يكفي أن تكون فرنسيا لتصبح مديرا في المغرب

رشيد نينيرشيد نيني - جريدة المساء

في فرنسا إذا كان اسمك محمد أو سعيد وأرسلت سيرتك الذاتية إلى الشركات والمؤسسات العمومية الفرنسية تبحث عن شغل، فإنك ستضيع وقتا طويلا قبل أن تعثر على عمل أقل بكثير من مؤهلاتك. أما في المغرب، فيكفي أن يرسل «كلود» أو «بيرناديت» أو «سيرج» طلبا بسيطا إلى كبريات الشركات المغربية لكي ينادوا عليهم في الحين ليتسلموا مناصبهم التي غالبا ما تضع العشرات من الأطر المغربية تحت إمرتهم. وعندما تسأل هؤلاء الفرنسيين عن مهنتهم الأصلية يقولون لك إنهم فرنسيون، وهذا وحده دبلوم عال جدا يضمن لهم منصبا محترما في دولة متخلفة مثل المغرب.

وحتى لا يأتي من يتهمنا بالشوفينية والتعصب للمغرب، أعترف بأنني لست ضد توظيف الأجانب في شركاتنا وإداراتنا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاستفادة من خبراتهم وتقدمهم في مجال من المجالات. المصيبة هي عندما يتم اللجوء إلى الاستعانة بخدمات بعض هؤلاء فقط لأنهم فرنسيون، في الوقت الذي يستطيع فيه أي «محماد» أو «عائشة» القيام بما يقومون به، وربما أحسن منهم أيضا.

واليوم، تقوم شركة «فيوليا» الفرنسية بطرد أطر مغربية كبيرة من الشركة لتعويضها بأطر فرنسية قادمة من الشركة الأم التي تعاني من الأزمة في فرنسا. ومؤخرا، حاول أحد الأطر المغربية الانتحار بسبب هذا المشكل.

وبين بريد وآخر تصلني شكاوى من بعض الأطر المغربية التي يصر مديروها على تفضيل الأطر الفرنسية على الأطر المحلية، وإعطائها صلاحيات واسعة داخل الشركة تحول الأطر المغربية إلى ما يشبه الخدم في ضيعة السيد الفرنسي، الذي غير بزة العسكري المستعمر ببذلة باريسية أنيقة، لكنه احتفظ بالعقلية ذاتها التي كان يتعامل بها أجداده مع المغاربة.

عقلية الأجنبي المتفوق الذي يستغيث به المحلي الضعيف لكي يرتقي به سلم التقدم الذي يملك وحده براءة اختراعه.

والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع أن كثيرا من هذه الأطر المغربية فضلت أن تغادر السفينة وتذهب إلى حيث ستجد من سيقدر مؤهلاتها ويستغلها جيدا بصرف النظر عن أسمائها العائلية. وبجولة سريعة أمام القنصلية الكندية بالرباط وحدها، يمكن أن نخمن عدد كل الأطر المغربية التي تتخلى عن وظائفها في المغرب وتقبل بالهجرة للعمل في الشركات متعددة الجنسيات بكندا وأمريكا.

فأمثال تلك الأطر التي يكلف تكوينها خزينة المملكة آلاف المئات من ملايين الدراهم، مطلوبة في كل بلدان العالم، إلا عندنا في المغرب. وربما نحن البلاد الوحيدة في العالم التي نسمع بأن فيها مهندسين في المعلوميات عاطلون عن العمل. فهم عندنا يفضلون تشغيل «روبير» و«كلوديت» على تشغيل «الحسين» و«فاطنة»، ويقبلون بتوفير تعويضات النقل والإقامة في أفخم الفنادق لبعض هؤلاء المحظوظين على توفير حافلات محترمة لنقل المستخدمين المغاربة، ويفضلون دفع رواتب هؤلاء الأجانب بالعملة الصعبة وتحويلها إلى حساباتهم في بلدانهم على الزيادة في رواتب الأطر المغربية ومعاملتها بطريقة تليق بمستواها.

وفي كل دول أوربا، عندما يذهب المهاجرون المغاربة، ومنهم من يفعل ذلك مصحوبا بشواهده ودبلوماته العليا، يجدون وظائف محددة في انتظارهم: فلاح، بلومبيي، عامل بناء، زبال، ولائحة طويلة من الوظائف المرهقة التي لم يعد الأوربيون يطيقون رؤية أنفسهم يقومون بها.

يستحيل أن تذهب، مثلا، إلى إسبانيا وتقول لهم إنك تريد أن تشتغل في التلفزيون لأنك تمتلك تجربة في هذا المجال اكتسبتها في بلادك. سيعتذرون منك وسينصحونك بأقرب حقل أو أقرب ورش بناء، أو ربما سيقترحون عليك أخذ المكنسة وتنظيف باب القناة، فهذا أقصى ما سيستطيعون اقتراحه عليك.

حتى إن هناك قانونا في إسبانيا، مثلا، يمنع على الأجانب الولوج إلى وظائف معينة إذا لم يكونوا حاصلين على الجنسية. أما عندنا فيكفي أن تكون فرنسيا ولديك تكوين في مجال ما لكي تحصل بسهولة على عمل في كبريات الشركات والمؤسسات.

ومع الأزمة التي تعيشها فرنسا حاليا في مجال الشغل، نلاحظ توافدا متزايدا لليد العاملة الفرنسية نحو المغرب بسبب كل العروض المغرية التي يتلقاها زملاء هؤلاء العمال المتوافدين الذين سبقوهم إلى الحصول على منصب عمل في إحدى الشركات المغربية.

نحن لا نطالب بطرد الأطر الأجنبية التي تشتغل في بلادنا، وإنما نطالب الحكومة فقط بأن تعمل على مساواة أطرنا بهؤلاء الأجانب الذين تتعاقد معهم الشركات برواتب لا يستطيع تخيلها الإطار المغربي حتى في نومه. كما أن الأجانب الذين يختارون المغرب أرضا لاستثمار أموالهم يجب أن يحترموا حق الأطر المغربية في الانتماء النقابي وحقها في الإضراب الذي يضمنه القانون، تماما كما لو كانوا في بلدهم الديمقراطي، حيث الأخوة والعدالة والمساواة.

أم إن هذه القيم التي بنيت عليها الثورة الفرنسية تحترم فقط داخل فرنسا، أما خارج حدودها فتطبق مبادئ الدولة المتخلفة التي أبرزها العصا لمن يعصى.

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

ليس غريب عن دولة متخلفة مثل المغرب.

عند قراءتي لهذه التدوينه
تذكرت حال الموظفين الاجانب في السعودية
ولدى احدى الشركات الكبرى
حين يتم توظيف العامل الاسيوي وبعد فترة بسيطه يأتيهم بجنسية اوروبيه
فأن مرتبه يكون الضعف

شي غريب ..
لا اعلم هل هم الغرب اصحاب عقول
ويخافون على مصالح البلد اكثر من أبن البلد ...؟؟

السلام عليكم ، مسالة اختيار الاجنبي الفرنسي على المغربي جاء نتيجة الاستعمار الفكري الذي بدوره جاء نتيجة الاستعمار العسكري .
كذلك هناك عدد كبير من المغاربة من غير المسؤولين واصحاب شركات خاصة من يفضل الفرنسيين على المغاربة.
ايضا تعلق المغاربة بالغرب وهو ليس عيبا في اطار المعقول : يجعل من اختيار الآخر بدل الوطني اولويا لاسيما وان ثقافة الغربي يعتقد انها متقدمة على ثقافة المغربي او من ينتسب الى العالم الفقير .
احتكاكنا بالغرب ايضا السبب في ذلك.
لابد اذا اردنا ان ندير امورنا بانفسنا ان نتعلم ونخلص في اعمالنا ونتحد على المعقول وان نحب الاخرين ولا نحقد عليهم وان نكون اطرا صالحة من اجل ان نحسن اوضاعنا ماديا وثقلفيا. وشكرا على وقتكم .