سيطرة اللغة الأجنبية تؤدي إلى تكريس التخلف

سيطرة اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا تنتج عنها مجموعة من الظواهر السلبية و التي تؤدي إلى تكريس التخلف و إفشال جميع محاولات التنمية و منها:

ـ تكريس ثقافة الاستهلاك
التمكين للغة أجنبية في مجتمعاتنا يوحي للفرد بأن التفكير و الإبداع من اختصاصات الآخر صاحب اللغة المسيطرة مما يخلق عزوفا عن الإبداع و يكرس ثقافة الاستهلاك و منه استيراد القوانين والحلول الجاهزة و هي ظاهرة تستحق أن توضع في خانة الطرائف لما فيها من غباء. و السبب هو أن المقلد غالبا ما يصدر عنه رد فعل يتسم بالغباء عند مواجهة تحد غير مسبوق ليس لضعف ذكائه ولكن لأنه اختار التقليد وعطل جانب الاجتهاد.

ـ التكاسل وقتل روح المنافسة:
قال صاحب المقدمة : '' النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب''. فإذا كان الآخر كاملا فلا مجال لمضاهاته أو التفوق عليه وهذا يدعوا النفس إلى الإحباط و التكاسل، و التمكين للغة المنتصر يزيد من الإحباط و يضمن انتقاله إلى الأجيال التي لم تشهد الهزائم بل يزداد تعظيم المنتصر في النفس لأن الاستعمار اللغوي لا يظهر من المستعمر إلا حسناته و نقاط قوته.

ـ تحقير الذات:
التمكين للغة أجنبية يؤدي بالضرورة إلى تحقير اللغة الوطنية و بالتالي تحقير الذات والملاحظ أن جميع الحضارات التي مرت عبر تاريخ البشرية قامت على عقيدة التفوق و فكرة التفوق تسبق النهضة وليس العكس. إذن فشعب يحتقر ذاته يستحيل أن يصنع حضارة.

ـ بث الفرقة في المجتمع و انتشار الظلم:
إتقان لغة أجنبية خصوصا في ظل نظام تعليم فاشل يحتاج إلى إمكانات لا تتوفر لدى عامة الناس زيادة على سهولة التأثر بثقافة و أسلوب حياة أصحاب اللغة المسيطرة يؤدي إلى بروز فئة معزولة ، متغربة و مسيطرة ( بحكم علاقتها بأصحاب اللغة المسيطرة) ليست لها عناية بمصالح العامة و إصلاح أحوالهم و درأ المفاسد عنهم إنما همها رعاية مصالحها و مصالح إخوانها في اللغة، مما يؤدي بالضرورة إلى تدهور أحوال العامة و انتشار الظلم و الفساد و الجهل بينهم وغياب العدل الذي هو أساس الحضارة.

و لا بأس هنا من الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أن المجتمع المتجانس ثقافيا أقرب إلى العدل في داخله و إلى الجور مع الآخر ( باستثناء المجتمع الإسلامي في زمن القوة حيث كان العدل حتى مع أهل الأديان الأخرى) أما المجتمع الغير متجانس فهو أقرب إلى الصراع في داخله.

تبدأ الحضارة بفكرة التميز و التفوق عند مجموعة بشرية متجانسة تشكل مجتمعا متماسكا و قويا قادرا على تجاوز التحديات و تحقيق نهضة.
و القدرة على تجاوز التحديات و تحقيق نهضة ترجع لسببين:

الأول: التجانس:
* التجانس مظنة للعدل لأن رابط الأخوة في مجتمع متجانس ( الأخوة في الدين أو العرق) أقوى من النزعة الفردية. و الظلم إنما سببه تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. والعدل كما يقال هو وضع الشئ في موضعه و منه إسناد الأمور إلى أهلها, مما يساعد على إبراز مواهب وطاقات المجتمع.
* التجانس مظنة الاستماتة والشجاعة عند مواجهة التحديات وذلك بسبب تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

الثاني: عقيدة التفوق:
المجتمعات التي تسودها عقيدة التفوق (التفوق الديني أو العرقي) تتميز بكونها أكثر ثقة و أكثر واقعية بسبب سعيها لتحقيق ما لم يستطع الآخرون تحقيقه لإثبات تفوقها على أرض الواقع . و الواقعية هي فن تحويل المستحيل إلى ممكن, لأن ما يظهر على أنه مستحيل ليس بالضرورة كذلك و الدليل هو أن كثيرا من الإنجازات التي حققتها البشرية كانت تعتبر مستحيلة. أما واقعية المجتمعات الضعيفة فهي تكريس الواقع.

بعد النهضة تأتي مرحلة التوسع إما لتغيرات اجتماعية و اقتصادية فرضتها النهضة أو استجابة للعقيدة التي أسس عليها المجتمع.فتتشكل بذلك الدولة و تصل الحضارة إلى أوج إشعاعها.

لكن مع التوسع يبدأ الاختلاط بالشعوب المسيطر عليها فيفقد المجتمع تجانسه و شيئا فشيئا تميل كفة النزعة الفردية على حساب رابط الأخوة, فيصبح المجتمع عرضة للصراعات الداخلية و الاستبداد و بالتالي ينتشر الظلم و الفساد حتى يضعف المجتمع من الداخل. وقد تتميز هذه المرحلة بامتلاك الدولة لجيوش كثيرة العدد و حسنة التسليح لكنها غير متجانسة و غير فعالة عكس المرحلة الأولى, فتتوالى الهزائم و التمردات و تعجز الدولة عن تجاوز التحديات فتبدأ مرحلة الانهيار.

يبدأ الانهيار من الأطراف (كما قال ابن خلدون في المقدمة) و تنكفئ الحضارة نحو مركزها و يبرز الصراع بين اتجاهين : تيار انهزامي و تيار مقاوم يدفعه الحنين لأمجاد الماضي وكلما كانت تلك الأمجاد عظيمة كلما كان الدافع أكبر و التيار أقوى.

إذا غلب التيار الأول'' ينقرض الأمر جملة'' , أما إذا غلب التيار الثاني فتستمر الحضارة ضعيفة في بادئ الأمر لكنها تعاود الإشعاع بعد حين مما يعطي الانطباع بأن التاريخ يعيد نفسه.

أما القول بأن التمسك بالماضي المشرق عند مواجهة التحديات يعد استجابة سلبية كما قال توينبي في نظريته التحدي و الاستجابة (راجع نظرية التحدي و الاستجابة لأرنولد توينبي) فهذا غير صحيح لثلاثة أسباب.

الأول : استجابة فرد تعرض لصدمة تختلف عن استجابة جماعة لتغير تدريجي حدث على مدى مئات أو ألاف السنوات, بل استجابة نفس الشخص قد تختلف في حالتي التغير المفاجئ أو التدريجي. وإسقاط نتائج دراسة الحالة الأولى على الثانية لا يصح.

الثاني : البيئة التي كانت تسود في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا خلال الفترة الجليدية و نهايتها تختلف جذريا عن البيئة الاستوائية من ناحية الجو و الغطاء النباتي و حتى عدد الفصول.إذن سيكون أقرب إلى الصواب القول بأن المجموعات التي هاجرت نحو الجنوب توجهت نحو بيئة مختلفة, بينما المجموعات التي هاجرت نحو دلتا النيل و جنوب العراق توجهت نحو بيئة مشابهة للبيئة السابقة(ببساطة لأنها هجرة في نفس اتجاه انحسار الجليد عكس الهجرة نحو الجنوب)

الثالث : يؤكد الواقع بأن استحضار أمجاد الماضي لا يعد استجابة سلبية بل بالعكس يعد أهم دافع لتغيير الواقع المر.
ألا يشعر الواحد منا بثقة بالنفس و حماسة للتغيير و الاستقامة لمجرد قراءة كتاب أو مشاهدة برنامج يخبر عن بطولات و إنجازات الماضي المجيد.

هذه هي المراحل الطبيعية التي تمر منها كل حضارة , لكنها قد تنهار في مراحلها الأولى إذا واجهت تحديات لا يمكن تجاوزها.

ـ من سلبيات التمكين للغة أجنبية أيضا تضييع الوقت و المال:

قال غاندي :"إن لغتنا انعكاس لأنفسنا. فإن قلتم لي إن لغاتنا عاجزة عن التعبير عن أفضل الفكر، فإني أقول لكم أولى بنا أن نعجّل بالاندثار من الوجود. فهل هناك من يحلم بأن تصبح اللغة الإنجليزية إطلاقاً اللغة الوطنية للهند؟ (...) لماذا يُلقى بهذا المعوق على كاهل أمتنا؟ فلتتأملوا لحظة واحدة أي سباق غير متكافئ هذا الذي يضطر أبناؤنا إلى خوضه مع كل ولد إنجليزي. (...) إن كل شاب هندي يخسر بسبب وصوله إلى المعرفة من خلال اللغة الإنجليزية ما لا يقل عن ست سنوات غالية من حياته (...) إنهم يتهموننا بأننا لا نأخذ بزمام المبادرة . وأنى يكون لنا هذا ونحن نكرس سنوات حياتنا الغالية في التمكن من لغة أجنبية؟"

هذه بعض الظواهر السلبية الناتجة عن تغلغل اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا وهي سلبيات كفيلة بإضعاف أقوى الأمم فما بالك بأمتنا الضعيفة و الغارقة في التخلف.

لكن الانغلاق اللغوي أيضا له سلبياته خصوصا ونحن أمة لا تنتج فما هو الحل؟

الحل هو الترجمة. الانفتاح عن طريق ترجمة إبداعات الأمم الأخرى إلى اللغة الوطنية, هذه هي القنطرة الوحيدة المؤدية إلى المستقبل و البديل هو الانقراض.

إذن فعلى جميع الغيورين على مصلحة الوطن و القوى المستنيرة في المجتمع التكتل أولا, ثم العمل على ثلاثة محاور:

المحور الأول: الترجمة
ترجمة إبداعات الأمم المتقدمة إلى اللغة العربية ترجمة مبدعة (راجع دراسات الدكتور علي درويش) و النهوض باللغة العربية لتوفير بديل عن اللغة الأجنبية. و تعتبر مبادرة جلالة الملك محمد السادس بإنشاء أكاديمية محمد السادس للغة العربية خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح تحتاج إلى الدعم و التفعيل.

المحور الثاني: الاقتصاد
الاقتصاد هو قلب المجتمع. و السياسي في مجتمعاتنا المعاصرة يلبي رغبات الاقتصادي و يترجمها إلى قوانين و سياسات. إذن فالتغلغل و السيطرة على الاقتصاد هي أقصر طريق لفرض الإصلاح في جميع الميادين حتى ميدان التعليم.

المحور الثالث: الإعلام
توعية الناس بضرورة اعتماد اللغة العربية باعتبارها عاملا موحدا, والتحذير من مخاطر التمكين للغات أجنبية.

أما القول بأن الأمازيغ لا يقبلون اللغة العربية فهذا الكلام لا يقوله إلا جاهل أو مبتغي الفتنة. و الدليل هو أن المدارس العتيقة الخاصة حيث يتم تحفيظ القرآن و قواعد اللغة العربية و المتون العلمية وحتى العلوم العقلية هي أكثر انتشارا في القبائل الأمازيغية منها في القبائل العربية ولم يسبق أن سمعنا عن مدرسة عتيقة تعتمد لغة غير العربية.

مشاركات القراء:

كاتب المقال:

التعليقات

لسنا عرباااااا ولم نكن عربااااااا انه من الخطورة قول ذالك الامور تعقدت اكثر فاكثر انظروووو

http://www.youtube.com/watch?v=yBzELv2mXVw

@عدنان:
عندي فقط مشكلة مع ما سميثه "عقيدة التفوق" أخشى أن يفهم منها نوع من العنصرية خاصة عندما اضفت كلمتي "ديني وعرقي" لعل كلمة "المنافسة" أو "التحدي" قد تكون اوضح....
المغالاة في الوطنية قد تولد عنصرية وكراهية للآخر

@زائر:
تعتبر فرنسا كل ناطق بالفرنسية "فرنكوفوني" ونعتبر نحن كل ناطق بالعربية "عربي"
فكيف تقبل فكرة أن المغرب بلد فرنكوفوني ونسبة الذين يتحدثون مع امهاتهم بالفرنسية لا يزيد عن 1%؟
في حين أن العربية يتحدثها أكثر من 90 % من المغاربة...

شكرا أخي على التعليق.
المشكلة هي أن 'عقيدة التفوق' لها سلبيات كثيرة ذكرت منها الجور, ظلم الآخر و ليس فقط الكراهية . لكن لها أيضا إيجابيات ذكرت منها الرغبة في التفوق على الآخر و هي بذلك تشكل دافعا. و لتوضيح الدافع أنقل مثالا من مقالة ل د.عبد الكريم بكار (.... شاب شكا إلى (أفلاطون) ضعف إنجازاته ، فقال له الحكيم : أنت تحتاج إلى دافع ، فقال الشاب : ما المقصود بالدافع ؟ فشرح له أفلاطون مراده ، فلم يستوعب الشاب ، فما كان من أفلاطون إلا أن قام وأخذ بيد الشاب إلى بحيرة قريبة منه ، ثم وضع يده على رأس الشاب و ضغط عليه ، فغمره بالماء وبعد ثوانٍ أحسً الشاب بالضيق ، وبذل جهداً كبيراً حتى أخرج رأسه من الماء فقال له أفلاطون : هذا هو الدافع ).
و للحصول على إيجابيات الإحساس بالتفوق دون سلبياته, يكفي مثلا أن نربي أفراد مجتمعنا على أننا "خير أمة أخرجت للناس" , لخلق دافع قوي بما فيه الكفاية لتحقيق إقلاع و الخروج من مجال جاذبية التخلف ( دون كراهية).

أتمنى قراءة المزيد من التعليقات, و خصوصا الانتقادات البناءة, لسبب بسيط هو أننا كأفراد نبني قناعاتنا بشكل تراكمي, نبني فوق أفكارنا السابقة أفكارا جديدة و هكذا, وكل انحراف ولو كان بسيطا في البداية يؤدي إلى انحرافات كبيرة. من المهم جدا سماع الآراء المخالفة لاستكمال دائرة التصحيح الذاتي وهي ( طرح أفكار-> سماع الآراء المخالفة -> المقارنة -> تصحيح الأخطاء...) و الهدف هو الوصول إلى الحكمة.

شكرا عدنان على التوضيح.

الخيرية هي نتيجة لما نقوم به من اعمال حسنة وليس لأننا مسلمون وفقط.

مفهوم الدافع جميل جدا. ويمكن أن يجتمع مع المنافسة/ التحدي كما في تجربة نهضة كوريا الجنوبية: فكما نعلم جميعا كانت كوريا أفقر من المغرب قبل أربعين سنة عقب تحررها من استعمار اليابان. لكن الشعب الكوري رفع التحدي وقرر أن ينافس اليابان في قوتها الاقتصادية وكان له ما أراد.

الاعتقاد بأننا أفضل الناس لمجرد أننا مسلمون أو عرب أو أمازيغ أو لسواد عيوننا قد يدفعنا إلى الكسل والخمول والرضا بواقعنا خيره وشره.

لكن الاعتقاد بأننا سنكون أفضل الناس إذا عملنا أكثر وأحسن من غيرنا سيدفعنا إلى الاجتهاد للحفاظ على المكانة التي وصلنا إليها أو أعلى.

اتمنى او اصدق با احمد لكنك كذبت بقولك اننا نتاكلم العربية كاغلبية ارجوك مامحل العربية في تاريخ المغرب و شمال افريقيا
شاهد بنفسك ولا تقل لي ان العرب وجدوا قبلنا

http://www.youtube.com/watch?v=FfjD9xhPWEE

@زائر
الرقم الذي أعطيتك هو لنسبة الذين يفهمون العربية انطلاقا من ملاحظتي/تجربتي الشخصية.. إذا كانت عندك احصائيات رسمية فقدمها لي بدل ذلك الرابط.

المقصود من كلامي ليس هو التقليل من نسبة المتحدثين بالأمازيغية بل إنه فخر لهم أنهم يتحدثون لغتين أو أكثر...

المغرب للمغاربة جميعا ولا يهم من سكنه أولا ولا اظنك كنت هنا قبل 60 سنة ..