مكانة اللغة العربية في موريتانيا بعد 49 سنة من الإستقلال

أطفال موريتانيامحمد بن البار - وكالة الأخبار الموريتانية

فبعد أيام قليلة ستحتفل موريتانيا إن شاء الله بعيد استقلالها الـ/49 ، هذ الاحتفال الذي لا شك ستقاطعه اللغة العربية نهائيا لأنها تعتبره بالنسبة لها مأتما أو ذكري يتمها في وطنها وبين الناطقين بها ، فالاستقلال لم يشملها حتي الآن ولكن تم استعمارها من طرف أبنائها ومواطنيها المترهلين في شأنها وكما قال الشاعر :
وظلم ذوي القربي أشد مرارة// علي المرء من وقع الحسام المهندي

هذه اللغة التي ما زالت قضيتها تكشف كل سنة استقلالية عن سوآت المسؤولين أيا كانوا في هذا الوطن ، تكشف عن عدم اعتبارهم للأصالة ، والأمعة ، وضعف الشخصية ، والتنكر للدين الإسلامي الحنيف ، واخيرا قلة الحياء و المروءة .

ومن المفارقات أن الدولة الموريتانية هي الدولة الوحيدة التي استقلت ومكثت عدة سنوات ولها لغة رسمية {هي الفرنسية } وبعد الانقلابات الكارثية علي موريتانيا أصبحت لا لغة لها رسمية حتي الآن 2009 .

فمن المعلوم أن اللغة الرسمية من ثوابت الدولة في الدستور مثل العلم الوطني و النشيد و الوحدة الوطنية إلي آخر الثوابت الدستوربة ، وكل لغة لم ينص عليها الدستور بأنها رسمية لا قيمة لها قانونيا لا يبني عليها أصل ولا يثبت بها حق ، وبناءا علي ذلك فموريتانيا الآن هي الدولة الوحيدة التي لا لغة رسمية لها ، فدستورها الحالي لا ذكر فيه للغة رسمية غير العربية طبقا للمادة ..... منه ، ودوائرها الرسمية لا يوجد فيها من العربية إلا عناوين الشكليات المتوحشة من الانفراد فوق الاوراق الرسمية.
وبذلك أصبحنا بعد 49 سنة من الاستقلال لا لغة لنا ، ونحن بذلك لم نفتقد لغتنا الرسمية الدستورية فقط بل قفدنا كذلك كرامتنا وإحدي ثوابت دستورنا وهي الوحدة الوطنية .

فالمعروف لدي العالم أن اللغة ولا سيما الرسمية هي أكبر موحد للشعوب المتعددة الأعراق مثال ذلك شعوب المغرب و المشرق العربيين كم فيهما من أعراق ومن لغات محلية يتخاطب بها أهلها فيما بينهم ولا كن لا يطلب أحدهم ترجمانا للكلام مع مواطنيه في الدوائر الرسمية كما هو واقع لنا حتي الآن مع وحدة وطننا وديننا ، فأرجوا أن تستمعوا إلي خطابات السودانيين الجنوبيين لا تفرق في الخطاب بينهم والشمال مع أن دينهم ليس بواحد .

ومن المؤسف أننا جميعا لم نراع هذه الخاصية التي خصنا الله بها وهي وحدة الدين و الوطن فأبناء الشرائح التي لا تتكلم العربية كلغة" أم " قامت ثلة قليلة من ابنائها منتفعة مادية بالمطالبة ببقاء اللغة الفرنسية لغة الشعب الوندالي المسيحي مهيمنة علي الساحة الموريتانية تعليما و تسييرا إداريا ضاربين عرض الحائط بثقافة ودين الغالبية السحيقة من آبائهم وشرائح شعبهم ، فالذي يقرأ ويكتب هذه اللغة الوطنية الدينية الآن من شرائحهم يبلغ 90 في المئة من تلك الشرائح ولا يبغون بها حولا ولا بديلا .

وأذكر للجميع دليلا وقع هذه السنة علي ذلك وهو أنه جرت مسابقة في هيأة من الهيآت لاكتتاب 600 شابا و 97 في المئة من هذ العدد باللغة العربية وكان الفائز الأول في اللغة العربية من هذا العدد من شريحة لا تتكلم العربية كلغة "أم" و 25 في المئة من هذ العدد كانوا ضمن الفائزين ، وأغلبهم تعلم لغة الدين والوطن عند منزل أبيه فهذا دليل علي أن المطالبة بالإبقاء علي اللغة الفرنسية سرقة علي تلك الشرائح اتكالا علي أن معظم المتعلمين بالعربية من الشريحة أكثرهم بعيد عن الساحة الإدارية الموريتانية ، وكما يقال فإن أقبح سرقة هي ما يأخذه البصير من تحت يد الأعمي اتكالا علي عدم رؤية يده وهي تتسلل تحت يد الأعمي ، أما الشريحة التي تتكلم العربية كلغة "أم" فإن أساطينها هم الذين استولوا علي الحكم أولا بثقافتهم المتواضعة بالرطانة الأجنبية ، وكان أكثرهم شبه أمي في لغة دينه ووطنه وعرقه وليسمح لي الشعب الموريتاني في أن أذكر أمثلة علي ذلك وقعت في آخر السبعينات و أول الثمانينات إذ كان أحد الوزراء من البيظان يعدد انجازاته بمناسبة احتفال فقال أولا وعند ما وصل إلي ثانيا نطقها بالزاء ـ أكرمكم الله ـ معلنا أمام الملإ اعترافه بالفاحشة ، ووزير آخر كان يخطب بمناسبة فلسطينية والخطاب ختامه وإنهاء لثورة حتي النصر فقرأها وإنها الثورة حتي النصر ، ووزير آخر كان يقرأ اتفاقية وقع عليها في بلد عربي و عند قراءة الاتفاقية قال الاتفاقية التي وقعنا عليها بمعني سقطنا عليها ، وقال الشعب الموريتاني آنذاك أن جميع هؤلاء الوزراء كانت تكتب لهم الخطب العربية بالأحرف الاتينية .

هذه النماذج المخجلة لم تكن هي الوحيدة التي أنفذ بها المسؤولون في هذا البلد مقاتل هذا الشعب العربي المسلم بجهلهم للغته ودينه ،فمن الذكريات السوداء في تاريخ هذا الشعب هو ما قام به المسؤولون سنة 79 بما سمي بإصلاح التعليم حيث استسلموا لمطالب ثلة قليلة من المنتفعين المتفرنسين من الشرائح التي لا تتكلم اللغة العربية كلغة "أم" وقرروا معهم تفرقة نهائية أبدية للشعب الواحد صاجب الدين الواحد وذلك بأن كل من كان ناطقا للعربية كلغة أم تكون العربية إجبارية عليه في جميع المراحل وغيرهم لا إجبارية عليه ، وبذلك تقررت التفرقة النهائية لهذا الشعب وكأن اللغة الفرنسية هي اللغة "الإم" لتلك الشرائح ، وموقف شعب تلك الشرائح من اللغة العربية ما كتبناه أعلاه ، وهذه الكارثة التاريخية مكثنا فيها عشرين سنة حتي تخرجت دفعات من شباب هذه العشرين يحملون شهادات لا حاجة للوطن بها ، فالإدارة لم تتغير عن الفرنسية في هذه الفترة وكأن تعليم الناطقين بالعربية لأجل التعليم فقط والوظيفة الوحيدة المسموح لهم بها هي التعليم ، أما من تسرب من هذه الشريحة العربية بعد حصوله علي الإبتدائسة او الإعدادية أو الثانوية إذا لم بكن معلما فليذهب إلي العمل في عربات الحمير أو غسل اللباس أو التجارة الحرة أو بيع بطاقات التزويد أو الكتابة في الجرائد الحرة أوبيعها إلي آخره ، فأسلاك الوظيفة العمومية "د" و "ج: و "ب" لا حظ لهم فيها لأنها مفرنسة كلها كما أن جميع المؤسسات الحكومية العامة وشبه الخصوصية مثل الشرائك والمستشفيات والعيادات الحرة وصناديق الإدخار إلي آخر كل قلم يكتب في موريتانيا علي الأوراق غير مؤسسات التعليم لا حظ لهذه الشريحة العربية في التوظيف فيه ، فوزارات السيادة لا سيادة فيها للعربية اللهم إلا تعريبا قليلا في وزارة العدل وحدها.

أما نساء تلك الحقية السوداء علي الناطقين بالعربية فبعد حصولهم علي تلك الشهادات المتوسطة التي لا عمل لها في الإدارة المتفرنسة فقد استطعن بواسطتهن المقبولة عادة عند الرجل الموريتاني أن يتوظفن التوظيف الفوضوي في أيام الفوضي أو سنين الفوضي علي الأصح عند ما منعت موريتانيا عالميا من التوظبف فاستبدلت ذلك بالتوظيف الفوضوي المؤقت وأصبح النساء اللواتي يحملن شهادات متوسطة وهن مثقفات لا يعملن إلا بوابات للوزير أو المدير يتعاقبن علي ذلك و بقيتهن للطوارئ في المكاتب و شرب الشاي ، أما الكتابة و السجلات ومعرفة ما عند الوزير أو المدير من العمل فكل ذلك يختص به المتفرنسون أو المتفرنسات وأكثر ذلك لا يكون من تلك الشريحة ، هذه الحالة التي نحن فيها من خور الضمير العربي اتجاه هذه اللغة المتروكة كالمعلقة في الدستور لا وجود لها تقريبا بين شعبها ، لا شك أن أيام احتفال شعبها ودولتها بعيد استقلالها سوف يكون أيام حداد عليها هي ، وهذ الحداد لا يتحدد بأربعة أشهر و عشرة أيام عدة المتوفي عنها زوجها بل يتحدد بواحد وثلاثين سنة أي بأول انقلاب عسكري علي الرئيس المكون لهذه الدولة عن صفائح غير متجانسة لا يجمع بينها إلا القيادة الحكيمة الموهوبة له شخصيا من العزيز الوهاب ألا وهو المرحوم المختار ولد داداه.

وربما قال قائل ماذا ترك المرحوم المختار بن داداه لموريتانيا من العروبة ولغتها الإدارية وهو الذي كتب في أول دستور لهذ البلد أن اللغة الرسمية هي الفرنسية و اللغة العربية لغة وطنية مثل اللغات الأخري ، وأنا أقول لهذا القائل إذا كان عاش سنوات المرحوم الأخيرة فيكفيه ذلك من الجواب علي توجه ذلك الرئيس آنذاك نحو العربية والإسلام وإذا لم يكن حاضرا فأنا أقول له أن ذلك الرجل خط أمامه في سنواته الأخيرة هدفين تقررا في ذهنه وهو هو من الحكمة و التبصر ونكران الذات وهما : أن دولة موريتانيا دولة عربية إسلامية ، فتعريب الإدارة مهد له بكثرة تعيين قواد الإدارات العربية الذين لا يعرفون كلمة فرنسية واحدة مثل الولاة والحكام والقيادات العسكرية وشبه العسكرية يريد بذلك تعريب أعلي سلطة لتعرب إدارتها وأنب من لم يفعل ذلك حيث قال لعربي تكلم له بالفرنسية إبان زياراته له نحن عيناك بهذه اللغة وهذا معناه لا نريد منك الفرنسية فخجل المسؤول أمامه ، أما الحكم بالقانون الإسلامي فمن المعلوم أن ليلة الإنقلاب عليه هي الليلة التي أذاع فيها وزيره للمصادر البشرية أن موريتانيا ابتداءا من تلك الليلة أصبحت تحكم الشريعة في جميع قوانينها ولولا اجتهاده الصائب في ضم إخواننا الصحراويين إلي أرض الوطن الذي لم يكتب له الله تحقيقه وأدي إلي الحرب التي جعلت العسكريين يتخلصون منه ليتخلصوا منها لكنا الآن دولة عربية ثقافة وإدارة وسلامية تنعم بالتقدم والرفاهية والسمعة الواسعة فنرجوا من الله له أجر من اجتهد وأخطأ ، أما من الناحية الإسلامية فقد قيض الله لها رئيسا مؤمنا قلبا وقالبا وشجاعا فقد استدعي لجنة التقنين وقال لهم كلمته المشهورة : كل موضوع قننتموه وقلتم لي هذا هو حكم الله في هذا الموضوع أوقع لكم عليه ، فقننوا أولا القانون الجنائي لأن أحكامه منصوصة في القرآن و السنة ووقع عليه ، وهذ الرئيس معروف لدي الجميع بهذه الخصلة ألا وهو محمد خونة ولد هيدالة أطال الله عمره .

أما الإدارة العربية فلم تجد من يستجيب لإستغاثتها في وطنها إلا الإلتفاتات البسيطة من الرئيس معاوية بعد أحداث 89 حيث قرر أن كل مرسوم أو قرار سوف يمر بمجلس الوزراء لا بد أن يقدم باللغة العربية وكذلك الخطابات من المسؤولين في الأماكن الرسمية لا تكون إلا بالعربية ولكن الإدارة نفسها بقيت مفرنسة لا يكتب في سجلاتها إلا الإبتدائيون المتفرنسون فلو رآهم الشعب الفرنسي الوندالي يكتبون لغته هكذا لطلب محاكمتهم خطا و تركيبا و إملاءا .

وأصبح في تلك الآونة من المضحك والمبكي أن المسؤول يقوم بإلقاء كلمته باللغة العربية الفصحي ولكنه لا يعود بالورقة وأظنه يرميها أوياكلها في الطريق لإنك إذا دخلت عليه يعد الخطاب مباشرة لا تجد أثرا للعربية ولا لآلة كتابتها ولا كاتبها ، وفي آخر زمن معاوية قبل الانقلاب عليه انقلب هو علي العربية والإسلام ، فالعربية أخذ زمنها وأعطاه هو ومواده للفرنسية حتي ينتهي التوظيف الوحيد الذي كان موجودا بالعربية وهو التدريس بها ، وأما الإسلام فقد سجن كثيرا من العاملين به نصا وروحا زقد تبين فيما بعد أنهم لا يريدون لهذا الوطن إلا الخير واليمن والبركة .

أما والصورة القاتمة لهذه اللغة فوق أرض هذه الدولة العربية الإسلامية تبدوا للعيان هكذا فما هو العمل المتاح في هذه الأيام بالذات ذكري الاستقلال ال49 ؟

نحن الموريتانيين الآن نشاهد تحركا حثيثا لإصلاح ما أفسدته يد السلطات الماضية ، وهذا الفساد لا يتحدد في أكل المال العام فقط ، ولا في التوظيف الخيالي ، ولا في ضعف المستوي التعليمي ، ولا في إهمال كل موظف لوظيفته ، بل الفساد موجود في كل ما يمت إلي الدولة بصلة من معنويات و مقدسات وعلي رأس هذه المقدسات هي اللغة العربية الدستورية التي وسعت هذه المعجزة الكبري التي حفظها الله لنا في ثلاجة هذا الكون ونتيقن نحن ومعنا المسلمين جميعا أن الله قرأ هذه المعجزة بما يليق بجلاله علي رسول الله صلي الله عليه و سلم بدليل قوله تعالي :{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } .
فعلي رئيس هذه الدولة الذي ألزم نفسه أمام المواطنين بإصلاح جميع أركان هذه الدولة حتي تقف مستقيمة أمام الجميع أن يصدر أوامره أولا بإيقاف كل كتابة بلغة أجنبية علي سجلات ووثائق الدولة الموريتانية وإبدالها باللغة الرسمية الدستورية لهذا البلد .

وأخيرا فقد لفت نظري الأمر الذي أصدره الوزير الأول في الأيام الماضية بوجوب وضع العلم الوطني علي كل موسسة فما هو الفرق بين العلم واللغة ؟ فتمنيت لو أصدر مثله بكتابة اللغة العربية وحدها في كل مؤسسة للدولة ، فعند ذلك يكون للإستقلال معني وللإحتفال به نكهة وحفاوة ، وإلا فعلي المواطنين أن يكتبوا بحروف سوداء يوم الإستقلال علي كل مؤسسة إدارية :{هذا يوم حداد اللغة العربية المهجورة من طرف أبنائها ومعتنقي الدين الذي نزل بها وسوف نشكوا الجميع إلي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم }

كاتب المقال:

التعليقات

هذه كارثة بكل المقاييس .. فإنسان بلا لغة .. إنسان بلا هوية ..

تغريب وتغييب
إن الذين اختاروا اللغة الفرنسية لا يتقنونها أصلا: فهي اختيار سياسي لتغريب القرارات المصيرية عن الأغلبية الساحقة من المواطنين، وتغييب هذه الأغلبية عن المساهمة في هذه القرارات.