ثقافات الآخرين عائقا للتقدم

محمد إدريسجلست بالأمس مع أحد الأصدقاء نتناقش حول مشكلة يواجهها، وهي أن صديقي يدرس اللغة الإنجليزية في معهد لغات تابع لجامعة إسلامية، والمشكلة أنه يريد ترك ذلك المعهد لأنه يركز كثيرا على قواعد اللغة دون الاهتمام بالمحادثة، ولكنه يخشى أن يذهب إلى معهد آخر فيه بعض الممارسات التي لا يريد بصفته رجلا ملتزما بالدين القيام بها.

حاولت إقناع صديقي بالقول أنني شخصيا لا أمانع في أن أشاهد فيلما أو استمع إلى أغنية في سبيل أن أتعلم لغة أجنبية، وذلك لأنني أصلا استمع إلى الأغاني وأشاهد الأفلام. أما الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها أحدهم أو إحداهن في الفصل فإني لست ملزما يالمشاركة فيها طالما أنها لا تتفق مع أخلاقي.

وبعد الكثيرمن النقاش والتفكير تولدت لدي قناعة أن المشكلة أكبر بكثير من قبلة عابرة رأينا مثلها واستنكرناها في العديد من الأفلام العربية أو من جسد عار في فيلم هوليودي. إذ أن المعضلة التي تواجه العديد من المعرضين للثقافة الأمريكية أو الفرنسية هي أن تلك الثقافة مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا العربية، فالقضية ليست دينية فقط، وإنما ثقافية أيضا. وبعض أفلام هوليود يمكن اعتبارها خالية من المشاهد الجارحة، ولكن نمط الحياة الذي تصوره لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا.

وإذا أخذنا الحب مثالا على الاختلافات الجذرية بيننا وبين أمريكا فإننا نرى مثلا في الأفلام الفرنسية أو الأمريكية أن ممارسة الجنس بين حبيبين غير متزوجين يقوي علاقة الحب بينهما، بينما ترى المجتمعات العربية في أغلب الحالات أن الرجل لا يمكن أن يثق بامرأة ويتزوجها بعد أن فرطت في جسدها. ففي هذه الحالة نرى أن ممارسة الجنس تقوي علاقة الحب في مجتمع وتنهي تلك العلاقة في مجتمع آخر. وهذا من اختلاف الطبائع بين المجتمعات.

وينتج عن ذلك أن بعضا من الناس قد يرون أن الحب شيء سيئ، وذلك لأنهم يربطونه بالحب على الطريقة الغربية، وهو ما لا يريدونه. ولذلك تجد بعضهم يستفتي علماء الدين متسائلا عن حكم الحب. وتجد البعض الآخر يبتعد عن الحب تماما ولسان حاله "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه".

ويجادل البعض أن علينا أن نقلد الغرب في أخلاقهم الحسنة، وهم بذلك يتناسون أن الأخلاق الحسنة ليست ملكا لأحد. فهل الانضباط في العمل خلق أمريكي؟ أم ألماني؟ أم ياباني؟ أم فرنسي؟ والحق أن الكثير من الأخلاق الحسنة معروفة لدى الكثير من الشعوب، ولكن طريقة تطبيقها وترتيبها حسب الأولوية وطبيعة كل مجتمع هو ما يميز حضارة عن أخرى.

وختاما يجب القول أن نمط الحياة الأمريكي أو الفرنسي أو الغربي بصورة عامة ليس الطريق الوحيد نحو التقدم، وهو بالتأكيد ليس طريقنا نحن للتقدم. وأوروبا تطورت عن طريق الثورة على السلطة الكنسية والملكية، والعديد من الدول الآسيوية تتقدم عن طريق الطاعة التي كثيرا ما تكون عمياء لذوي السلطة. فحذار من أن نترك الثقافات الأخرى تعبث بعقولنا وتزيد من تخلفنا بينما نحن نظن واهمين أنها تهدينا سبل النجاح.
***
محمد إدريس
http://languageandglobalization.blogspot.com

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

ممتاز جدا أخي في الله لهذه العقلية المنفتحة والتحليل المنطقي والمقارن بين الثقافتين، فلابد لنا من التعرف على وجة نظر الآخرين وثقافاتهم، وعدم رقض هذا الأمر، وأنا مع الأسف وجدت كثيرين يرفضون هذا الأمر بسبب أنه لا يتماشى مع ثقافتنا أو لخوفهم من التأثر، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على عدم ثقتهم في عقيدتهم وخوفهم من أن يتزعزع إيمانهم، وهذه نظرة قاصرة للأمر. بارك الله فيك ونفع بك الأمة الإسلامية العربية.

شكرا أختي على تعليقك

أتفق معك فيما قلتيه، ولكننا يجب أن نعي أن الانفتاح يجب أن يكون محسوبا. فقد لا تتأثرين أنت ولا أتأثر أنا، ولكن فتح الباب على مصراعيه يمكن أن يزعزع من ثقة البعض في ذاته. ففي حالات الضعف يجب السيطرة على ما يرد من الخارج. والاستفادة من الخارج تكون مجدية عندما نكون أقوياء أو على الأقل عندما نكون في طور النهضة.

وشكرا.