ما عدا في ديوان العرب

كلما حضر الشعر في أحد الملتقيات أو المهرجانات، إلا وحضرت معه الأخطاء اللغوية بأعداد تفوق بكثير عدد الشعراء المشاركين والجمهور الحاضر. هل يعني هذا أن هؤلاء الشعراء قد أجازوا لأنفسهم الإجهاز على آذان بعض المستمعين، دون أن يراعوا لها حرمتها؛ وذلك بخرق قواعد ابن مالك – ربما عن غير قصد – كما فعلوا مع الفراهيدي من قبله؟ أتراهم يريدونها حرباً ضروساً – باسم الحداثة وما بعد الحداثة – ضد كل ما له صلة بالتراث؟ حتى وإن كان الأمر يتعلق بــ "ديوان العرب"، الذي ما كان ليسمى كذلك لولا أنه – بحق – القلعة المنيعة للغة العربية وخصائصها الجميلة، إلى جانب المظاهر الحضارية الأخرى؛ السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية…

لئن كان الفراهيدي – بتسامحه – قد تغاضى عن خروجهم عن طاعة عروضه وأوزانه، وأباح لهم أن يستلذوا بدعواهم التجدد والتجديد إلى إشعار آخر، فلا أظن ابن مالك – بصرامته – سيجيز لهم يوماً العبث بألفيته، وإلا سوف يجدون منه غلظة تجعلهم يقلعون نهائياً عن عادتهم السيئة تلك. فما لهم أدنى دعوى تبررها لهم بين يديه.

لذا، على كل شاعر أن يحرص دوماً على أن يعقل مطيته، ويحكم عقالها أمام باب الإعراب والبناء، ويتوكل على الله كلما أزمع على ولوج مدينة الضاد؛ كيلا تنفلت من مربطها، فيهلك في عرض البيداء. وليعتبر بالسلف الذين كانوا يتجنبون اللحن في الكلام اجتنابهم بعض الذنوب، في سبيل أن يهل علينا يوم نعفي فيه القصيدة من العيوب في كل الدروب.

تروي لنا كتب اللغة والنحو طرفة عن أحد النحاة الفرس، وكان اسمه بشكست، حدثت له مع الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك الذي دعاه يوماً لوجبة طعام، واتفق مع غلمانه أن يتكلفوا الخطأ في حضرته، حتى يرى ردة فعله وهو المشهور بمقته الشديد للحن وأهله. حين وصل الضيف، وأحضر الغلمان الأكل، أخذوا في الحديث، فقال الأول منهم: "رأيت اليوم فلانٌ"، وقال الثاني: "اشتريت من فلاناً كذا وكذا"، ثم قال الثالث: "سلم علي فلانٍ". فما كاد هذا الأخير يتمم كلامه، حتى طار عقل بشكست، وانتفخت أوداجه حنقاً، فانبرى يغمس كفيه معاً في وعاء المرق أمامه ويمسح به لحيته الكثيفة، وهو يرغي ويزبد صارخاً ملء المكان: "هذا جزاء من يجالس الأنذال". فانفجر الخليفة ضاحكاً، ثم هدأ من ثورته، مخبراً إياه أنهم كانوا يمزحون معه فحسب.

لقد أراد الله بالرجل خيراً حين توفاه الأجل قبل أن يظهر التلفاز بآلاف السنين، ويظهر فيه بعض السادة من وزراء، أو نواب الأمة المحترمين بفصاحتهم المعهودة التي سارت بأخبارها الركبان في جميع الأوطان، لا سيما حين يعلم أن المسألة ليست مجرد مزحة كسابقتها.

مشاركات القراء:

التعليقات

صدقت شاعرنا الكريم