نريد حداثة مغربية فكرا وثقافة

لقد سالت أقلام العديد من المفكرين العرب عن الحداثة و ما بعدها في عالم العربي ، وأسسوا لها انطلاقا من مرجعيات غربية ، لم نعشها في عالمنا العربي ، و سوف أحاول مناقشة موضوع الحداثة و موقعنا منها ، و هل نحن عشنا الحداثة ، حتى نعيش ما بعدها.

لم يكن مفهوم الحداثة في اوربا بمحض الصدفة، يعني ذلك أن هناك ظروفا سياسية و فكرية و اقتصادية مهدت لذلك ، و التي يمكن أجمالها اختصارا في الآتي:

فالتحولات الكبرى في أوروبا و التى بدأت في العصور الوسطى و الحروب الدينية اي بين السلطتين الدينية – المتمثلة في الكنيسة و رجال الدين – و السلطة الزمنية – المتمثلة في الأنظمة السياسية التي كانت خليطا من المملكات و الكيانات الصغرى ، هذا الصراع الذي استمر سنوات ، تمخض عنه الركيزة الأولى للحداثة – ودائما في المفهوم الغربي – وهي فصل الدين عن الدولة العبارة الغربية المعروفة – ما لقصر لقيصر و ما لله لله –.

ننتقل الى المستوى السياسي يمكن ان نحدده أساسا في الحركات القومية و الليبرالية في أوروبا الى الحربين العالميتين الأولى و الثانية ، و ما طبع دلك من من أحداث دامية و لا ننسى هنا المواثيق العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان ..... أنتجت هذه الصراعات السياسية ، الدول الأوربية الحالية بحدودها المعروفة حاليا وهي الركيزة الثانية للحداثة الغربية.

ثالثا ، المستوى الاقتصادي و المتمثل في الثورتين الفلاحية و الصناعية إلى الثورة التكنولوجية و قد لعب النظام الرأسمالي هنا دورا أساسيا لا يمكن ان نتجاهله ، و هو الركيزة الثالثة للحداثة. ولا بد من إضافة الجانب الاجتماعي و البشري ، بداية من النهضة الأوربية الى اختراع الإنسان الآلي الى الانترنيت.

اذا أخدنا هذه المعطيات، و حاولنا ان نجد لها أمثلة اليوم في العالم العربي الإسلامي ، من حيث الجانب الديني ، فالإسلام مجرد مصدر من مصادر التشريع فلا نحن أخدنا به كليا في اقتصادنا و سياستنا و مجتمعنا ، و لا نحن فصلناه عن الدولة، و العربية السعودية في واقعها الحالي لا تمثل النموذج العربي للدول الإسلامية ، و أصلا لا وجود لنموذج إسلامي حقيقي الجانب السياسي ، هنا لا يمكننا ان ننسى التضحيات الجسام التي قدمها أسلافنا منذ القدم إلى الحملات الاستعمارية على خلال القرنين 19 و 20 م من أجل الحفاظ على استقلال العالم العربي من كل عدو و مستغل أجنبي ، ولكن اليوم كل هذه التضحيات ضربت على عرض الحائط و من يحكم الدول العربية هم أبناء زواج غير شرعي بين رجال المال و السلطة السياسية .

أما الجانب الاقتصادي ، فاقتصادنا ليس رأسماليا ولا اشتراكيا بل اقتصاد تتحكم فيه عصابات المال و الجاه و العشيرة و العصبية و الاستقراء بالعدو حتى الصهيوني. الجانب الأخير هو الجانب الفكري الاجتماعي ، و ندرج مثال هناك من المثقفين في الجامعات و المعاهد العربية لا يحسنون استغلال وسائل الاتصال الحديثة كالانترنيت و غيره.

نقطة أخرى انظر الى نسب الأمية ، و البطالة و الرشوة ...... ، و طلبة الجامعات لا يستطيعون إقامة ندوة فكرية او مسابقات ثقافية والأكثر من هذا عندما نجد بعض المفكرين العرب او الفنانين الذين يتحدثون عن الأمية في بلدانهم و ينسون أنفسهم على أنهم على قمة الأمية ماداموا لا يتكلمون الا لغة المستعمر الفرنسي و الانكليزي و لا يحسنون لغتهم الأم اي العربية .

و بالنتيجة ، فالحداثة في العالم العربي بشكل عام ،مزورة و مشوهة لا أساس لها الى حد اليوم ، و من يدعي أننا حداثيين ، فهو مخطئ تماما ،ما دام إننا نتحدث بمرجعيات غربية لم نعشها بعد ، أما ما بعد الحداثة ، فهذا أمر لا طائل لنا به ، ولنكن صرحاء مع أنفسنا و كفانا ، من مثل هذه البدع و الترهات التي لا تنم للواقع بصلة تامة .

و أرى انه لكي نؤسس لحداثة عربية تجمع بين مختلف المرجعيات الدينية و الجغرافية و التاريخية تحديدا ، لان السياسة و المجتمع في العالم العربي من المحيط إلى الخليج في سلة واحدة ، لابد من ثورة سلمية و مراجعة حقيقية و عميقة للواقع العربي اليوم من منظور سياسي و اقتصادي و اجتماعي تم من خلاله بسط كل الاختلال التي نعرفها بكل جرأة.

وهبي عبد الهادي

مشاركات القراء:

كاتب المقال: