اللغة بين تجربة الاتحاد الاوربي و مشروع الوحدة العربية

يؤكد علماء الاجتماع أن التجمعات البشرية التي تقل على 300 مليون نسمة يصعب عليها ترسيخ مكانتها بين الدول المحترمة في عالم اليوم، الشيء الذي يوحي بضرورة التكتل و الاتحاد، و بالتالي تأتي مشروعية السؤال عن الأرضية المشتركة التي تتقاسمها الدول و تأسس عليها اتحاداتها الإقليمية.

لا يختلف اثنان أن الدين و اللغة من أهم مكونات هوية الأفراد و الدول على الرغم من محاولات التحييد التي تتعرضان لها بسبب العلمانية السياسية و العولمة الثقافية ؛ لذلك فأي اتحاد إقليمي يرتبط نجاحه بمدى تقاسم الدول المرشحة للاتحاد للغة و دين مشتركين. ثم يأتي كذلك المعطي الجغرافي الذي تذوب فيه التجمعات البشرية المتآلفة لغويا و دينيا
علما بأني لست بصدد ترتيب أهمية العناصر الثلاث، اسمحوا لي أن أقفز على كل من المعطى الديني و المعطى الجغرافي لنحط على ساحة اللغة فقط حتى نحترم أهداف و أدبيات الموقع الذي نشترك فيه.

لا شك أن أوربا متعددة اللغات بامتياز و أكاد أجزم أن هذا التعدد المرتبط بالهوية الشخصية لكل دولة أوربية كان و لا يزال من أهم العقبات أمام القيام السلس و الشامل للاتحاد الأوربي و إن كان العائق اللغوي لا نقرأ و لا نسمع عنه كثيرا في الكتابات و النقاشات السياسية و الفكرية إلي درجة أن المرء ليتساءل هل يتعلق الأمر بطابوا أوربي؟

المهم أن أوربا استطاعت رغم ذلك أن تأسس اتحادها على خلفية أمنية (بداية كانت القضاء على حقبة الحرب' الأهلية' الأوربية، و اليوم تتقوى هذه الخلفية بما يسمى الحرب ضد الإرهاب) ثم على خلفية اقتصادية(بداية تحركها المساعي إلى التطور الاقتصادي و الآن تفرضها العولمة)

و الخلفيتان وجدتا في المجال الجغرافي حافزا إلي هذا الاتحاد. و لا يفوتنا أن نشير في هذا السياق إلي أن سؤال انضمام تركيا إلي الاتحاد تسقط عنده أهمية المعطى الجغرافي و يبرز مكانه المعطى الديني و الحضاري المشترك بين الأوربيين و الذي تفقده تركيا على الرغم من تبنيها الدستوري للعلمانية و لمبدأ الجمهورية, غير أنه يجب الاعتراف أن فكرة النادي المسيحي ليست مكشوفة.
إلا أن المعطى الحضاري يستثر وراء شروط ولوج تركيا إلى الاتحاد كضرورة ملائمة القوانين التركية، و الالتزام بحقوق الإنسان و احترام حقوق الأكراد في تركياووو

إنه اتحاد سياسي لا أقل و لا أكثر، تتناسق فيه الجهود لبلوغ أهداف مشتركة أمنية و اقتصادية، و أي اتحاد حضاري أوسع تعوقه مفاهيم السيادة و الهوية المختلفة و المركبة..ولكم واسع النظر في مسألت الدستور الاوربي و قبله العملة الموحدة و ما تطرحانه من تشاءل حول هوية أوربا.

و إذ نؤكد عل أهمية اللغة كشرط من شروط فعالية مشاريع و تجارب الاتحاد، سنضرب المثال التالي من التجربة الاوربية و سنعرج في وقته على مشروع الوحدة العربية.

كما تعلمون أن الاتحاد الأوربي يلزم كل دولة عضو بفتح صفقاتها العمومية في وجه دول الاتحاد كلما بلغت الصفقة مبلغا ماليا معين سلفا. في هذا السياق طرح مشكل الترجمة و مدى دقتها في التعبير عن موضوع الصفقة؛ وهذا في نظر الأوربيين مشكل لا يمكن تجاوزه لأنه يرتبط بمبادئ المنافسة و تكافىء الفرص في ولوج الصفقات.

مثل هذه المبادئ لا تتقبل إقصاء الشركات المتنافسة بسبب عدم قدرة الترجمة على التعبير الدقيق عن موضوع الصفقة.
لهذا و أمام تعدد اللغات الأوربية، قام البرلمان الأوربي بإحداث" رموز على شكل أرقام" تحيل كل منها على موضوع معين للصفقة حتى يتم تجاوز العراقيل اللغوية و ما يمكن أن تسببه الترجمة من تفاوت في فهم و هذا ما سموه بالإنجليزية :
(CPV)Commun Procurement Vocabulary

ستجدون تعريفا بسيطا لهذه الرموز بالفرنسية على الموقع التالي:

http://www.eic.ccip.fr/informations/marpub/avis.htm#som05

كما تجدون معاني هذه الرموز بالفرنسية على الموقع التالي:

http://www.marche-public.fr/Marches-publics/Nomenclature/Marches-publics...

السؤل المطروح: هل كان الأوربيون سيلجئون إلى الأرقام و الرموز لو أن لهم لغة تجمعهم كالعربية عندنا؟

لقد بلغ عدد هذه الرموز المحدثة 200 8 رمز، و هو العدد الذي يفوق بكثير كل حروف اللغات الأوربية مجتمعة و التي لم تصعفهم في هذا المجال.
غير أن هذا المثال لا يجب أن يوقعنا في التبسيط و ينسينا أن التعددية اللغوية تشكل عائقا على مستويات أكبر من مثال الصفقات السابق، خصوصا إذا ما ثم ربطها بالهوية بمفهومها الشامل.

نحن لدينا حروف هجائية موحدة و هوية عربية و إسلامية مشتركة نقتحم بها أي عقبة على طريق مشروعنا الاتحادي العربي، لكن للأسف هناك من يريد بقصد أو بجهل، أو هما معا، أن يجعل كل فرصة مستقبلية للاتحاد العربي تصطدم بالعائق المتعلق باللغة و بالهوية وذلك عبر إقصاء و طمس شبه ممنهج للغة العربية و للهوية العربية و الإسلامية المشتركة.

اللغة العربية اليوم تعيش أسود أيامها، و مشاريع البلقنة أصبحت تفعل علنا و بعنف، و المزايدة السياسوية على هوية العديد من الأقطار العربية بلغت طورا متقدما الى درجة أن سمعنا في العراق من يريدها كردية، و في مصر من يريدها فرعونية، و في المغرب العربي من يريدها أمازيغية؛ وكل هذا ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الثلج.

و بالمقابل، نعيش اليوم على إيقاع تبلور شعور عربي بضرورة النهوض باللغة العربية، هذا الشعور نتلمسه وسط الشباب المتطلع للنهضة و وسط شريحة المثقفين الذين بدؤوا الخروج من سباتهم و انخرطوا في التحسيس أو المشاركة الفعلية و المؤثرة في إحياء لغة الضاد.

إن مشروع النهوض باللغة العربية الذي يؤسسه موقعكم(بلافرنسية) ليتجاوز أهداف إحياء اللغة ليبلغ بشكل ضمني التأسيس لوحدة الدول العربية و نهضتها.

مشاركات القراء: