د. إدريس جنداري

الاستعمار الثقافي كبديل للاستعمار العسكري

إن الحفاظ على مصالح فرنسا يمر عبر ترسيخ استعمار بديل يعوض الانسحاب العسكري؛ و هو أخطر من سابقه. هكذا كان قادة الاستعمار يفكرون منذ البداية؛ لذلك توجهوا إلى إخضاع النفوس و العقول ثقافيا؛ للتمكن من إخضاع الأجساد؛ و حتى إذا توهمت الأجساد التحرر؛ تبقى العقول و النفوس مقيدة و تابعة.

كاتب المقال:

مشاركات القراء:

الفرانكفونية: إيديولوجية استعمارية في عهد ما بعد الكولونيالية - 2- الاستعمار الثقافي كبديل للاستعمار العسكري

خضعت مجموعة من دول العالم العربي للاستعمار الفرنسي؛ الذي بدأ في اختراق المنطقة المغاربية منذ 1832 من خلال احتلال الجزائر؛ ووصلت السيطرة الاستعمارية ذروتها بعد فرض الحماية على المغرب سنة 1912 .
و نفس الوضع عاشته سوريا في المشرق العربي؛ فقد فرض الانتداب الفرنسي عليها بضوء أخضر من عصبة الأمم المتحدة عام 1922؛ و ذلك بادعاء المساعدة في إنشاء مؤسسات للدولة؛ بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. و خلال فترة الانتداب هذه كانت الدولة الخاضعة للانتداب الفرنسي موحدة؛ تجمع سوريا و لبنان؛ و بعد انتهاء فترة الانتداب في أواخر أربعينيات القرن العشرين؛ نشأ كيانان مستقلان هما الجمهورية السورية والجمهورية اللبنانية.
و قد تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية و الخارجية؛ مكنت فرنسا في الأخير من بسط سيطرتها على جزء من المنطقة العربية؛ بادعاء إدخال الإصلاحات؛ و نقل المنطقة إلى العصر الحديث !!! لكن الهدف –في الحقيقة- كان استعماريا صرفا؛ يدخل ضمن الحركة الاستعمارية التي قادتها أوربا خلال مرحلة القرن التاسع عشر؛ حيث تم تقسيم إفريقيا و جزء من آسيا بين الدول الاستعمارية الكبرى ( بريطانيا- فرنسا – إيطاليا – ألمانيا ...) .
و قد استمرت الهيمنة الاستعمارية الفرنسية؛ حتى حدود الستينيات من القرن العشرين (بخصوص المغرب العربي)؛ حيث انسحبت فرنسا على وقع مقاومة شرسة؛ سواء في المغرب أو في الجزائر أو في تونس ... لكن هذا الانسحاب لم يكن تاما؛ لأنه كان من جنس الاستقلال المشوه و الناقص الذي قبل به الانتهازيون؛ خدمة لمصالحهم الخاصة؛ و ضدا على مصلحة أوطانهم.
لذلك تمكنت فرنسا من الجمع؛ ما بين الانسحاب الشكلي و الإبقاء على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة؛ و ذلك بالاعتماد على خدامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم) الذين سيحملون راية الفرانكفونية عاليا. و يتشكل هؤلاء –في الأغلب- من النخبة السياسية الحاكمة؛ و كذلك من النخبة الثقافية التي دافعت على مصالح فرنسا في المنطقة؛ بادعاء الدفاع عن قيم الحداثة؛ التي لا يمكنها أن تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية !!!

كاتب المقال:

مشاركات القراء:

Subscribe to RSS - د. إدريس جنداري