إقحام الفرنسية في التعليم سيضيع مستقبل المتعلمين

هذه رسالة أوجهها لجمعيات آباء وأولياء التلاميذ أن يدركوا أن ليس ثمة مسوغ لاستبقاء لغة ميتة كالفرنسية في البرامج التعليمية، لأنه من شأن ذلك أن يضيع مستقبل فلذات أكبادهم ويضعهم خارج العصر وخارج التاريخ. فليطالبوا الوزارة المعنية بحذف هذه اللغة وتعويضها بلغات المستقبل.. ليس دفاع بعض المسؤولين عنها إلا خشية أن يفقدوا مناصبهم لأنهم لا يحسنون غيرها .

لم يطلنا من هذه الفرنسية إلا المسخ وتشكيل شخصية مغربية مشوهة خارجة عن العصر وعن الهوية الوطنية وليس لها من الإنتماء للبلد إلا البطاقة ! لماذا تنفق المليارات على تدريس الفرنسية للمتعلمين وليس الإنجليزية ؟ لماذا يفسح المجال للمئات من المدارس والبعثات الفرنسية في المغرب التي لا تخرج إلا ممسوخين على شاكلة أعضاء "مالي" ؟ لسنا هنا بصدد تعداد الإهانات التي تقدمها لنا فرنسا، ومكافأتنا لها بفتح الباب على مصراعيه لشركاتها التي تربح المليارات في كل القطاعات ، وإعطاء القيمة الإعتبارية الرسمية للفرنسية والمخالفة الصريحة الصارخة للدستور لعيون فرنسا ، وتكريس هذه اللغة في الإعلام..هذا كله بدل أن نحذو حذو الجزائر ونطالب فرنسا بتعويض جرائمها البربرية الهمجية ضد الشعب المغربي أيام الإستعمار.

وما الذي أعطته فرنسا بالمقابل ؟ لقد أجاب ساركوزي ببلاغة فأهان الحكام قبل الشعب حين قرر تطهير فرنسا من كل المهاجرين العرب والمسلمين وأولهم بالطبع الجزائريون والمغاربة ! لا تقبل فرنسا دخول تلميذة إلى الفصل وعلى رأسها خمار ونحن نقبل دخول الفرنسيات إلى المغرب يرتدين السترينغات والستيانات ونسمح للفرنسيين أن ينشؤوا مواخير للدعارة في مراكش وغيرها ! أعتقد أن علاقة الدول فيما بينها لا ينبغي أن تكون من قبيل " طلعت ليه القالب" ولكن أن تكون مبينة على توازن المصالح. حقا ما أبلغ الدكتور المهدي المنجرة حين قال في زيارة خاصة إننا أمام استقلال رمزي !

لسنا اليوم بحاجة إلى لغة ميتة تتراجع يوما بعد يوم في العالم وتنحسر نطقيا وعلميا وتقنيا وفكريا وحتى أدبيا ، لقد أدرك الناطقون بالفرنسية في مونتريال بكندا هذه الحقيقة لذلك أصبحت الإنجليزية تفرض نفسها يوما عن يوم وحين نقول فرضت نفسها فليس المقصود أن الإنجليزية جاءت على ظهر الدبابة كما فعلت الفرنسية نفسها في المغرب إذ فرضت علينا بقوة السلاح، وإنما أصبح تعلم الإنجليزية ضرورة ملحة لأنها لغة العلوم الحديثة ولغة البحث العلمي و التواصل والإتصال والمعلوماتية، فنسبة الإنجليزية على الأنترنت تفوق ثمانين بالمائة. طبعا لا أقصد إهمال اللغة العربية التي تتفوق على الفرنسية لأنه لا نهضة لنا إلا بها ولكن أقصد الإستفادة من خبرات ومعارف أقوى الناس في العالم ولن يكون ذلك إلا بالإنجليزية وغيرها كالصينية على أن تتم ترجمة هذه المعارف إلى اللغة العربية لأن البلاد المتقدمة في العالم تدرس المعارف والعلوم بلغاتها الوطنية كالصين واليابان ونحن في المغرب خلط وجلط إسفاف خطير في الجامعات فرنسية ركيكة مع العامية!

وحتى بعد فترة سنضطر للتخلي عن الإنجليزية لأن أمريكا لن تكون أقوى دولة في العالم وهو ما أقر به جورج بوش في برنامج تلفزي عام 1999 معترفا أن هناك أقطابا سيتفوقون كالصين والهند ، وهو الأمر الذي لا تدركه الحكومة المفرنسة عندنا والتي لا يحسن أعضاؤها إلا الفرنسية حتى على حساب لغتهم الأم ! بينما أدركته حكومات أخرى ذلك إذ أقامت التوازن بين لغتها الوطنية وبين لغات المستقبل في منظوماتها التعليمية. فالفرنسية على المستوى العالمي يتراجع الناطقون بها يوما عن يوم ومثلنا بمونتريال المستعمرة الفرنسية التي تتراجع فيها لغة المستعمر اليوم بل إنه بعد خمس سنوات ستتحول مونتريال إلى مدينة أنكلوفونية ! كما يوضح الفيديو التالي من التلفزيون الكندي:

إن الفرنسيين اليوم عاجزون عن البحث العلمي وهم مضطرون إن أرادوا إنجاز مشروع ما أن ينجزوه على المستوى الأوربي فهم غير قادرين على التصرف وحدهم ! إن فرنسا قبل اليوم كانت تستفيد من فلسفة الألمان والأنكلوساكسون وآداب العرب كمحمد خير الدين والشرايبي وكاتب ياسين...

أما اليوم " لو أخذنا مثالاً واحداً لتراث فرنسا المعاصر، هو الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، لتبينا إلى أي حد تدهور مركز الثقافة الفرنسية في الفكر الإنساني المعاصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة . فلقد كادت الثقافة الفرنسية بين الخمسينات وأوائل الثمانينات تضارع الفكر الألماني في القيمة والمكانة والإشعاع . عاشت، حينئذ، عهدها الذهبي الذي ما عرفت مثله منذ عهد فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر، ولعلعت أسماء مفكريها الكبار في الفضاء المعرفي الكوني: من جان بول سارتر وكلود ليفي ستراوس وجاك لاكان إلى بيير بورديو وجيل دولوز وجاك ديريدا مروراً بفرفان بروديل ولوي ألتوسير وميشيل فوكو وبول ريكور . ولم يبق اليوم من تلامذة هؤلاء إلا قلة قليلة منها ألان باديو وريجيس دوبريه ... الخ . أما ما تبقى، فيكاد يشبه الفراغ " كما أشار الدكتور عبد الإله بلقزيز. والشيء نفسه في الآداب !

رغم كل هذا نجد حكومتنا تتقاعس عن إعادة الإعتبار للغة الوطنية كما وعدت في برنامجها الحكومي على لسان عباس الفاسي الإستقلالي الذي قفز على أدبيات حزبه في المحافظة على اللغة العربية، ونجد أن القيمة الإعتبارية تعطى للفرنسية وكأنها اللغة الرسمية للبلاد وهي كذلك فعلا من الناحية الإعتبارية وهذا وجه من وجوه عدم مطابقة الدستور المغربي للواقع ومخالفته الرسمية له ! لماذا تعطى هذه القيمة للفرنسية ؟ لماذا لا يفسح المجال أمام الإنجليزية أو الصينية أو الألمانية وغيرها من لغات العالم الأكثر انتشارا ومنها العربية نفسها ! لماذا تحتقر الأمازيغية وهي من مكونات الثقافة الوطنية ؟

إنه لا يمكن فصل العلم والمعرفة عن الأنظمة السياسية كما لايمكن فصل الجهل والأمية عنها، فإقامة المجتمع المعرفي رهين بهذه الأنظمة السياسية ، أي أن ما تكرس لدينا نحن من تخلف وأمية وجهل وتعليم رديء حتى يتخرج التلميذ والطالب وهو لا يحسن تركيب جملة والمعلومات العتيقة التي تلقاها في تخصصه يتعامل معها بمنهج الحفظ والإستنساخ ثم بعده استظهار وانسلاخ ! إنما كان من إفراز الأنظمة السياسية ومن هنا ينبغي أن يتفطن هذا الشعب للتجهيل والإسفاف الممنهج ويعي مصالح أجيال المستقبل ويضغط على المسؤولين وذلك بالإنتظام في جمعيات منها جمعيات الأولياء ويمارس حقه في نقد تعامل الوزارة المسؤولة مع المناهج التعليمية وتفردها بالتخطيط التربوي بما يحفظ الغرض في نفس يعقوب !

Hafid-elmeskaouy@live.fr
http://elmeskaouy.maktoobblog.com
facebook : hafid elm

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

تلميذ اليوم هو الذي سيدرس عام 2030 فلك أن تتخيل مدى تضييع الجهة المعنية للمتعلمين

أكبر معضلة يواجهها المغاربة، هي الفرنسة التي تقضي على المستقبل العلمي و الثقافي و الاقتصادي للأجيال:
فالساعات العديدة المخصصة للفرنسية في المرحلة الابتدائية، و التي ترهق التلميذ المغربي بلا فائدة، يمكن استثمار جزء منها في تدريس اللغة الانجليزية، و جزء آخر في تقوية المستوى العلمي للتلاميذ، و جزء ثالث في التفتح الفني و التقني.

يا لهول المستقبل الاسود الذي يمنينا به المتفرنسون و أزلام اللوبي الفرنكفوني اللعين في المغرب: فهم يريدون قطع صلاتنا بالعالمين الاغلوساكسوني و الاسلامي الذين يمثلان سويا أكثر من ثلاث ملايير نسمة، و يريدوننا في المقابل أن نجعل من الفرنسية لغتنا الأولى: فمن يتكلم الفرنسية في العالم: فرنسا التي تتدهور يوما بعد يوم، و بعض الدول الإفريقية التي لا حول لها و لا قوة ؟ بئس اللغة الفرنسية، فهي وسيط العلمنة و الإلحاد و الغباء

أكبر معضلة يواجهها المغاربة، هي الفرنسة التي تقضي على المستقبل العلمي و الثقافي و الاقتصادي للأجيال:
فالساعات العديدة المخصصة للفرنسية في المرحلة الابتدائية، و التي ترهق التلميذ المغربي بلا فائدة، يمكن استثمار جزء منها في تدريس اللغة الانجليزية، و جزء آخر في تقوية المستوى العلمي للتلاميذ، و جزء ثالث في التفتح الفني و التقني.

يا لهول المستقبل الاسود الذي يمنينا به المتفرنسون و أزلام اللوبي الفرنكفوني اللعين في المغرب: فهم يريدون قطع صلاتنا بالعالمين الاغلوساكسوني و الاسلامي الذين يمثلان سويا أكثر من ثلاث ملايير نسمة، و يريدوننا في المقابل أن نجعل من الفرنسية لغتنا الأولى: فمن يتكلم الفرنسية في العالم: فرنسا التي تتدهور يوما بعد يوم، و بعض الدول الإفريقية التي لا حول لها و لا قوة ؟ بئس اللغة الفرنسية، فهي وسيط العلمنة و الإلحاد و الغباء