عن اللغة الوطنية

كاري يانج - جريدة كارديان

يعيش أكثر من نصف سكان العالم في أماكن تختلف فيها لغتهم الأم عن اللغة الرسمية المتداولة. يقول «ايريك هوبزباوم» في الأمم والقومية: « اللغات القومية تكاد تكون دائما بنى شبه مصطنعة، وفي بعض الأحيان تكون مخترعة بالفعل. انها النقيض لما تتوخاه فيها الميثولوجيا القومية، أي جعلها الأساس الأصلي الأول الذي تقوم عليه الثقافة الوطنية والنسق الذي يصاغ بموجبه الرأي الوطني. فهي في العادة محاولات للخروج بمصطلح قياسي واحد من جملة من المصطلحات المتداولة في الكلام فعليا، ومن بعد ذلك تنحدر نزولاً إلى مستوى اللهجات.» (1)

أفضل مثال على ذلك هي اللغة العبرية، التي كان قد انتهى بها الحال مع نهاية القرن الثامن عشر أن تراجعت إلى طبقة اللغات الكلاسيكية ـ مجرد لغة دينية محتفظ بها للطقوس الدينية والمعابد اليهودية ـ ولم تكن تستخدم مطلقا للحديث في الأوساط الإجتماعية. وقد اعتبرت إعادة إحيائها من لغة مكتوبة الى لغة منطوقة مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للمشروع الصهيوني الذي خلق دولة اسرائيل. وهكذا كانت العبرية هي اللغة الأم التي لقنها الاطفال لأمهاتهم.

التصاق الأمم الحديثة بما يسمى لغاتها القومية فضفاض من الناحية التاريخية. فالمفهوم السائد بأن العائلة المالكة البريطانية تتحدث اللغة الانكليزية حديث نسبيا، والنبلاء المسؤولون عن تحرير الماغنا كارتا، والذين يمجدّون اليوم على اعتبارهم من اوائل الوطنيين، لم يكونوا يتكلمون الانكليزية.

ويقدر هوبزباوم ان 2.5 بالمئة فقط من الايطاليين كانوا يتحدثون اللغة القومية عندما تحققت الوحدة. وكان «ماسيمو ازيليو» قد قال في أول اجتماع للبرلمان الايطالي الموحد الناشئ في عام 1861: «لقد صنعنا ايطاليا، وعلينا الان أن نصنع إيطاليين.»

في عهد الثورة الفرنسية كان نصف فرنسا لا يتكلم الفرنسية، وكانت نسبة من يتكلمونها بالشكل الصحيح لا يزيد على 12 أو 13 بالمئة فقط.

والقضية بالنسبة لإسبانيا لا تزال بعيدة جدا عن الحل. فاللغة الرسمية هي «الكاستيليان»، ولكن ربع البلد تقريباً يتحدث ايضا احدى اللغات المحلية الرئيسة الثلاث ـ الكاتالان والباسك والغاليسيان. وفي اقليم الباسك اصبح الدفاع عن اللغة المحلية محوراً مركزيا للأجندة القومية التي بلغت حدود العنف أحيانا. وفي عام 2008 خططت السلطات في جزيرة مايوركا، وهي وجهة سياحية عالمية، لانشاء ما أطلق عليه «شرطة اللغة» لفرض لغة الكاتالان المحلية في المطاعم.

يكتب «توني جود» و «دينيس لاكورن» في مقدمتهما لكتاب السياسة في اللغة: «لقد أشر القرن التاسع عشر في أوروبا نقطة تحول تاريخية في بناء القومية الحديثة، حيث لم يعد أحد يقول أن الأمة موجودة ما دامت لها لغة، بل أن الدولة موجودة لذلك وجب أن تكون لها لغة.»(2)

الأمر الأدعى للعجب هو أن القرن الحادي والعشرين سوف يشهد مثل هذا الضغط لربط اللغة بالمواطنَة والإحتضان وبوجه خاص في أوروبا. فاستناداً الى استطلاع هاريس في عام 2007 عبر 86 بالمئة من الالمان و83 بالمئة من البريطانيين و61 بالمئة من الفرنسيين والايطاليين و50 بالمئة من الاسبان عن اعتقادهم بأن اختبارات المواطنَة واللغة ضرورية بالنسبة للمهاجرين الجدد. ولكن من غير الواضح أي اللغات الإسبانية على المهاجرين الى اسبانيا أن يتحدثوا بها. رغم ذلك يريد نصف البلد من المهاجرين أن يتحدثوا بها.

Gary Younge - The Guardian
ترجمة: جريدة الصباح العراقية
___________

(1) Nations and Nationalism-Eric Hobsbawm

(2) The Politics of Language-Tony Judt and Denis Lacorne

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

شكرا على نقل المقالة و الترجمة
جهد موفق