العربية في ظل الإحتلال العبري

عن أسامة العيسة من جريدة الشرق الأوسط

ظل الأديب الفلسطيني الراحل أميل حبيبي، طوال حياته يردد انه كتب روايته الشهيرة «المتشائل» تحديا للجنرال الإسرائيلي موشيه ديان الذي شكك بوجود حضارة عربية في فلسطين، فرد حبيبي برواية بطلتها الرئيسية هي اللغة العربية نفسها، وهي التي أعطت الرواية فرادتها، وجعلتها غير قابلة للتكرار حتى في أعمال حبيبي نفسه الذي وصف روايته هذه بأنها «بيضة الديك».

وعاش حبيبي مندمجا في الإطار الإسرائيلي العام، وأصبح عضوا في الكنيست ونال ارفع جائزة أدبية في إسرائيل، ورأى كيف أن اللغة العربية التي أراد بها تحدي ديان، أخذت بالتراجع بشكل مريع، رغم أنها تعتبر من الناحية الرسمية اللغة الثانية في إسرائيل.

وأصبح الـ 150 ألفا من العرب الذين بقوا في أرضهم عام 1948، أكثر من مليون الآن، تختلف التسميات التي تطلق عليهم مثل: «فلسطينيو الداخل»، و«عرب الـ 48»، و«عرب إسرائيل» وغيرها، وعاشوا في تحد دائم لهويتهم واثبات وجودهم، وعملت الصحف التي أصدرتها الأطر الحزبية مثل صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، على المحافظة على اللغة العربية، في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها، وكذلك فعل الأدباء هناك ولكن بعد نحو ستين عاما من النكبة فان العرب في إسرائيل يتحدثون في ما بينهم لغة يصفها الدكتور فاروق مواسي نائب رئيس مجمع اللغة العربية في إسرائيل بـ "العِرْبِية»، أي مزيجا بين العربية والعبرية.

ويتفق كثيرون على ان هناك أسبابا عديدة وراء تراجع اللغة العربية بين العرب في إسرائيل، من بينها سياسة الآسرلة والتهويد التي لم تقتصر على تهويد الأرض ولكنها استهدفت تغيير الأسماء العربية واستبدالها بأسماء عبرية، وذلك خلال مسيرة طويلة قطعتها المؤسسة الإسرائيلية طوال ستين عاما.

وترى الأديبة الشابة منى ظاهر المقيمة في مدينة الناصرة بأن «سيطرة اللّغة العبريّة وهيمنتها على لغتنا، لم يأتِ بمحض الصّدفة بلّ هي مخطَّط مدروس وله أبعاد سياسيّة لا تخفى عنّا، وظاهرة اندثار اللّغة عمومًا هي ظاهرة موجودة منذ القِدم، فقد بات الأمر جليًّا وواضحًا في كلّ مرافق الحياة، خصوصًا في المدن والأحياء المختلطة التي يسكنها يهود وعرب. فقد تجد معلّمًا/ة من الخرّيجين الشّباب يعلّم موضوعًا معيّنا في إحدى المدارس العربيّة مستعملاً جُملاً عربيّة وعبريّة. أو قد تجد طالبا يجد أنّه من الأسهل عليه أن يكتب نصًّا إبداعيًّا باللّغة العبريّة بدلاً من العربيّة، لأنّه يستعمل العبريّة مع أقرانه ويسمعها في البرامج المخصّصة لعمره والّتي تكون بالعبريّة، لأنّه لا يوجد قنال عربيّ محلّيّ تلفزيونيّ، بغضّ النّظر عن المحطّات الفضائيّة العربيّة غير الموجودة في كلّ البيوت».

وتعتقد ظاهر أنّ تلك الهيمنة للّغة العبريّة «تعكس الغَلَبة والسّيادة لليهود الإسرائيليّين لهذا الحيّز المسمّى إسرائيل، هذا الحيّز هو نفسه المسمّى فلسطين. لأنّ الهيمنة هي لأصحاب اللّغة!».

وتقول «إنّنا على يقين أنّ لغتنا العربيّة بدءًا من مناهج اللّغة العربيّة الّتي تدرَّس في المدارس العربيّة بمراحلها المبكرة وصولاً إلى المرحلة الثّانويّة والّتي يقوم على تحديدها وزارة التّربية والتّعليم الإسرائيليّة مرورًا بالحيّاة اليوميّة العاديّة في مجالات الحياة المختلفة وصولاً إلى الجامعات والمعاهد العليا، كلّها تعيش أزمة حقيقيّة انعكست عن وانبثقت مِنْ أزمة هويّة وواقع نعيشه نحن الفلسطينيّون والفلسطينيّات».

وتضيف «من المهمّ أن أتطرّق هنا إلى مثالٍ آخر نعايشه حين نقرّر أن ندرُس اللّغة العربيّة وآدابها كتخصًّص في إحدى الجامعات الإسرائيليّة، علمًا بأنّه لا توجد أيّ جامعة عربيّة في البلاد. المثير للاستهجان هنا أنّ هناك بعض المواضيع في تخصّص اللّغة العربيّة وآدابها الّتي تفتقر إلى وجود أساتذة عرب يدرّسون باللّغة العربيّة. أذكر أنّني درسْتُ مساق «تفسير القرآن» باللّغة العبريّة لأستاذة يهوديّة كانت تشرح لنا آيات القرآن من وجهة نظر موضوعيّة وأخرى شخصيّة باللّغة العبريّة مع بعض العربيّة!».

ويمكن لإعطاء مثالا على ما يعتبره العرب في إسرائيل سياسة تمييز ممنهجة بحقهم تستهدف التعليم لديهم، الإشارة إلى الالتماس الذي رفعه مركز (عدالة)، المختص بحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، إلى المحكمة العليا الإسرائيليّة في العام 1998، لإبطال القرار الحكومي الذي صُنفت وفقًا له البلدات في إسرائيل إلى مناطق أفضليّة قوميّة. وقررت المحكمة في شباط (فبراير) 2006، بعد جلسات عديدة عُقدت للنظر في الالتماس على مدار ثماني سنوات، أنّ تصنيف البلدات لمناطق أفضليّة قوميّة في مجال التعليم يميّز بشكل صارخ بحق البلدات العربيّة وعليه يجب إبطال هذا التصنيف. أكثر من 550 بلدة صُنفت وفقًا للقرار الحكومي كمناطق أفضليّة قوميّة من بينها فقط 4 بلدات عربيّة صغيرة. وتتمتع هذه البلدات بامتيازات اجتماعيّة ـ اقتصاديّة شاملة جدًا. وجاء في قرار المحكمة أيضًا أنّ الدولة ملزمة بتطبيق قرار «العليا» حتى آذار (مارس) 2007. إلا أنّ وزارة التعليم طلبت مؤخرًا تمديد المدة إلى أربع أو خمس سنوات من أجل تطبيق القرار بأكمله، وادعت الوزارة أنّ تطبيق قرار «العليا» في العام 2007 سيمس بالبلدات اليهوديّة عامةً وبالمعلمين على وجه الخصوص، الذين تمتعوا بامتيازات منذ فترة طويلة. وأعربت «العليا» عن تحفّظها من عدم تطبيق القرار، ولكن المحكمة خضعت بشكل فوري لطلب وزارة التعليم ومنحتها تمديدًا لسنة إضافيّة، لمنع المس بالبلدات اليهوديّة. وسيبت القضاة أيضًا في مسألة موعد تطبيق القرار في المستقبل.

ولكن هناك من لا يرغب بتحميل وزر تراجع اللغة العربية فقط إلى المؤسسة الإسرائيلية مثل الدكتور فاروق مواسي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» لا أستطيع أن أتهم مباشرة السياسة الإسرائيلية بالتنكر للغتنا وأنسى مجالسنا المحلية التي تكون مراسلاتها بالعبرية، ولا أستطيع أن أغفل مؤسساتنا وأصحاب المحال التجارية في القرى والمدن ممن يؤثرون الإعلانات بالعبرية". واضاف مواسي «سأكون صريحا وأقول: إننا في سبيل نشأة لغة خاصة هي العـِرْبية ـ كما دعوتها، وهي لغة أدخلت الألفاظ العبرية وطبقت عليها قواعد العربية، فيقولون مثلاً: «راح ع القنيون واشترى بيجديمات وعمل له التاجر هناحا» ذهب إلى المجمع التجاري واشترى ألبسة للبحر، وعمل له التاجر تخفيضًا، ويقولون «يَشِِّر» = سر مستقيمًا...إلخ. ولا تسألني عن اللغة مع السباك أو الميكانيكي أو المستشفى وغيرها غيرها، فنحن في مد داهم وجارف».

في مثل هذه الأجواء من المشاكل التي تواجها اللغة العربية، كانت النخب تواصل عقد مؤتمراتها الأدبية والفكرية، وتؤسس الأطر والمراكز الأدبية والثقافية ومن بينها مجمعا للغة العربية، وعن ذلك يقول مواسي «أسس المجمع أولاً بفكرة مني ومن الصديقين د. فهد أبو خضرة و د . إلياس عطا الله، وذلك في إطار عملنا المشترك في إعداد منهج جديد لتدريس قواعد اللغة العربية لمدارسنا، وتبنى السيد موفق خوري (مدير دائرة الثقافة العربية ومقره في الناصرة) المجمع في سنواته الأولى، وقدم له دعمًا يسيرًا متاحًا، بعد ذلك أصبح المجمع جمعية مسجلة رسميًا تحت إدارة دائرة الثقافة العربية».

ويضيف مواسي «وفي جلسة من جلساتنا قررنا التوجه بطلب رسمي للبرلمان للاعتراف بنا، أسوة بمجمع اللغة العبرية ، فكان من رأي بعض الأخوة أن نتوجه إلى جميع أعضاء الكنيست العرب بدون استثناء ليعملوا معًا على تمرير قانون المجمع، وقد وافقنا على ذلك، وكنت شخصيًا قد تحدثت مع ابن بلدي وجاري وطالبي (الذي لا أوافقه سياسيًا إطلاقًا) وعضو البرلمان عن حزب العمل السيد غالب مجادلة، فتحمس منفردًا للفكرة، وأخذ يجري اتصالات مع القائمين على المجمع، وعمل بكل الحيل والأساليب، حتى يحصل على أغلبية الأصوات اليهودية لتمرير مشروع القانون».

ونجح مجادلة العضو في حزب صهيوني في تمرير القانون، ولكن بعض النواب العرب عارضوه مثل نواب حزب التجمع القومي برئاسة عزمي بشارة، فامتنعوا عن التصويت، والأرجح لأن مشروع القانون قدم من عضو في حزب صهيوني. وبعد إعلان موافقة الكنيست على تأسيس المجمع استتبع ذلك معارضة وهجوما عليه وسط النخب العربية في إسرائيل، لأسباب قومية ووطنية وشخصية، ولكن مواسي يقول إن «الخطوة إيجابية، وخاصة في أجواء التنكر لنا وجودًا وحضارة ولغة، فمن بادر إليه هو عضو برلمان عربي من أعضاء حزب العمل، وقد اختير في ما بعد ليكون وزيرًا للثقافة في إسرائيل، وليست وظيفته محددة للعرب فقط، بل هو يعالج - افتراضًا - قضايا عامة في إسرائيل».

ويضيف «ولعل وجود وزير عربي مدعاة للتساؤل، ولا أقل من ذلك اهتمام البرلمان الإسرائيلي باللغة العربية. لقد حانت فرصة كنا نحلم بها، وعلينا أن نغتنمها، وإلا فإننا نظل نندب حظنا، ونتهم الحكومة، ولا أحد يستجيب لنا. ثم، إن مسؤوليتنا إزاء الأجيال الصاعدة أهم من الحسابات الشخصية».

ويرى مواسي «إن مسألة: هل نقبل الوظائف العليا، وهل نقبل حقوقنا الإساس يختلف فيها السياسيون ـ كل من وجهة نظره أو رؤيته ـ، ولكنني أرى ـ شخصيًا ـ أن نستحصل كل حق، وأن نظل نطالب بحقوقنا حقًا تلو حق رغم أنف أصوات اليمين التي ترى في هذا الاعتراف بلغتنا عدوانًا على يهودية الدولة، وإن من يظن أن الأعضاء العرب من غير الأحزاب الصهيونية يستطيعون أن يمرروا مشروع القانون هو ظن حالم واهم وغير قائم، في أجواء العنصرية التي ينعق بها كثيرون من أعضاء الكنيست". ويواجه المجمع الآن نقاشا حادة وتبادلا للاتهامات في الصحف حول استثناءات تمت للبعض من عضويته مثل الدكتور الياس عطا الله، أحد مؤسسي المجمع وهو من المقربين من حزب التجمع، وتحديات أخرى مثل شح الميزانيات للقيام بواجبه. ومن الطموحات التي يقول مواسي بان المجمع يسعى لها: إقامة أيام دراسية ومؤتمرات لدراسة اللغة العربية، وإصدار أبحاث ودراسات لغوية، وإصدار مجلة خاصة باللغة ودراساتها، والإشراف على الترجمات، وإصدار معاجم خاصة تُعنى بالترجمة عن العبرية «خاصة ونحن أمام تحدي اللغة العبرية في كل مجالات حياتنا ـ نحن العرب في البلاد ـ» كما يقول مواسي الذي يشير أيضا إلى أن من طموحات المجمع: العمل على مراقبة اللافتات والإعلانات التي تنتهك العربية في المواصلات وفي مجالات أخرى، والإشراف مباشرة أو غير مباشرة على مناهج تعليم اللغة في المدارس والأكاديميات.

وردا على سؤال إذا جرى تعاون بين مجمع اللغة العربية في إسرائيل مع مجامع اللغة في العالم العربي يقول مواسي «زرنا مجمع الخالدين في القاهرة المحروسة، والتقينا د. شوقي ضيف رئيسه قبيل وفاته واقترح علينا أن ننضم إلى مجمع اللغة الفلسطيني في نابلس، وهو لا يدري أن مشكلاتنا وقضايانا مختلفة على الصعيد اليومي والفعلي، وفي المؤتمر الأخير في آذار وقد عقد احتفاء باليوبيل الماسي (خمسة وسبعين عامًا على تأسيس المجمع) كان هناك وعد بأن أشارك ضيفًا مراقبًا، فإذا بالمسؤولين فيه يتذرعون أولاً بالتطبيع، وكأننا مندوبون عن إسرائيل، ثم...بأن الأمن لم يقدم الموافقة حتى اليوم». ويضيف مواسي «ولن أضيف أو أعلق تاركًا لكم أولاً أن تتخيلوا مشاعرنا إزاء هذه المعاملة، وثانيًا: أن تتساءلوا عن حقيقة ذلك».

ولم تكن تجربة مواسي ورفاقه مريرة مع مجمع الخالدين في القاهرة فقط ولكنها امتدت إلى الأردن التي يسميها «بلدنا الثاني» وعن ذلك يقول «أما مجمع الأردن فأغرب، فنحن نسافر يوميًا إلى بلدنا الثاني، وأبناؤنا يدرسون في جامعات الأردن، ونحن أهل رغم سايكس بيكو، ولكن الدكتور عبد الكريم خليفة ـ رئيس المجمع ـ رفض قطعيًا أن يزور وفد منا المجمع الملكي للإفادة من تجاربه، ثم يأتي بعد ذلك من يعاتبنا ـ لأننا قبلنا اعتراف إسرائيل بمجمعنا ؟ فقد «احترنا يا قرعة من وين نبوسك».

وترى منى ظاهر بان مصادقة البرلمان الإسرائيليّ على إنشاء مجمع للّغة العربيّة في إسرائيل «قد تكون خطوة مهمّة لجهة الإعتراف الرّسميّ الحكوميّ بالخصوصيّة الثّقافيّة لأكثر من مليون عربيّ فلسطينيّ يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة، لكن لديّ تحفّظ كبير من ذلك، هل سيكون مصير هذا المجمع كمصير مناهج اللّغة العربيّة وكتب التّاريخ الّتي تدرَّس في مدارسنا ولا تتحدّث عن هويّتنا الفلسطينيّة ولا عن نكبتنا ولاعن نكستنا؛ تربَّينا على تاريخ الشّعب اليهوديّ دون أن نجد كلمة واحدة تتحدّث عن تهجيرنا وتدمير أراضينا وطمس معالم جغرافيّتنا والمجازر الّتي ارتكبت وترتكب بحقّ أجدادنا وآبائنا وبحقّنا أنفسنا. تربّينا على كبار الكتّاب القوميّين اليهود وأجزاء من «التّناخ» ولم ندرس إلا قصيدة أو اثنتين لكاتب فلسطينيّ محليّّ، وقد اختيرت تلك القصيدة لأنّها تتحدّث عن موضوع عامّ كجمال الطّبيعة والعيد، متناسين قصائد أخرى للشّاعر نفسه ولآخرين تحمل بين سطورها خصوصيّة تواجدنا البشريّ الإنسانيّ والجغرافيّ. هل سيعمل المجمع في سبيل عدم تدريس التّاريخ المزيّف/ المكتوب بتحريف وأخطاء؟».

وتواصل ظاهر طرح أسئلتها «هل سيلغي المجمع اللّغويّ الذي أقرّته الكنيست قضيّة «تهويد المصطلحات»؟، أيّ تلك المصطلحات الّتي نقرأها على اليافطات المعلّقة في الشّوارع والّتي تحمل أسماء قرانا ومدننا العربيّة الفلسطينيّة، فإنْ مررنا بمدينة عكّا على سبيل المثال، نقرأ: «أكو» بالحروف العربيّة والمكتوبة كما نقرأ كلمة «عكو» بالعبريّة، هل هو خطأ غير مقصود؟ هو ليس بخطأ مقصود أو غير مقصود بالنّسبة للسّياسة الإسرائيليّة، لأنّه حسب وجهة نظر اليهود فإنّ المدينة اسمها «أكّو" وكفى!».

وعن المطلوب للنهوض بواقع اللغة العربية في إسرائيل يرى مواسي أن يتم ذلك ضمن خطوات كما يقول منها «أولاً أن نعهد إلى أساتذة مختصين ليدرُسوا ويدرّسوا لغتنا، ويحببوها لأبنائنا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وثانيًا أن نجري مسابقات في المطالعة، وأن نكثف الاهتمام بالعربية، وقبل ذلك أن نحترم لغتنا، ويبدأ ذلك من البيت، ومن الناس عامتهم قبل خاصتهم، فإذا أولينا عشاق اللغة احترامًا أولينا لغتنا ذلك». ويضيف «أقول هذا وأنا أعرف أن هناك من يسخر، بدءًا من المسرحيات التي تجعل التحذلق اللغوي وسيلة هزء، وانتهاء بالعائلة التي تفاخر بدراسات أبنائها في الطب والمحاماة والهندسة، فإذا قال أحدهم: «ابني يتخصص باللغة العربية» تغامزوا، ومروا به فكهين».

وعما إذا كانت المشاكل التي تواجه اللغة العربية في إسرائيل، تختلف عن مثيلاتها في الدول العربية الأخرى يقول مواسي إن جرس الإنذار يقرع في العالم العربي أيضا ويضيف «زرت المغرب فما وجدت اللغة العربية في مطاعمها أو في حديث الشارع فيها (فاللهجة هناك تمزج الفرنسية باللهجة المغربية، وهات من يفهم، وقد حاولت التفاهم معهم بالفصيحة، فإذا بأحدهم يصيح متهللاً: تعالوا: هنا طه حسين يتكلم!). وزرت الأردن ومصر فوجدت الإنجليزية تقتحم تضاعيف الجملة، ووجدت العنوانات واللافتات الأجنبية، وسمعت عربًا آخرين من الأقطار العربية فما سمعت إلا لحنًا، وصار العارف بالعربية والمحافظ عليها أعز من بيض الأنوق ـ في التعبير الصحراوي ـ، أو أعز من الكبريت الأحمر في معجم الأمثال». أما منى ظاهر فتقول إن «سيطرة العبريّة في واقعنا تضع أمامنا تحدّيات لتعزيز لغتنا وبقائنا. لذلك علينا أن نستعمل لغتنا العربيّة لنفتح لها أفق التّطوّر. إذ أنّ استعمال اللّغة بشكل أكبر يدلّ على حيويّتها».

وتضيف «لذا من المّهمّ التّفكير بالعمل النّاجع لنحافظ على لغتنا الّتي تمثّل هويّتنا القوميّة في ظّلّ الواقع الّذي نعيشه محلّيًّا ودوليًّا، من هنا يجب البدء بفحص السّبل لتطوير أساليب التّعليم في مدارسنا ومؤسّساتنا وكيف يمكننا أن نتغلب على النّواقص؛ من حيث استعمال اللّهجة العاميّة الّتي لا تنفصل اللّغة العبريّة عنها في الحياة اليوميّة عند الجيل الغضّ أيضًا، حيث أنّ اللّغة العبريّة باتت واصلة ومتسلّلة إلى كلّ شرائح المجتمع وأجياله المختلفة، شفويًّا وكتابيًّا، ممّا يشكّل تهديدًا على استعمالنا الأمين للغتنا العربيّة (المحكيّة والفصيحة)، يعني قد تجد بعض الجمل الّتي يتفوّه بها الأشخاص متكوّنة من لغة هجينة تمتلئ فيها العبريّة مع كلمات باللّغة العربيّة بلهجة عاميّة فلسطينيّة متزاوجة مع عاميّة لبنانيّة خصوصًا بتأثير من برامج الشّباب على فضائيّات المحطّات اللّبنانيّة». وتبدي ظاهر حماسا شديد للغة العربية قائلة بأنها «غالية علينا ونريد لها مواصلة الحياة في عافية وتألّق، علينا أن نحترمها لأنّها منّا ولنا ونتعامل فيها ومعها في بيوتنا، مدارسنا، مؤسّساتنا، عملنا ومراسلاتنا».

وتضيف «لذلك علينا العمل والسّعي محاولين التّركيز والتّركّز أكثر على استعمال اللّغة الفصيحة في دروس اللّغة العربيّة وآدابها، فاللّغة العربيّة الفصيحة بحاجة إلى دعم لاستعمالها المتواصل، ليس كتابيًّا فقط، بلّ شفويًّا وتعبيريًّا كذلك. وأيضا مستعملين اللّغة العربيّة واللّهجة العاميّة في بقيّة التّخصّصات في مدارسنا العربيّة».

وترى انه «في ظلّ الظّروف الّتي تحاصر ثقافتنا خصوصًا، في الدّاخل الفلسطينيّ في دولة إسرائيل، وتسعى لتهميش لغتنا العربيّة ومحو تراثنا الفلسطيّنيّ بكلّ جوانبه، وتشويه ذاكرتنا الحيّة. أرى أنّه من الضّروريّ العمل على الإبداع بكلّ أشكاله من فنّ وموسيقى وأدب وشعر بصورة تُظهِر هويّتنا الفلسطينيّة ولغتنا العربيّة السّليمة وانتماءنا المتجذّر فيها».

وتدعو إلى «توحيد كافّة صفوف الأدباء والكتّاب الفلسطينيّين للعمل على توظيف ذاكرتنا وواقعنا اليوميّ المعيشيّ في إبداعنا، في خضمّ واقعٍ صارخٍ بالتّمييز ضدّنا على كافّة الصعد، والتفكير في اتّخاذ خطوات وتدابير لترحيلنا أو ما يعرف بمصطلح التّرانسفير. لذلك من المهمّ العمل على تطوير وعينا ومداركنا في هذا الشّأن بالغ الأهمّيّة».

كاتب المقال: