الإدارة المغربية

الوزيـر سعـد العلمـي ومرسـوم إلزامـية التعامـل باللغـة العربيـة

عبـد الفتـاح الفـاتحـيعبـد الفتـاح الفـاتحـي

بـرؤيـة استشـرافيـة وبعدسـة بانوراميـة نرصـد جـواب الوزيـر المكلـف بالعـلاقات مـع البـرلمان السيـد سعـد العلمـي الأربعاء الماضـي فـي معـرض رده علـى سـؤال شفـوي بمجلـس النـواب حـول هيمنـة التـوجـه الفرنكفونـي علـى الثقافـة الوطنيـة، قال بأن تدابيـر مرسـوم إلزاميـة استعمـال اللغـة العربيـة فـي الوثائـق والمذكـرات والمـراسلات والمحاضـر والعقـود والتقاريـر والاجتماعـات وغيـرها مـن الوثائـق المتبادلـة بيـن إدارات الدولـة والجماعـات المحليـة والمـؤسسات العموميـة سـواء فيـما بينـها أو مـع المـواطنيـن ستبقـى رهيـنة بمـدى تجـاوب وانخـراط باقـي الأطـراف الأخـرى مـن إعلامييـن وفاعليـن اقتصادييـن واجتماعييـن ومختلـف هيئـات المجتمـع المدنـي.

ودلالـة هـذه الخاتمـة التـي اختتـم بـها السيـد الوزيـر جوابـه، وهـو بـذلك يستبـق أيادي قـد تمنـع صـدور هـذا المرسـوم وخروجـه إلـى حيـز الوجـود، والأكيـد أن تـلك الأيـادي هـي التـي لا زالـت تعتـرض علـى إخـراج أكاديميـة محمـد السـادس للغـة العربيـة إلـى حيـز الوجـود بعـد مـرور حـوالي نصـف عقـد مـن الزمـن علـى صـدور الظهيـر الملكـي لإنشـائها.

كما أن قـراءة مـا وراء سطـور خاتمـة السيـد الوزيـر سعـد العلمـي لتبـرز أيضـا تخـوفا مـن الاعتـراض علـى هـذا المرسـوم ليـس وقـت تقديمـه إلـى البرلمـان فحسـب، بـل حتـى بعـد المصادقـة عليـه حيـث قـد لا يجـد صـدى لتطبيـق بنـوده فيكـون مصيـره مصيـر المراسيـم والمذكـرات الوزاريـة السابقـة التـي صـدرت مـن قبـل دون أن تفعـل، وتحمـل خاتمـة كـلام سعـد العلمـي دلالـة أخـرى أن هـذا المشـروع قـد لا يصاحـب بقوانيـن زجريـة لمعاقبـة مـن لـم يمتثـل لقانـون التعامـل باللغـة العربيـة فـي الإدارات العموميـة.

إن بمـا ختـم بـه الوزيـر المكلـف بالعلاقـة مـع البـرلمان جوابـه عـن سـؤال هيمنـة التوجـه الفرنكفـوني علـى الثقافـة الوطنيـة يكـون السيـد الوزيـر قـد تـرك الحبـل علـى الغـارب فـي عـدم تقديـم إجـابات شافيـة تجـاه وقـف نزيـف انهيـار الشـق الهوياتـي والثقافـي الوطنـي أمـام سيطـرة الفرنكفونيـن علـى المشهـد السياسـي، وهـو ما يعكـس حجـم استثبـات وهيمنـة الفرنكفونيـة فـي أوسـاط صنـاع القـرار الوطنـي، الذيـن بقصـد أو بدونـه يعاكسـون الحـق الدستـوري للغـة العربيـة فـي صيـانـة الهويـة الوطنيـة مـن استـلاب الفرنكفـونيـة المتناميـة، فـي وقـت تشيـر فيـه مصـادر جـد عليمـة أن عـددا مهمـا مـن صنـاع القـرار المغربـي متزوجـون بأجنبيـات الأمـر الـذي يجعلهـم يرتـدون عـن لغتهـم الوطنيـة لصالـح لغـات زوجاتهـم الأجنبيـة، وهـو واقـع حقـا يثيـر الشفقـة.

بطاقة التعريف الوطنية: خيانة للهوية المغربية

عبـد الفتـاح الفـاتحـيعبـد الفتـاح الفـاتحـي

في غمـرة احتفـالات المغاربـة بذكـرى مـرور 1200 سنة على تأسيسـها، احتفـالات التأصيـل والتجذيـر لهويتنـا المغربيـة الأصيلـة والضاربـة جـذورها في عمـق التاريـخ السحيـق، إنها ذكـرى التنبيه بوثاقة عناصـر الترابـط والتلاحـم والتواجـد والبنـاء الحضـاري الـذي أسـس لها منذ المولـى إدريـس الأكبـر ومسـار بناء تابعه ابنه إدريس الثانـي من الأم البربـرية.

ومنذ ذلك الحين والهوية المغربية تتأصل وتتقوى وتعيش أزهى قوتها، إلى أن تم التوقيع على معاهدة الحماية، ومنذ ذلك الحين بدأت عملية هدم الهوية المغربية بمحاولة استعمارية يائسة قصد تغريب المملكة المغربية، وذلك بالعمل على محاربة اللغة العربية في المؤسسات التعليمية، وهو ما تنبهت له الحركة الوطنية، فتم تعزيز تعليم اللغة العربية في المساجد والمدارس التي أقامها الوطنيون، وإذا كان الحراك السياسي والثقافي قد عرف كل هذه الغيرة أيام الاستعمار، فإنها تقلصت بعيد الاستقلال، حيـث يتـم اعتمـاد 90 في المائة من الوثائـق في الإدارة العموميـة باللغة الفرنسيـة، بل تخوض الدولة المغربيـة ووزارة الداخليـة والإدارة العامـة للأمـن الوطنـي حملـة تغريبيـة لإفسـاد ما تبقى من هويتنا المغربية وذلك بإصدار بطـائق تعـريف هويتنا نحـن المغاربـة باللغة الفرنسيـة، وهذا ما نرصـده من خلال هذا المقال:

تؤكـد العديـد من الدراسات الأنتربولوجية والتاريخية أن الهوية والوطنية نسيج تلاحـم اللغة والدين والجغرافية ووحدة الشعـور المشتـرك، والهويـة المغربيـة لا تخـرج عـن هذا النسـق بأرضها وموقعها الجغرافي، ودينها الإسلامي، ولغتها العربيـة، وامتدادتـها الأمازيغيـة، والحسانية والإفريقية... وهي ضوابـط تخـدم شـرط الانتمـاء والتعلـق بالوطـن، وتتجـاوز راديكاليـة الخطـاب النـازي (صفـاء الجنـس أو العـرق).