ستة قرون من بداية العهد الراشدي حتى نهاية العصر العباسي، لأنه كان "الكنز" و "مفتاح الثراء" في الحياة. فهو الذي أمكنهم من السلطة ومن المال. وكان عليهم أن يتشبثوا به، وإلا ماتوا جوعاً وتشردوا في الأرض، حيث لا صناعة لهم تُغنيهم، ولا زراعة لهم تُطعمهم، ولا ثروة طبيعة في باطن الأرض تُسعدهم، وليس لهم من مصدر رزق غير الجزية، وغير ما يكسبوه في الغزوات من مال وأرض ونساء وعبيد. وكان الاقتصاد الإسلامي على هذا النحو هو بحق "اقتصاد حرب" طيلة ستة قرون من حياة الامبراطورية الإسلامية. لذا، كان يتوجّب على العرب طوال ستة قرون أن يكونوا تحت السلاح دائماً، وفي حالة حرب دائمة وغزو مستمر، تأكيداً لقول الرسول: ( جُعل رزقي تحت ظل رمحي)؛ أي لا عيش ولا حياة إلا للمحاربين! وكان كل ذلك في ظل عدم وجود أيديولوجيات عظمى تتحدى المُلك الإسلامي وتنتزع منه الأرض، ودون وجود قوى سياسية وعسكرية عظمى تتحدى الامبراطورية الإسلامية وتهددها، وتنتزع منها السلطة والمال.

ء3ء

في العصر الحديث لم يعد الإسلام ء كدين للعرب ء قادراً على أن يُستخدم كسلاح لغزو الآخرين في ظل وجود ايديولوجيات أرضية جديدة وقوية، وفي ظل وجود قوى عظمى وصغرى متفوقة على العرب ليس بالدين، ولكن بالقوة العسكرية وبالعلم والصناعة والفكر والمعلومات والإعلام.. الخ.

كما أن العرب المسلمين لم يعودوا قادرين على تجييش الجيوش لغزو الآخرين والاستيلاء على أراضيهم، وسبي نساءهم، وتعيين الولاة عليها بحجة نشر الدين، بل هم غير قادرين على استرجاع ما انتُزع منهم من أراضٍ من قِبل دول اسلامية كتركيا وإيران، ومن قِبل دول أوروبية كأسبانيا، ومن قِبل إسرائيل.

وفي العصر الحديث انحطَّ العرب ليس بالشعارات والخُطب فقط، ولكن بالحقائق العلمية والتاريخية إلى الدرك الأسفل علمياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً، واصبحت قيمهم قيماً غاباتية ليست انسانية ولا رحمانية، ولم يُصدِّق العرب وجههم القبيح في مرآة تقريري التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعامي 2002، 2003، فتعالوا، وأنكروا، واستكبروا، وكابروا، واتهموا معدي التقريرين (وكلهم قاطبة من النخب العربية الأقحاح ذات الكفاأت العالية) بأنهم من "الصهاينة" ومن "عملاء المخابرات الأمريكية"، وبأن هذين التقريرين "مؤامرة جديدة" على العرب والإسلام.

ء4ء

والعرب أمة منذ زمن طويل كانت حاكمة غير محكومة، وسيدة غير مسودة، وغازية غير مغزيّة، ومُرسِلة غير مُتلقية، وهادية غير مهدية، وقاضية غير متهمة، وحاكمة غير محكومة، وظالمة غير مظلومة، ولها الصدر دون العالمين أو القبر.. الخ. ولكنها وجدت نفسها في هذا العصر الحاضر على عكس ذلك، وأنها في الدرك الأسفل من الأمم، وليس تحتها في قائمة العالم غير الصحراء الإفريقية الجنوبية فقط. فما العمل لكي تحاول أمة العرب ولو في الخيال والأحلام أن تعيد مجد الماضي، وتصبح شغل العالم الشاغل، والسيف المُهاب، وقاطعة الرقاب؟

عليها أن تخطف الإسلام أولاً، وهو كل ما تملكه في دنياها، ثم تأسره بعيداُ في جبال أفغانستان وكهوفه، وتسرقه من قبل حفنة من المفترين على الدين، وتؤوّله، ثم تحيله إلى موجات من العنف والارهاب وقطع الرقاب. وتأتي بإسلام عربي جديد لا علاقة له بإسلام الآخرين في العالم، الذين يمثلون 81 ٪، بينما لا يمثل العرب غير 19 ٪من العالم الإسلامي. وإسلام العرب الآن هذا، له فرسانه الملثمين الظاهرين على شاشات الفضائيات، وله فضائياته وصحفه وكتبته، وله فقهاؤه المُعممون ذوي الوجوه الثلاثة: وجه للعرب، ووجه للغرب، ووجه ثالث للتراجع، فقهاء الدماء، وفقهاء الفتاوى والفتاوى المضادة، وله أصوليوه المقنعون بقناع الدين المخطوف والمزوّر كما قال المفكر الليبي المرحوم الصادق النيهوم في كتابه (الإسلام في الأسر).

ء5ء

فماذا يفعل باقي العرب الآن من المسلمين الصامتين، وهم الأغلبية الصامتة لكي ينقذوا الإسلام مما هو فيه من محنة على يد الفقهاء والخاطفين والسارقين له، والمنتفعين به؟

على العرب أن يعترفوا الآن بأنهم غير مسلمين، وأنهم أبرياء من الإسلام، والإسلام بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حماية وصيانة لشرف الاسلام، ولكي يفوّتوا على الغرب اتهام "الإسلام العربي" بالارهاب، ولكي تبقى الحقيقة ساطعة وهي أن العرب ء بعيداً عن الإسلام ء هم الارهابيون، وليس الإسلام ورسالته الإنسانية التي لم تعرف الارهاب.

فالمسلمون من غير العرب ليسوا ارهابيين. فالاتراك ليسوا ارهابيين، وكذلك الباكستانيون، والإندونيسيون، والماليزيون، والبنجلادشيون، وكافة مسلمي العالم. وما جرى في تركيا والباكستان وإندونيسيا ليس من فعل المسلمين الآسيويين ولكنه من فعل العرب المسلمين وبأموالهم وبتخطيطهم. فتركيا وشعوب آسيا المسلمة لم تعرف الارهاب قبل ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وجناحها العريض والطويل: "القاعدة"، وقبل انتشار العُربان الأفغان في العالم.

إن الجرائم الارهابية الفظيعة التي ارتكبت في الجزائر والمغرب والسعودية واليمن والأردن ومصر والعراق وروسيا واسبانيا وأمريكا وفرنسا كانت من تدبير عرب مسلمين، وليس من تدبير مسلمين من غير العرب. وأن هذه البلاد التي انتكبت بالارهاب الدموي لم تعرف الارهاب على هذا النحو من العنف والوحشية (باستثناء مصر، قاعدة الارهاب المتأسلم قبل عام 1990 لوجود المركز الرئيسي لجماعة الإخوان المسلين ، مركز اشعاع الارهاب في العالم الآن) قبل أن يخطف العرب الإسلام ويكونوا "التنظيمات السرية الخاصة"، ويهربوا به الى تورا بورا وكهوف افغانستان وسراديب الفالوجة.

فهل ما زال العرب مسلمين إسلام محمد عليه السلام؟

ء6ء

لا يغُرنّك هذا العدد الكبير من المساجد في العالم العربي.

ولا يغُرنّك هذا العدد الهائل من رجال الدين، وهم الذين يطلق عليهم "العلماء" والأكثر عدداً من الخبراء في العالم العربي!

ولا يغُرنّك هذه الملايين من المسلمين التي تملأ المساجد كل يوم جمعة، ولا هذه الملايين التي تفد إلى الحج كل عام، ولا هذه الملايين التي تصلي التراويح في كل ليلة من ليالي رمضان.

ولا يغُرنّك الآلاف من كتب اجترار الدين دون نقده، التي تصدر كل عام في العالم العربي، والتي يتغرغر بها "المسلمون" غرغرةً، دون تفكير أو تأمل أو تدبّر.

لقد تحوّل الإسلام عند هؤلاء من قيم اخلاقية، وواقعية سياسية، وعقل، وتدبّر، ودين حوار، وقبول، ورضا بالفكر الآخر، إالى تعاويذ، وسحر، وشعوذة، وفتاوى سياسية مدفوعة الثمن، وإلى دين شعائر وطقوس، تؤدى كما تؤدى الإلعاب الرياضية الروتينية المفروضة، في طوابير الصباح على طلبة المدارس.

ء7ء

نحن نعلم أن محمداُ عليه السلام كان خاتم الأنبياء والمرسلين. وكان ذلك الختام ذا معنى كبيراً، وهو أن البشرية قد شبّت عن الطوق بعد ذلك، وبلغت سن الرشد، ولم تعد بحاجة إلى أنبياء، وأنها بهذا الختام مدعوة لأن تتولى أمرها بنفسها دون أنبياء أو مرسلين. ولكنا اكتشفنا نحن العرب الآن، بأننا ما زلنا قُصّراً، ولم نبلغ سن الرشد بعد، وبأننا رُددنا إلى أرذل العمر، وهو إما الشيخوخة أو الطفولة، وأننا بحاجة إلى رحمة من الله لانقاذ دينه من سوء ما فعلنا به.

فهل يبعث الله فينا محمداً من جديد، لكي يحارب هذه الجاهلية التي نحن فيها كما حاربها من قبل؟

وهل يبعث الله فينا محمداُ من جديد، لكي يحارب أصنامنا وطواطمنا الجديدة أمثال ابن لادن والظواهري والقرضاوي والغنوشي والترابي والرفاعي والبيومي والزيدان وغيرهم، كما حارب أصنام الجاهلية الأولى؟

هل يبعث الله فينا من يجدد له دينه، ويعيده من سارقيه ومختطفيه ومشوهيه ومزوّريه ومن فقهائه المرتزقة، أصحاب الفتاوى والفتاوى المضادة، ويصفّيه من الارهاب والاستغلال، وينقيه من المتاجرة وطلب السلطان؟

فيا محمد الهادي، انهض لتر ماذا فعل الفقهاء بإسلامك.

لقد شرّعوا ما لم يأتِ به قرآنك، وما لم تأتِ به أحاديثك، وقالوا ما لم تقله، وفعلوا ما لم تفعله، وجاءونا بإسلام جديد هو "إسلام الفقهاء" وليس إسلامك.

قُمْ يا أبا عبد الله لكي تُخلّصنا، وتعيد هذا الدين إلى دنيانا المعاصرة بعد أن أصرَّ الفقهاء على سجنه في الماضي السحيق، بين مكة والمدينة فقط.

تعال لتر ماذا فعل الفقهاء بأصحاب الكتاب، فسوف ترد هذا الدين من غربته ومن مختطفيه في الجبال والكهوف والسراديب، دون هجرة، ودون قطع لطريق قوافل المشركين، ودون غزوات، ودون هدر دماء، وسوف تعقد صلحاً حضارياً جديداً بشجاعتك مع "الكفار"، كما عقدت صلح الحديبية مع مشركي قريش رغم اعتراض الصحابة، وسوف تسخر ممن يريدون رفع راية الإسلام فوق قصر بكنجهام في لندن، واقامة الخلافة الإسلامية هناك.

تعال أيها الحبيب، وأنظر ماذا فعل المسلمون والفقهاء بإسلامك منذ أن رحلت عن دنيانا إلى اليوم. لقد أصبحوا مسلمين بلا إسلامك، ولكن بإسلام الفقهاء، بل هم بدون إسلام أياً كان كما قال الشيخ محمد عبده منذ قرن من الزمان.

انهض أيها الهادي، لكي ترد الإسلام من غربته، فلا أحد غيرك قادر على رده . د. شاكر النابلسي العربي . http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=23972

الأخ الكريم عبد الرحمن . أزول نْ رْبّي فْلاّك / سلام الله عليك . الحقيقة إن كلامك كله درر ، وأنا أحب النقاش مع أمثالك من العقلاء الذين يعلمون حق العلْم أن هناك قرقاً شاسعاً وبوْناً كبيراً بين العُروبة كعرق عربي خاص بالعرب والعُروبيين وحدهم ، وبين الإسلام كدين كوني عالَمي إنساني ، لا جنسية له ولا هُوية ولا انتماء ولا وطن... ثانميرت ثاومات / شكراً لك أخي . أزول فلاك