جوابا على من يقولون : فرنسة المواد العلمية ضرورة ملحة

العربية أولا و أخيرا
بقلم : الدكتور عبد الرحيم بلحاج
نقلا عن : جريدة المحجة ، العدد 321 ، ص 3 ، في يونيو 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن كنت أنسى ، فلا أنسى ما حدثني به أستاذ جامعي لمادة الرياضيات ، في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي ، حينما ذكر لي أنه كان يدرس مادة الرياضيات في الجامعة المغربية بالعربية . و كان الأمر الذي أثاره الإقبال المنقطع النظير من قبل الطلبة ، لا من جانب طلبته فقط ، و لكن من قبل عموم الطلبة ، حتى من أولئك الذين كانوا في الصفوف المتقدمة ، كانوا يتابعون محاضراته من أجل تصحيح معلوماتهم أو تعميقها أو تجديدها .

و خلال ذلك الزمن أيضا حدثني استاذ للفيزياء بالمدرسة العليا للأساتذة ــ و هو حامل لشهادة الدكتوراه و خريج إحدى الجامعات الفرنسية ــ أنه لم يفهم حق الفهم و أدقه مصطلح Pondule بالفرنسية إلا بعد أن خاض في تعريب مقررات الفيزياء في المدارس الثانوية .

و يدور الزمان دورته ، ليحدثني منذ أيام فقط أستاذ جامعي في مادة الجيولوجيا بكلية العلوم ، قُدّر له أن يدرس المادة لطلبة الجغرافيا بكلية الآداب ، و بحكم أن جميع مواد شعبة الجغرافيا تدرس بالعربية ــ نسأل الله السلامة من انقلاب خفي فيها ــ فإنه يدرس المادة بالعربية ، و أكد لي أنه لفت انتباهه إقبال طلبة آخرين و بكثرة ، من غير المستوى الذي يدرسه على مادته ، إلى درجة أن القاعة ــ على سعتها ــ تضيق بهؤلاء الحاضرين .

و في لقطة رابعة ، كنت قد حضرت لقاء شعريا ضم مجموعة من الشعراء الشباب الذين يقولون الشعر بالعربية و غيرها ... طُلب في بداية اللقاء من رئيس لشعبة الفرنسية و آدابها أن يقول كلمة بالمناسبة ــ على غرار الكلمات التي ألقيت بالعربية و الاسبانية ــ و تم التنصيص على أن يقول كلمته بالفرنسية ، لكن رئيس الشعبة هذا أبى إلا أن يقول كلمته بالعربية ، قبل أن يختمها بالفرنسية ، و لقد كان بليغا في الحالتين ... و إذا كان الرجل بليغا في الفرنسية بحكم التخصص ، فإنه ربما من الغريب أن يكون بليغا في العربية . لقد بين في هذه الكلمة بالعربية أمورا عديدة تتعلق بجمال العربية و أهميتها في التعبير الشعري ... و كان مما لفت انتباهي أكثر قوله : > .

و لذلك دعا الحاضرين من الشباب إلى العودة إلى اللغة العربية الفصيحة الأصيلة ، لأنها لغة الأدب و العلم ، و لأن الذي يتذوقها عن علم يجد لذة منقطعة النظير ، و إحساسا بالجمال الشعري الأخاذ ربما لا يوجد في أية لغة أخرى .

و أضيف لقطة خامسة ، أن هناك جمعية مغربية لحماية اللغة العربية ، أسست منذ مدة ، و السيد المؤسس لهذه الجمعية ، الأستاذ موسى الشامي حفظه الله ، أستاذ متخصص في اللغة الفرنسية . و كم دعا هذا الأستاذ في أكثر من منسابة و مقام ، و من منطلق اغترابه في تخصص اللغة الفرنسية، بل و من منطلق آخر أكبر منه أنه كان عضوا و ربما مسؤولا في جمعية لأساتذة المدرسين للفرنسية ، دعا أكثر من مرة و بحجج دامغة إلى ضرورة العودة إلى اللغة العربية ، و استنكر كما يستنكر كل مغربي غيور ما يلطخ ألسنتنا و شوارعنا و محلاتنا ، و قبل ذلك و بعده ، إدارتنا من سيطرة اللسان الجنبي الفرنسي ، حتى إن الزائر لهذا البلد العزيز يتساءل هل هو فعلا داخل بلدٍ لغتهُ الرسمية هي العربية .

إن هذه الحالات كلها تدل دلالة قاطعة أن اعتماد اللغة العربية في جميع القطاعات : في الإدارة ، و في المدرسة ، و في الجامعة ، و في الشارع أمر ضروري . و إن كان من مجال ينبغي التنصيص عليه أكثر ، فهو المجال الجامعي و الإدراي . فكم من طالب جامعي يدرس الطب أو الرياضيات أو الهندسة أو غيرها من المواد بلغة أجنبية لا يفهم الكثير مما يقدم له ، لأنه لا يعرف هذه اللغة حق المعرفة ، و لأنه غريب عنها .

إن الاحتجاج بأن الأستاذ يحتاج بشكل مستمر إلى ترسانة من المصطلحات المتجددة و من ثم ليس هناك من بد من التدريس باللغة الأجنبية أمر مردود جملة و تفصيلا ؛ فقدرة الأستاذ الجامعي المغربي ، و العربي عموما ، في العلوم المادية و معرفته المسبقة باللغة العربية تجعلانه مؤهلا للتدريس باللغة العربية .

و بيان هذا الموضوع قد أوضحته العديد من البحاث العلمية ... و يكفي أن نشير في لقطة أخيرة إلى أهمية التدريس باللغة العربية و دوره في التكوين المتميز للطالب :
لقد كان خريجو كلية الطب بسوريا إلى حدود الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي يُقْبَلون في كليات الطب الفرنسية من أجل التخصص دون أي شروط أو امتحان أو انتقاء مع أنهم كانوا و ما زالوا يَدْرُسون الطب بالعربية ؛ بينما كان طلبة شمال إفريقيا يخضعون من أجل قبولهم إلى إجراء مباراة أو انتقاء مع أنهم كانوا و ما يزالون يدرسون الطب بالفرنسية ، و لم تشفع لهم فرنسيتهم بالقبول المباشر على غرار زملائهم السوريين .

بكل تأكيد ، هذا يرجع إلى تمكن الخريجين السوريين من التخصص الطبي بشكل أدق بسبب دراستهم باللغة العربية .

مشاركات القراء: